في الحفل الختامي الذي أقامته دائرة الثقافة والاعلام لتكريم الفائزين في أيام الشارقة المسرحية والذي رعاه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة, كان المشهد يعبر كثيرا حدود الحفل والمكرمين والحضور وكل تفاصيل التظاهرة المسرحية ليستشرف الغد بروح تفاؤلية جميلة. كان المشهد يعبر للمستقبل من خلال شد اليد القوية التي كان يمنحها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان لكل من وقع عليه اختيار لجنة التحكيم من أهل المسرح, المتميزين منهم تحديدا, ومن خلال ابتسامة البهجة الأبوية التي تقول بشكل واضح إن الرجل سعيد بغرسه الثقافي حتى حدود الحلم. فقد حرث في الأرض العطشى بقوة وصلابة, وبذر ما استطاع, وظل حانيا شفوقا على بذوره برغم رياح الاسمنت الخرسانية القوية وبرغم ان كل المؤثرات تقول إن البقاء لثورة الأسواق لا لثورة التثقيف. وكلما تابعت صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي من افتتاح متحف إلى تدشين بناء للفكر والثقافة ومن حفل تكريم مسرحيين إلى حفل تكريم كتّاب وناشرين, يغمرني شعور بالاطمئنان إلى ان هذا الوطن بخير طالما ارتفعت فيه قامة تحمل لواء الثقافة بكل هذا الحرص والحب والرعاية والمتابعة. وكم همست في خاطري وأنا أرى ما أرى في الشارقة بكلمة: شكرا لكل هذا العطاء. يبقى على اخواننا أهل الثقافة والفكر والفن والمسرح ألا يحولوا نشاطهم ونتاجهم وأعمالهم إلى مهرجانات كرنفالية مناسباتية, وان يمدوا جسورهم مع المجتمع أكثر وأكثر, مع الناس في الأحياء الشعبية, ومع الطلاب والطالبات في المدارس, والكليات والجامعات وفي كل مكان, فإذا كانت الناس لا تأتي للمسرح فليذهب المسرح للناس مرة وثانية ومئة حتى يعتاد الناس فيذهبون هم في المرة ما بعد المئة, وكذلك المعارض الفنية والأمسيات الموسيقية. نحن لا نقول لنعرض الفن والموسيقى والرسم في الشوارع, ولكن لنستفيد من كل هذا السخاء الرسمي الذي يوليه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي, لنكرس الثقافة في نسيج المجتمع ولنجتهد في أمر الدعاية والاعلانات والتعاون مع وزارة التربية والتعليم خاصة في شأن المسرح. فالمراهنة يجب أن تبدأ من المدارس, من هذا الجيل الناشئ لانه الأمل الوحيد في امكانية تربيته على السلوك والممارسة الثقافية الرصينة والحقيقية, وبما ان لدينا بيتا للموسيقى, ومعهدا للمسرح و... فلماذا لا نذهب بهمة وتخطيط لاستقطاب طلاب المدارس لتكوين فرق مسرحية لتقديم الأعمال العالمية مثلا, وأخرى موسيقية لتأسيس فرقة أوركسترا رسمية كما هي الأوركسترا العمانية المتألقة والتي قوامها شباب عماني مواطن. الكرة في ملعب القائمين على أمر مراكز الثقافة المتألقة دائما في مدينة الثقافة, لا نقول بتهاونهم أو اننا نمس شيئا من حساسية عطائهم, فالحق نقول انهم يتألقون ويرسمون المشهد الثقافي بحرفية وتفاؤل, لكننا نطمع في مزيد من الاطمئنان من أجل غد يتواصل فيه مشهد اليوم ليصل إلى تخوم المستقبل بقوة ترسخ الثقافة في حياتنا بكل تنويعاتها حتى تصبح طقسا ثابتا نواجه به شراسة العولمة والتذويب الثقافي.