بقلم : احمد عمرابي قال لي صاحبي السوري الذي لم تدم صحبتي معه اكثر من ثلاثة أيام: داوم على قراءة سورة يوسف مرة كل يوم اذا أردت أن تضع زوجك ولدا في مثل وسامة يوسف عليه السلام. الزمان: عام 1973. المكان: مدينة كراتشي الباكستانية. كنت أنا وزوجتي قادمين من العاصمة الصينية بكين حيث كنت أعمل دبلوماسيا بالسفارة السودانية في طريقنا الى الخرطوم لقضاء الاجازة السنوية. وبالطبع ما كان لي او لزوجي ان نعلم ان المخلوق الذي كان يقيم داخل بطنها آنذاك وقد تجاوز عمره الشهر الخامس سيكون ولدا نسميه (خالد) . صاحبي السوري كان تاجراً جائلا يتعامل في الأحجار الكريمة وقد جمعتنا صدفة الالتقاء في فندق واحد. ولم يشح بوجهه عني بعد ان اكتشف سريعاً انني لست زبونا مؤهلاً لذلك الطراز من البضاعة. على العكس.. نما الود التلقائي بيننا في ردهات فندق (متروبول) بإيقاع متسارع مما هيأ له ان يرفع الكلفة فيعلق على حمل زوجي وينصحني بمداومة قراءة سورة يوسف. وبينما كانت الطائرة تصعد فوق كراتشي مغادرة باكستان وزوجي الى جواري ومعنا (خالد) داخل بطنها فتحت المصحف الصغير على سورة يوسف. ومنذ تلك اللحظة حرصت على مطالعتها مرة كل يوم الى ان خرج خالد الى الدنيا بعد بضعة شهور. ودار الزمن دورته. من طفل وسيم صار خالد شاباً ذا وسامة رجولية أخاذة التحق بالجامعة في باكستان. ودار الزمن دورته مرة أخرى واذا به يموت في حادث مروري شنيع في الاسبوع الاول من ابريل من عام 2000 في كراتشي التي (زارها) للمرة الاولى قبل 27 عاما. شخصنا أنا وزوجي الى كراتشي فور تلقي النبأ ذي الفجائية المؤلمة. وعادت بي الذاكرة الى الصورة القديمة في عام 1973. حينئذ كان خالد يرافقنا في الطائرة وهو داخل بطن امه. والان يرافقنا في الطائرة ـ أنا وزوجي ـ وهو داخل تابوت داخل مخزن الامتعة بالطائرة. واكتملت صورة الذكرى عندما ناولتني المضيفة السماعة التي توزع على الركاب. وما إن وضعت السماعة على اذني وضبطت (السويتش) على قناة القرآن الكريم حتى صافح الاذن صوت عبدالباسط عبد الصمد يصدح بآيات سورة يوسف. هل كان ذلك مجرد مصادفة؟ لا استطيع ان اجزم بشيء. لكن سورة يوسف ظلت تلازمني حتى هذه اللحظة. من الدوحة الى الخرطوم اخذنا طائرة اخرى. وتكرر المشهد. صوت قارىء آخر ينبعث من السماعة بآيات سورة يوسف. في اليوم الثالث بعد وصولنا السودان وبعد ان خف تقاطر المعزين الى دار العزاء انتهزت فرصة فانفردت بنفسي ومعي جهاز راديو صغير. وما ان ضبطت المؤشر على محطة القرآن المحلية حتى استقبلت اذني سورة يوسف. في رحلة العودة والطائرة فوق الجزيرة العربية بين الخرطوم والدوحة تكرر المشهد أيضا. وفي البيت بالدوحة في اليوم التالي لوصولي اخذت مصحفاً لتلاوة شيء من القرآن بعد اداء صلاة نافلة فاذا بخيط المصحف مثبت على صفحة عند نهاية سورة هود وبداية سورة يوسف. فهل من سبيل الى معرفة السر؟ ان سورة يوسف عبارة عن ملحمة متسلسلة لعبر الاختبار والابتلاء من خلال فصول حياة سيدنا يوسف عليه السلام. واذا نظرت فيها من زاوية اخرى فهي موعظة في الصبر لدى الأب عندما يفقد ولده الحبيب. وفي الحقيقة فان الابتلاء الذي واجهه الاب ـ يعقوب عليه السلام ـ كان أمر من الموت, فموت الابن مع مرارته نهاية قاطعة وواضحة لا خيار ازاءها سوى التسليم بأمر واقع فعلا. ولكن مكابدة الانتظار مع مضاعفات الهم والشك وانت لا تعرف ما إذا كان ابنك حيا أو ميتا انكى وأمر. على هذه الحال امتدت تجربة يعقوب تجاه ابنه يوسف لما ينيف على أربعين سنة.