بقلم ـ نجيب عبدالله الشامسي في ضوء مفهومنا للتنمية الثقافية في الامارات وفي ظل الاعتبارات المستجدة والمستقبلية التي تفرضها طبيعة التطور والتقدم اللذين ينشدهما المجتمع, تأتي اهمية وضرورات تحقيق تنمية ثقافية تستهدف الانسان بصفته هدف التنمية الشاملة ومحورها الاساسي, ومن هنا نحدد الاعتبارات التي تمليها ضرورات التنمية الثقافية في الامارات كما يلي: ـ ان التطور الذي ينشده الفرد والمجتمع في الامارات ومتطلبات التطوير وضرورات التنمية تفرض تشخيص واقع الهيكلية التي تحتمها طبيعة التنمية الشاملة في المجتمع. ـ ان الانسان في اي مجتمع هو هدف التنمية ومحورها وبالتالي فإن دراسة التكوين الثقافي والتعليمي تشكل عنصرا مهما في ابراز الانسان الواعي بدوره, المؤمن بأرضه ووطنه وهذا لا يتحقق إلا بتنمية ثقافية تعليمية تربوية جادة. ـ مجتمع الامارات خاصة والمجتمعات الخليجية عامة تعاني من تحديات خطيرة داخلية وخارجية وعلى كافة المسارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتستهدف هذه التحديات تفريغ الانسان من محتواه الثقافي والاخلاقي.. وبينما تتجسد طبيعة التحديات الداخلية في الثقافات الدخيلة, والتي يتصف الجزء الاعظم منها بالفقر وغياب المضمون فإن طبيعة التحديات الخارجية تتجسد في مفهوم العولمة الثقافية التي تعمل على استباحة الانسان والمجتمع لتحقيق اهداف واضعي هذا المفهوم. ـ ان الهوية الوطنية والشخصية الثقافية في الامارات قد اعتراها الكثير من عوامل التعرية والضمور والضعف بفعل المتغيرات السريعة التي حدثت في مجتمع الامارات, وان الثقافات الهزيلة والاستهلاكية تعمل على تآكل شخصية الفرد وتفريغه من هويته وزعزعة روح الولاء والانتماء العربي فيه الامر الذي يتطلب تضافر كافة المؤسسات المعنية نحو العمل على صيانة الفكر وصياغة الوعي في المجتمع وترميم الهوية الوطنية واذكاء روح الولاء والانتماء للأرض والوطن وللشخصية العربية من خلال برامج ثقافية مدروسة تؤكد على الاعتزاز بالذات الثقافية. ـ ان المتغيرات العالمية التي يشهدها عالمنا اليوم تتطلب تحصين المجتمع من آثارها السلبية, مع الاخذ بالمتغيرات الثقافية متى كانت تلك المتغيرات تنسجم وواقعنا الاجتماعي واخلاقيات وسلوكيات وقيم المجتمع. ـ ان الامارات التي سجلت تطورا كبيرا في سعيها نحو الانتهاء من وجود البنى الثقافية التحتية (مباني مؤسسات ثقافية, مسارح, جمعيات, متاحف, جامعات, معاهد, قاعات عامة للمحاضرات) وهذه البنى تمكن من تحقيق تنمية ثقافية فعلية ولكن تحتاج الى تفعيلها والاستفادة منها في تحريك الفعل الثقافي بشكل يغذي التوجهات نحو بناء الانسان ومستقبل هذا الوطن ومن خلال تكريس ثقافة وطنية وصياغة تراث ثقافي وطني متميز. ـ ان نظرة العالم الى مجتمعاتنا الخليجية تفتقر الى الجذور الحضارية والابداعية وهي تصور كأنها ليس لها رصيد من الموروث الشعبي او التراكم المعرفي, انه لم يكن لها هذا الحضور إلا من خلال الثروة النفطية, ما يتطلب من المؤسسات الثقافية وشريحة المبدعين والمثقفين ابراز الوجه الحضاري والثقافي والتراثي للرد على كل من يشك او يشكك في حقيقة حضارة هذه المنطقة, والتصدي لهذه النظرة. ـ ضرورة التنمية الثقافية يحتمها الحد من التأثيرات السلبية على اجيالنا الحالية والمستقبلية التي ولدت وترعرعت في ظل ثقافة جديدة وافدة تعاني من فقر حقيقي, الامر الذي اوجد ضعفا في ارتباط جيل الشباب بهويته الثقافية وبثقافة مجتمعية, واضعف فيه روح الولاء والانتماء