بقلم: د. محمد الرميحي حتى الفيتامينات اثبت العلم الحديث ان كثرة تعاطيها تأتي بنتائج سلبية تؤثر في جسم الانسان, بل تعطله عن القيام بوظائفه الحيوية, وكذلك السياسة ان استخدمت لاغراض خاصة واهداف شخصية. فقد تذكر اللبنانيون هذا الاسبوع مرور خمسة وعشرين عاما على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية, والتي يفضل اللبنانيون ان ينسبوا اطلاق شرارتها الى آخرين. وبصرف النظر عن المتسبب, فإن الحرب اللبنانية, التي كان اللبنانيون وقودها ـ وقد انقضت عشر سنوات على انتهائها ـ قد خلفت مائة ألف قتيل ونصف مليون جريح وآلاف المخطوفين والمفقودين الذين مازالت عائلاتهم تنادي بأعلى صوت للبحث عنهم والتساؤل عن ظروف اختفائهم. وبعد كل هذه الفترة التي مرت ما زالت آثار الحرب متجسدة على الحجارة وعلى الناس وفي قلوب الموجوعين, شاهدة على ما اقترف من اثم بحق لبنان الوطن والمواطن اللبناني الفرد. ويحتاج لبنان الى فترة طويلة من الزمن للخروج من آثار تلك الحرب المدمرة, التي خلفت ظلالا من الشك وعدم الثقة بين الفئات اللبنانية المختلفة, كما اخضعت سلوك بعضهم لسيطرة فكر المليشيات, لتختزل حقوق الوطن والمواطن في فئة او حزب. لقد اعتقدت بعض تلك الفرق اللبنانية السياسية المتصارعة انها تستطيع ان تفرض وجهة نظرها السياسية على بقية فئات المجتمع لتسير الوطن كله حسب ما ترى وتشتهي, كما افترضت غياب الدولة المطلق فأخذت بتطبيق ما تعتقد انه حق وعدل, زاعمة ان هذا المفترض يمنحها الحق في ان تفرض ما تعتقده على الشارع اللبناني, وهكذا بدأت الشرارة الأولى للحرب التي ظلت رحاها تدور لمدة خمسة عشر عاما دون هوادة, تدخل فيها بعد ذلك كل ذوي المصالح الخاصة والعامة ليسكب كل منهم الزيت من ناحيته لتأجيج نيرانها التي طالت بلهيبها الجيران ومن خلف الجيران. الفشل الاول والاكبر الذي اقترفته الفئات اللبنانية المتنازعة هو انها لم تستطع ان تحل تناقضاتها حلا سلميا من خلال المؤسسات التي ارتضاها الشعب اللبناني, والتي تمثل الدولة اعلى قممها النظامية فاحتكمت الى المزاج الخاص والرأي الخاص اللذين قادا بدورهما الى دورة العنف العبثية التي اجتاحت الجميع, فتحزب البعض ضد البعض الآخر, واحتمى كل طرف بالعنف طريقا ووسيلة لاسكات اصوات الآخرين, فهدم المعبد ليتهاوى على رؤوس اصحابه, ولم يعد لبنان هو لبنان حتى يومنا هذا. بدأت بلبنان لأقول ان ما كان قليله نافعا فكثيره مضر, ولأعود الى الكويت والى الحسرة التي تنتاب الجميع هذه الايام بعد ان تفجر العنف خارج قوانين الدولة, وظهر بمظاهر عدة ومفزعة, وان كنت اصر وبوضوح تام, على ان ما حدث في لبنان يختلف كليا في تفاصيله عما يحدث في الكويت, لاختلاف الظروف والبيئة المصاحبة الا انني اردت الاشارة للتنبيه والمقارنة ولفت النظر الى ان بعض الدروس قد تكون مشتركة, وهي دروس يجب على كل عاقل ان يتبينها وقد تكون ذات مغزى وفي قلبها الخروج على قوانين الدولة, فواجب ادانة الخروج على القانون مهما كانت الاسباب والتبريرات واجب عين, اذ يجب اعلان الادانة لكل اشكال العنف والتنديد بها بوضوح ودون لبس,. ومن كل الاطراف الحريصة على بقاء السلم الاهلي مستتبا من اجل استباق الاخطر وحصار الاسوأ والتوفير على فئات المجتمع اثمانا باهظة تدفعها ضريبة لوجود العنف وانتشاره. فاللجوء الى التبرير مهما كان قويا او مقنعا وحتى ان صح لا يرتب لأي فرد او جماعة في المجتمع حقوقا خارجة عن تكليف القانون, فحقوق المجتمع امور منوطة بمؤسسات اخرى مثل المحاكم او الهيئة التنفيذية او التشريعية. هذا الخلط بين ما يحق للمواطن وما يحق للدولة, هو اول الغيث في خلط الاوراق ذلك انه يؤسس لاشتباك غير محمود بين واجب الفرد في اطاعة النظام العام من جهة, وتكليف نفسه, من ناحية اخرى بما لم يكلف به