بقلم: عبدالرحمن الشارد تعتبر تجربة اسكان المواطنين في الامارات العربية عامة, وفي امارة دبي خاصة, مثالا ناجحا لمساهمة الحكومة في توفير سكن لائق لكل مواطنيها. لقد شهدت الامارات نموا اقتصاديا هائلا في العقود الاخيرة والذي صاحبه تطورا عمرانيا سريعا انتقل بالامارات من مجموعة مدن صغيرة الى مدن معاصرة توفر كل شروط الراحة والامان وتفتخر بمرافقها وخدماتها المنافسة لارقى دول العالم. تركز سياسة اسكان المواطنين على منح قطعة ارض لكل مواطن عند بلوغه سن العشرين, وقد ارتفعت مساحة القطع الممنوحة تدريجيا الى ان استقرت عند بلوغه معدل 15.000 قدم مربع (1.393م2) في بداية التسعينيات قبل ان تخفض الى 10.000 قدم مربع (929م2) مؤخرا (1999) استجابة لنتائج وتوصيات دراسات استراتيجية عن وتيرة استهلاك الاراضي بالامارة. وكانت تمنح مساعدات مالية للمستفيدين من قطع الاراضي وتحولت هذه المساعدات منذ 1993 الى قروض بقيمة 500.000 درهم (135.870 دولار تقريبا) بدون فائدة تسدد على مدة 25 سنة, يوفرها برنامج تمويل الاسكان الخاص الحكومي, اما بالنسبة للمواطنين غير القادرين على بناء مساكنهم تتكفل الحكومة ببناء مساكن شعبية لهم وتتحمل اعباء صيانتها واجراء التوسعات عند الحاجة وهي عبارة عن مساكن فردية (فلل) ذات ثلاث الى اربع غرف تبنى على قطع تتراوح مساحتها بين 3.000 ــ 5.000 قدم مربع. ويتم منح ما معدله 1.500 قطعة ارض سنويا للمواطنين عند بلوغهم السن القانوني, وفي بعض الحالات الخاصة تستفيد بعض النساء كالارامل مثلا والمحتاجات, كما يمكن للمواطنين الذين منحوا قطع صغيرة المساحة (اقل من 10.000 قدم مربع) من قبل الاستفادة من قطعة جديدة استثنائيا. اما المواطنون غير القادرين على بناء مساكنهم فتتكفل الحكومة ببناء مساكن شعبية لهم, وهي عبارة عن مساكن فردية منفصلة (فلل) او مصفوفة تتوفر لها كل الخدمات وتوفر ظروفا معيشية وصحية وبيئية ذات مستوى عال. المسكن الملائم تطورت مساكن المواطنين التقليدية الضيقة ذات الفناء الداخلي والمسماة (البيوت العربية) والمبنية على قطع اراضي صغيرة معدلها 2.500 قدم مربع (232م2) الى مساكن عائلية منفردة تستجيب لكل الشروط المعيشية الحديثة مشيدة على قطع اراض واسعة معدلها 15.000 قدم مربع (1.393م2) في مناطق سكنية خاصة بالمواطنين تتوفر فيها كل الخدمات الضرورية والمرافق العامة. بالرغم من النجاح الباهر الذي حققته سياسة اسكان المواطنين بإمارة دبي من حيث توفير مناطق سكنية مخدومة, إلا انه بهدف جعل هذه السياسة مستديمة على المدى الطويل يجب مراعاة التكاليف المرتفعة التي تتكفل بها الحكومة من جهة, والاستهلاك السريع للاراضي من جهة اخرى. وتقوم حكومة دبي بتقييم مستمر للاوضاع الراهنة وتضع حلولا للمشاكل المتعلقة بهذا القطاع بصفة مستمرة للمحافظة على المستوى المعيشي والبيئي للمواطنين وتحسينه. وقد شهدت امارة دبي تطورا عمرانيا سريعا في العقود الاخيرة بفضل اقتصادها المتنوع والمشجع للاستثمار الى جانب استقرارها السياسي. وفي هذه الظروف الملائمة تدعو سياسة اسكان المواطنين الى توفير سكن مناسب لكل مواطن, وقد اكد على هذا برنامج الشيخ زايد للاسكان الاتحادي (1998 ــ 1999) الداعي الى مساعدة كل المواطنين على امتلاك مسكن خاص يستجيب لحاجاتهم. وللمواطن الممنوح قطعة ارض الحق في ان يتقدم بطلب خاص الى ديوان الحاكم لامتلاكها الا انه لا يسمح له ببيعها فيما بعد, وينص القانون الجديد الذي اصدره سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بسحب قطع الاراضي غير المبنية بعد خمس سنوات من منحها لحث المستفيدين على استغلالها في اقصر مدة ممكنة لتفادي مشاكل التطور الحضري غير المنتظم. وعلى العموم تتكفل الحكومة بتوفير مساكن شعبية للفئات الاجتماعية غير القادرة, وقد شرعت بذلك منذ عقود, وجاء برنامج الشيخ زايد للاسكان (1999) ليؤكد على هذا الحق بالنسبة لكل اسرة ذات دخل سنوي يقل عن 120.000 درهم وهي محتاجة الى مسكن حكومي. وتتكفل الحكومة ببناء المساكن الشعبية التي تكون عبارة عن فلل فردية منفصلة او مصفوفة ومتشابهة في الشكل وفي مساحة القطعة الا انها يمكن ان تختلف في عدد الغرف وفق حجم الاسر, ويقدر عدد المساكن الشعبية المنجزة بحوالي 300 مسكن سنويا الا انها اصبحت اكثر انتشارا في المناطق الريفية وذلك لتحسين ظروف معيشة المواطنين فيها وتشجيعهم على الاستقرار في مناطقهم. وتتميز المساكن الشعبية بتوفيرها ظروف معيشية ملائمة للمواطنين, وباستهلاكها القليل للاراضي, وبتكاليفها المقبولة إلا ان عمليات الصيانة والتوسيعات التي تتكفل بها الحكومة تعتبر مرتفعة نسبيا ويبلغ معدلها 160.000 درهم للمسكن الواحد. أراض للبناء لكل مواطن بالغ سن العشرين الحق في المطالبة بقطعة ارض ولذا تسعى الحكومة جادة لتهيئة مناطق لسكن المواطنين وتوفير المرافق العامة. لذا شهد قطاع اسكان المواطنين تطورا متميزا خلال السنوات الاخيرة, حيث كانت مناطق سكن المواطنين تمثل عشر مناطق سكنية باجمالي 17.143 قطعة ارض في 1993/1994, في حين بلغت (23) منطقة سكنية جديدة بحلول سنة 2000 اي بزيادة (13) منطقة سكنية جديدة بإجمالي 18.957 قطعة ارض, وقد تم منح 15.640 قطعة في المدة ما بين 1992 ــ 1998. وتقدر مساحة المناطق السكنية بحوالي 11.990 هكتار, وتغطي الحاجة الى قطع الاراضي لغاية 2005, إلا ان التخوف من سرعة استهلاك الاراضي وحجمها المتزايد دفع الى تخفيض مساحة القطع الى 10.000 قدم مربع, مما يسمح بالبقاء ضمن حدود المخطط الهيكلي لمدينة دبي واحترام استعمالات الاراضي التي ينص عليها الى غاية 2015. وللمواطن الممنوح قطعة ارض الحق في ان يتقدم بطلب خاص الى ديوان الحاكم لامتلاكها, إلا انه لا يسمح له ببيعها فيما بعد, وينص القانون الجديد الذي اصدره سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بخصوص سحب قطع الاراضي غير المبنية بعد خمس سنوات من منحها لحث المستفيدين على استغلالها في اقصر مدة ممكنة لتفادي مشاكل التطور الحضري غير المنتظم. فرص متساوية للتمويل: كان المواطنون يحصلون على مساعدات مالية لبناء مساكنهم الى ان تم انشاء (برنامج تمويل الاسكان الخاص) في 1993 الذي يعطي الفرصة لكل مواطن في الحصول على قرض بناء بقيمة 500.000 درهم بدون فائدة تسدد على مدة 25 سنة. ويشترط من طالب القرض ان