لمجتمعه, لذا فإن الامر يتطلب تعريف الاجيال الحالية بثقافة مجتمعها وربطها بماضي اجدادها. تعريف التراث يعرف علماء الانثربولوجيا والباحثون في العلوم الاجتماعية التراث او الموروث الشعبي بمقولة شمولية هي (كل ما تركه السلف للخلف) ويتضمن هذا الموروث عناصر عديدة منها (العادات والتقاليد والمعتقدات والالعاب والحرف والاهازيج والامثال والاشعار والآداب وكل اشكال الابداع الانساني التي يتركها السلف للخلف) حيث تؤكد هذه الاشكال الثقافية مراحل التطور التاريخي لأية امة او شعب, وذلك وفقا للمتغيرات الاجتماعية او الثقافية والاقتصادية في كل مرحلة من مراحل التطور لهذه الامة او لذلك الشعب. ونجد ان هذا التعريف جاء متسقا مع تعريف الثقافة الذي جاء في اعلان (مكسيكو) الصادر في اغسطس 1982 حيث عرف الثقافة بمعناها الواسع (بأنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه, او فئة اجتماعية بعينها وهي تشمل الفنون والاداب وطرائق الحياة, كما تشمل الحقوق الاساسية للانسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات) . وحينما تنصرف المؤسسات والافراد في اي مجتمع الى البحث عن موروثها الشعبي وتقدمه الى الاجيال الحالية والقادة, انما تسعى من خلال ذلك الى تأكيد حقيقة التواصل بين الاجيال المتعاقبة, وتوحيد اهتماماتها ويربط تلك الاجيال التي تعيش في مكان واحد على الرغم من اختلاف المناطق, وكذلك للتأكيد على الحضور التاريخي والحضاري والثقافي لهذا المجتمع في الساحة العالمية. هكذا تبرز اهمية الموروث الشعبي التاريخية حينما يتم الغاء حواجز الزمن وتقريب المسافات وحينما يشكل كيانا قوميا معينا ثقافية وجزءا من الكيان الاجتماعي والاقتصادي لمجتمع بعينه. يشير الاستاد عمر عباس العيدروس في مقالة له تم نشرها في مجلة (الفن والتراث) الصادرة عن جميعة النخيل في رأس الخيمة الى ان مفهوم الثقافة يعني كل مظاهر التعبير الانساني بما في ذلك الادب والفن والميثولوجيا (اي الاساطير) بكل طقوسها وكذلك الاخلاق (الآداب القومية) وكل مظاهر الحياة الاجتماعية من لباس وأكل وشرب وغير ذلك من المظاهر المادية, وكذلك مظاهر التعبير الانساني وتشمل ما ينتج عن الفكر والقلب والجوارح. من هنا فإن الامارات العربية المتحدة الدولة الحديثة في تكوينها السياسي وحضورها الاقتصادي في الساحة العالمية, انما تقوم على ارضية ثقافية وحضارية ولها من تراثها الشعبي ما يميزها ويعطيها خصوصية ثقافية وما يؤكد صلتها العميقة ببقية دول العالم في الوقت نفسه. ومن هنا فإن الامارات العربية المتحدة الدولة الحديثة في تكوينها السياسي وحضورها الاقتصادي في الساحة العالمية, انما تقوم على ارضية ثقافية وحضارية, ولها من تراثها الشعبي ما يميزها ويعطيها خصوصية ثقافية, وما يؤكد صلتها العميقة ببقية دول العالم في الوقت نفسه. اما الخصوصية فمرجعها طبيعة الحياة الاقتصادية الاجتماعية, وطبيعة البيئة نفسها حيث افرزت هذه الخصوصية واقعا ثقافيا تراثيا لشعب الامارات يختلف الى حد ما في تركيبته وخصوصيته عن بقية شعوب العالم, ولكن.. لا تعني الخصوصية هنا انغلاق شعب الامارات بتراثه على نفسه, وانما يجسد هذا التراث حقيقة التواصل الحضاري والثقافي لمجتمع الامارات خلال مراحله التاريخية ببقية شعوب العالم, ومنها الشعب العربي في مختلف اقطار الوطن العربي الكبير, الامر الذي نستطيع ان نؤكد من خلاله ان تراثنا الشعبي يشكل رافدا من روافد الثقافة العربية, وكذلك الثقافة الاسلامية والانسانية اخذا وعطاء.