قانونا في الاعتراض على سلوك اجتماعي يقوم به آخرون, خاصة اذا كان هذا الاعتراض لا بالقول الذي سمح به القانون بل بالفعل الذي يعاقب عليه القانون لأن فعل ذلك يقلق المجتمع ويثير في جنباته قشعريرة الخوف والترقب والفزع والعداء والتنافر, بحيث تتوقع فئاته المختلفة ان تدافع عن نفسها بعيدا عن سلطة الدولة التي من الواجب ان يحتكم إليها الجميع ويحترموا قراراتها لأن سلطة الدولة فقط هي التي تضمن السلامة للجميع من تعدي فئة على اخرى, كما تضمن للكافة المعيشة في رحاب مجتمع منظم وقانوني ومتحضر. قال لي صديق وهو يتحسر: ان لديه ابنة في ربيع شبابها اصبح يقلق عليها الآن بعد الاعتداء على طالبة كلية الدراسات التجارية ويخشى عليها في خروجها ودخولها وهو فزع اصاب الكثيرين لأن الحادث يتعدى الفرد ليصل بذبذباته الى جميع فئات المجتمع. قلت ان ما قليله نافع كثيره مضر, ويرغب العقلاء وهم كثيرون في ان تعالج الامور بحكمة وروية لكن البعض يرى وهو محق ان العلاج حتى الآن لم ينعقد الاتفاق عليه مجتمعيا, وذلك لسبب مهم هو انه قد بدأت بعض الافكار تطرح التبرير لهذا الحادث وامثاله بل وبدأت ايضا تحذر بأن بعض الفئات لديها من الادلة على سلوك اجتماعي ما تخبئه لوقت الحاجة وفي هذا الامر بحد ذاته خرق للحريات المدنية, فمن الاولى ان تضطلع السلطات المختصة بذلك لا الافراد وهذه الفئات التي تصدر عنها مثل هذه الاعمال من حفظ مستندات وادلة على المواطنين تحط من قدرة اجهزة الدولة على القيام بواجبها وذلك امر ليس صحيحا من جهة ولا مقبولا من جهة اخرى لتبرير الخروج على القانون بأي شكل من الاشكال. في مجتمع صغير كالمجتمع الكويتي هناك اغلبية من المواطنين يطيعون القانون وهذه الاغلبية لم تعرف المحاكم او مخافر الشرطة, كما ان هناك اغلبية تقدم القول الحسن والعمل الحسن ـ في السر والعلن ـ على غيره من الاعمال والافعال. هذه الفئة الكبيرة والصامتة تستنكر افعال العنف بل اشكالها وعلى اي صورة ظهرت كما تستنكر التعصب المقيت او مجموعة من البشر لأن لهم قرابة يحتمون بها من القانون او تبرر افعالهم الخارجة عليه. الدفاع عن الخطأ هو خطأ بحد ذاته, اما الدفاع عن الخطأ الذي يكون دافعه التعصب وهدفه خلخلة الامن الاجتماعي فيتجاوز الخطأ العادي ليصبح خطيئة في حق الوطن لأنه يسبب جرحا بالغا في البناء الاجتماعي يتصدع على اثره ذلك البناء ويتفكك وتتفتت الدولة الى عدة دويلات ذات مرجعيات مختلفة ومتناقضة ويضطر الافراد الى ان يعودوا الى تلك المرجعية الخاصة اتقاء لظلم او طلبا لنفوذ وتأثير او تحقيقا لمصالح خاصة فينفر الجميع من القانون ليحتموا بقوانين خاصة بهم. ان تم ذلك فإن الجميع سيصيرو ن في خطر وان تجنبه البعض قليلا من الوقت وتجنب شروره لفترة وجيزة, لأن مارد العنف لو افلت من قمقمه فسوف ينشر الخوف والفزع في المجتمع الآمن فيصبح مجتمع فوضى وظلم بدلا من مجتمع امان وعدالة واستقرار. لا اعتقد ان حادثة او حادثتين هما اللتان تثيران الرأي العام لتوقي الخطر, ولكنه الجو العام السائد وتراكم المشاعر الذي اتاح للبعض الخروج على القانون بأشكال مختلفة, وهو الأمر الذي يلفت نظر الجميع ويخيف العاقل ويثير الحكيم, وعلاجه لا يتوقف على رأي هنا او اجراء هناك بل علاجه الصحيح هو في البحث عن جذور المشكلة التي يشتكي منها الجميع, وهي تراجع قيم المجتمع المدني بشكل حاد, وبروز قيم كان المجتمع يعتقد انه تخلص منها, وهي قيم التعصب الضيق ذي المنحى والتوجه اللذين يمثلان نكوصا بالمجتمع الى مرحلة ما قبل الدولة, وهو امر يفرق المجتمع ويفسد المواطنة وهذا ما يحتاج الى تضافر جميع الجهود للخروج منه وبيان رذائله. قلت في البداية ان ما قليله مفيد كثيره مضر فما بالك ان كان ما نتحدث عنه هو التعصب, الذي حتى القليل منه مضر, وهو اولى ان ينبذ.