يستجيب لبعض الشروط, ومن اهمها ان يكون قد منح قطعة ارض وان له دخلا ثابتا من وظيفة ما يمكنه راتبه من تسديد القرض. اما ذوي الدخل المنخفض فلهم الحق في المطالبة بمسكن شعبي, وقد تمت الاستجابة لحوالي 30% من طلبات القروض للمدة الممتدة ما بين 1993 ــ 1997. وتظهر الجداول الرسمية في السنوات الاخيرة انه تمت الاستجابة لاكثر من نصف الطلبات سنويا بالرغم من محدودية ميزانية البرنامج والتي تبلغ ملياري درهم فقط. ويمكن اعتبار قيمة القرض 500.000 درهم كافية لبناء مسكن عادي, بحيث ان المساكن ذا التكلفة المحصورة بين 500.000 ــ 600.000 درهم تشكل حوالي 57% من المساكن الممولة والمبنية بين عامي 1993 ــ 1997 الا ان باقي المواطنين يبنون مساكن اكثر تكلفة وقد تتعدى في بعض الاحيان 1.5 مليون درهم. ويمثل قرض الاسكان نسبة اساسية من تكاليف المسكن الا ان التضخم في قطاع البناء بامكانه تشكيل عقبة اذا لم يتم رفع قيمة القروض مستقبلا وفق نسبة التضخم, كما يتطلب الامر رفع ميزانية الصندوق نظرا للتزايد المستمر في طلبات القروض. ويسمح البرنامج الفدرالي للاسكان (برنامج الشيخ زايد للاسكان) الذي شرع في تطبيقه مؤخرا (ديسمبر 99 ــ 2000) بالحصول علي قروض بنفس قيمة وميزات قروض برنامج الاسكان الخاص, وتقوم اللجان الفرعية لكل امارة بدراسة الطلبات والاستجابة لها وفق الامكانيات المتاحة. هذا الى جانب التمويل الحكومي الذي يمكن للمواطنين الحصول على قروض من مصارف تجارية مقابل نسبة ارباح معدلها الحالي 7% الا ان هذه النسبة للفوائد تشكل عبئا ماليا ثقيلا على المواطن. ويتكفل المواطن بتكاليف بناء المسكن, إلا ان التكلفة الحقيقة باضافة تكاليف تحضير الارض والاعمال الخارجية اعلى من قيمة القرض, حيث تتكفل الحكومة بهذه العمليات ما ييسر على المواطن عملية بناء المسكن, وقد اوضحت دراسة حديثة (1999) ان تكاليف بناء مسكن متوسط الحجم (4 ــ 5 غرف) شاملا هذه التكاليف يبلغ 800.000 ــ 1.000.000 درهم. ويمكن تلخيص التكاليف اعلاه كما في الجدول رقم (1) جدول رقم (1) تكاليف/ نوع المسكن فيلا 4 غرف فيلا 5 غرف تحضير الارض 28.601 37.181 بناء المسكن 579.368 712.269 اعمال خارجية 213.224 277.192 التكلفة الاجمالية الادنى 821.193 1.026.642 يوضح الجدول اعلاه ان سياسة الاسكان الحالية في امارة دبي والتي تتكفل فيها الحكومة بشكل مباشر او غير مباشر بجزء كبير من التكاليف (الحقيقة) للمسكن تسمح للمواطنين بامتلاك مساكن فردية مريحة, إلا ان التزايد في الحاجة الى المساكن والرغبة في الحفاظ على منجزات سياسة الاسكان يتطلبان التفكير في ايجاد طرق تمويل بديلة للمساهمة في قطاع الاسكان وتخفيف الضغط على الموارد الحكومية. الخدمات والمرافق تتكفل الحكومة بتوفير الخدمات والمرافق العامة واعمال التسوية بينما يتكفل المواطن بتكاليف توصيل الخدمة من الشبكة الرئيسية (مياه, كهرباء, صرف صحي... الخ) الى مسكنه, وقد اوضحت الدراسات ان تكاليف تهيئة المناطق السكنية في امارة دبي تقدر بحوالي 750.000 درهم للهكتار في المناطق ذات قطع اراضي التي تصل مساحتها الى 10.000 قدم مربع مقسمة كما في الجدول رقم (2) جدول رقم (2) تكاليف تهيئة المناطق السكنية البيان الطرق الرئيسية وتسويات جزئية الطرق المحلية والانارة شبكة المياه الاتصالات صرف صحي صرف مياه وامطار الري المجموع التكلفة (درهم/ هكتار) 100.000 150.000 56.000 156.000 36.900 125.000 100.000 19.200 743.100 النسبة المئوية 13.5 20 7.5 21 5 17 13.5 2.5 100 وتمثل تكاليف الطرق والتسوية الجزئية 33.5% من التكلفة الاجمالية, وتتحمل البلدية 66% من التكاليف الاجمالية بينما تتحمل هيئة الكهرباء والمياه 29% ومؤسسة الاتصالات 5% وتقدر التكاليف المستقبلية لتطوير المناطق السكنية لغاية 2015 بحوالي 7 مليارات درهم (1.9 مليار دولار) وتمثل هذه التكاليف ما معدله 190.000 درهم لكل قطعة ارض, وتضاف الى ذلك تكاليف الاعمال الخارجية كالتجميل (Landscaping) عند الانتهاء من بناء المساكن. انعكاسات سياسة اسكان المواطنين: ادت سياسة الاسكان الحالية الهادفة الى توفير سكن لائق لكل المواطنين, والتكفل الجزئي بتكاليف المسكن من طرف الحكومة الى ظهور بعض الانعكاسات السلبية التي تتطلب معالجة بإدخال تعديلات على سياسة الاسكان لتفادي المشاكل الناجمة عنها, او للتخفيف من آثارها السلبية التي يمكن حصرها فيما يلي: 1) سرعة استهلاك الاراضي: ادت سياسة منح الاراضي بمساحة 15.000 قدم مربع واكثر لكل مواطن عند بلوغه سن العشرين الى تخصيص مساحات واسعة للاسكان وقد حذرت دراسات المخطط الهيكلي من هذه الظاهرة وانعكاساتها وبناء على هذه التوصية تم تخفيض مساحات القطع تدريجبا الى 12.000 قدم مربع ومن ثم الى 10.000 قدم مربع منذ نهاية 1998 اسنادا الى توصيات دراسة مستقبلية لاستهلاك الاراضي قامت بها ادارة التخطيط والمساحة ببلدية دبي. ولقد ادى تنفيذ سياسة اسكان المواطنين الى اضافة حوالي 8.500 هكتار من الاراضي الى الكتلة العمرانية للمدينة في الفترة ما بين 1985 ــ 1998 ومن المتوقع ان يصل حجم الطلب المتوقع على الاراضي لاسكان المواطنين الى حوالي 34.000 قطعة بحلول عام 2015 اي بزيادة 10.800 هكتار بكل ما تتطلب من خدمات وبنية تحتية, ويتطلب ذلك البحث عن اراض سكنية خارج حدود المخطط الهيكلي بعد هذه المدة. لذا تدعو الدراسات الحالية الى اعادة النظر في شروط منح الاراضي وفي مساحة قطع الاراضي وتوصي بتخفيضها مجددا الى 7.500 هكتار للحفاظ على مخزون الاراضي السكنية للاجيال المقبلة. 2) عدم انتظام التطور الحضري: ساعدت قطع الاراضي الممنوحة وغير المبنية في بروز ظاهرة التطور الحضري غير المنتظم (Urban Sprawl) بالمناطق السكنية بما يترتب عنها من نقص في استخدام الخدمات والبنية التحتية ومن المشاكل الاجتماعية, ويأتي القانون الجديد الذي اصدره سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم (فبراير 2000) والقاضي بسحب الاراضي الممنوحة وغير المبنية بعد خمس سنوات من منحها كحل مبدئي لمشكلة التطور الحضري غير المنتظم. وتوصي الدراسات بإعادة النظر في شروط منح الاراضي وبوضع جدول زمني لتطوير المناطق السكنية (Phasing plan) وفق السياسة البديلة للمساعدة على حل المشكلة, وذلك بمنح القطع عند (الحاجة الحقيقية) لبناء المسكن, ويتم تحديد اجزاء من المناطق السكنية التي يتم تطويرها وفق جدول زمني مما سيخفض من تكاليف تهيئتها ويحقق تطورا وتنمية مستديمة. 3) الواجهات الحضرية والعلاقات الاجتماعية: بالرغم من بناء مساكن ذات طراز معماري متميز الا ان معظم المساكن لا تشارك بطريقة فعالة في تطوير واجهات حضرية متشابهة نظرا لبنائها في وسط القطعة في بعض الأحيان واحاطة المسكن بأسوار تحجب الرؤية وتشكل سلسلة على طول الطريق, ويعود هذا الى العادات والتقاليد المحلية التي تركز على ضرورة تحقيق مبدأ الخصوصية. ومن الناحية الاجتماعية فبالرغم من التطور الحضري السريع الذي شهدته امارة دبي منذ السبعينيات فإنه لم يكن مصحوبا بدراسات اجتماعية حول مدى تأثير هذا التطور على العلاقات والحياة الاجتماعية, وحول مدى الرضى عن المناطق السكنية الجديدة التي غيرت نمط المعيشة التقليدي. التحسن في الظروف الاقتصادية جعل من التكييف المركزي واستعمال السيارة عناصر مهمة في التصميم والتخطيط بدلا من الحلول التصميمية التقليدية المستعملة في المناخ الحار للمنطقة كالملقف والفناء الداخلي والممرات المظللة للمشاة, وأدى التخطيط الحديث الى تغييب دور الشارع والخدمات التجارية في جمع الناس وتعميق الروابط الإجتماعية فيما بينهم إلا ان بعض المواطنين يحاولون معالجة هذه المشكلة بطلب منحهم أراضٍ مجاورة لكل اعضاء الاسرة, وتشجع الحكومة هذا التوجه مما يساعد على احياء النمط المعيشي المحلي بكل ميزاته الامنية والاجتماعية في ظروف حديثة. الانجازات والتوجهات المستقبلية: من المؤكد ان سر نجاح سياسة الاسكان في امارة دبي يتمثل في مرونتها ومتابعتها للاحداث, ويتم ذلك بإدخال تعديلات عليها كلما تطلب الامر, واحسن مثال على هذا القرار الاخير لسمو الشيخ محمد بن راشد بسحب الاراضي الممنوحة اذا لم تبن بعد مدة اقصاها خمس سنوات مما يجعل من تعديل سياسة الاسكان المستمرة وسيلة ناجحة لحل المشاكل والظواهر الناتجة عن محاولات سوء استعمال السياسة التي يمكن اعتبارها (اجتماعية) بحيث ان الحكومة تساهم بشكل محسوس في توفير سكن ذو معايير عالمية (للمواطنين) والسماح لهم بالاستفادة من الطفرة الاقتصادية التي تشهدها الامارة. وقد تغيرت ظروف المعيشة في امارة دبي تغيرا جذريا, من حالة (اكتظاظ) في الستينيات والسبعينيات الى حالة الوصول الى (المعايير العالمية) في التسعينيات وفي حين كان في الستينيات معدل حجم الاسرة ثمانية (8) اشخاص يقطنون في مساكن لا تزيد على ثلاثة غرف صغيرة مبنية على قطع اراضي لا يزيد معدلها على 2.500 ــ 3.000 قدم مربع اصبح المواطنون يسكنون في مساكن واسعة حيث لا يزيد معدل الافراد في الغرفة على 1.4 شخص, وتبلغ معدل مساحة غرفة النوم 24م2, ويتمتعون بمساحات خضراء واسعة وملاحق خدم. وتوضح البيانات اعلاه الاسباب الرئيسية لتغيير النمط السكني بامارة دبي ومن بينها الارتفاع المتواصل لمعدل دخل الاسرة والذي ارتفع من 8.600 درهم شهريا في السبعينيات الى 22.333 درهما شهريا في نهاية التسعينيات اي بزيادة تعادل 260% في عشرين سنة فقط, الى جانب انخفاض حجم الاسرة من 8 اشخاص في 1970 الى 6.91 شخص في سنة 2000. وطبقا لمرونة سياسة الاسكان بإمارة دبي تضع الحكومة خططا للمحافظة على المستوى المعيشي والسني للمواطنين مستقبلا وذلك بتطبيق سياسة تحقق تنمية مستديمة (Sustainable Development) ولتحقيق هذا وضعت فرضيات تسمح باقتراح بدائل لسياسة الاسكان لبلوغ الاهداف المنشودة: * من المتوقع ان يستمر انخفاض حجم الاسرة نظرا لتزايد عدد الاسر وانفصال الاولاد عن البيت العائلي. * يشاهد اقتصاد دبي نموا مستديما إلا ان الارتفاع المستمر في عدد السكان يمكن ان يتسبب في انخفاض معدل دخل الاسرة. * تكاليف تهيئة وتجهيز المناطق السكنية في ارتفاع مستمر, والطلب على المساكن في تزايد مما يشكل ضغطا على خزينة الدولة وعلى برنامج تمويل الاسكان. * ادخال تعديلات على سياسة الاسكان بحيث يقل دور الحكومة المالي في توفير المساكن ولكن بدون التخلي عن هذا القطاع والتأكد من المحافظة على المستوى المعيشي الحالي وتطويره. وتظهر التقديرات المستقبلية ان الحاجة الى مساكن المواطنين للفترة ما بين 1998 ــ 2015 تبلغ 32.300 مسكن جديد, اي بمعدل 1.900 مسكن سنويا, وتقدر تكلفة القروض الخاصة بها بحوالي 950 مليون درهم, اضافة الى 272 مليون درهم لتهيئة المنطقة وتوفير البنية التحتية, مما يجعل اجمالي الانفاق الحكومي على سكن المواطنين 1.2 مليار درهم سنويا, يضاف الى هذا تكلفة بناء حوالي 300 مسكن شعبي سنويا (حسب معطيات السنوات الاخيرة) بتكلفة قدرها 1.5 مليار درهم في حين تبلغ تكليف صيانة المساكن واجراء توسيعات عليها حوالي 40 مليون درهم سنويا. بهدف تحقيق الاهداف المرجوة من سياسة الاسكان, الا وهي توفير سكن لائق لكل مواطن وتخفيض سرعة استهلاك الاراضي وترشيد الانفاق في هذا القطاع, تركز الحكومة على ادخال تعديلات تدريجية على سياسة الاسكان في المجالات التالية: * تخفيض مساحة قطع الاراضي على المدى القصير واقتراح تعديلات على شروط منح الاراضي والتي يجب استيفاؤها من قبل المواطن. * اعادة النظر في سياسة التكفل الكلي للحكومة في توفير سكن المواطنين والتركيز على الفئات الاجتماعية المحتاجة واعطائها الاولوية. * انشاء مصارف عقارية لتمويل قطاع الاسكان وتشجيع استثمارات الجمعيات التعاونية والقطاع الخاص. * تشجيع ظهور سوق عقاري حر لسكن المواطنين يلعب القطاع الخاص والجمعيات التعاونية دورا مهما فيه, مما يخفف العبء على الخزينة العمومية من جهة, ويوفر انماطا سكنية متعددة تستجيب للقدرات المالية للفئات الاجتماعية المختلفة وحاجات الاسر الخاصة من جهة اخرى (شباب, عائلات ذات اطفال, مسنين.... الخ). ومن اهم نتائج سياسة اسكان المواطنين في امارة دبي هو حرص الحكومة وسمو الشيخ على استفادة المواطنين من الازدهار الاقتصادي للامارة, وذلك بتسيهل عملية امتلاك مسكن خاص مريح يستجيب لحاجات العائلات, إلا ان تحقيق التطور المستديم والمحافظة على الانجازات في هذا القطاع مستقبلا يستدعي المراجعة المستمرة لاحكام السياسة وجعلها مسايرة للتطورات والاحداث بهدف تحقيق مصلحة الفرد والمصلحة العامة كالمحافظة على مخزون الاراضي والتخفيض من تكاليف التهيئة والصيانة وتحقيق التوازن بين العرض (الأراضي والمساكن) والطلب عليها.