بقلم: جيمس زغبي ليست هناك رؤية عربية موحدة للقضايا المطروحة. والامريكيون العرب ليسوا حزباً سياسيا له اختبارات ولاء ومتطلبات للعضوية. بل الامريكيون العرب جالية لا تزال في غمار عملية التشكل من اجزاء عديدة متنوعة. بعد تحديدنا لذلك فإن من المهم ان نعترف أنه بالاضافة الى الاصل العرقي هناك عدة مسائل يتفق عليها عدد كبير من الامريكيين العرب ويمكن استخدام هذه الآراء المشتركة لتحديد برنامج عمل امريكي عربي. وقد انتهت مؤخرا دراسة قامت بها مؤسسة زغبي انترناشيونال لصالح المعهد الامريكي العربي هدفت لاستطلاع مواقف الامريكيين العرب إزاء عدد من القضايا لتحديد الميادين التي يمكن ايجاد اجماع فيها ولتعريف القضايا التي لا تزال موضع خلاف في اطار الجالية وكانت الدراسة جزءا من مشروع اكبر اجرته مؤسسة زغبي انترناشيونال قارنت فيه مواقف ست جاليات امريكية وهي (الامريكيون الافارقة والامريكيون الايطاليون والامريكيون اليهود والامريكيون الاسبان والامريكيون الآسيويون والامريكيون العرب). وبهذا السياق فإن الدراسة مفيدة من وجهين اثنين اذ يمكنها توفير درجة من التأكد. والقادة الامريكيون العرب يحاولون تمثيل الرأي الامريكي العربي امام صانعي السياسات, فإذا ما كان لاحد ان ينظم الامريكيين العرب فمن المهم له ان يعرف الى اي مدى تتشبث الجالية ببعض المعتقدات. وفي الوقت نفسه ولأن الدراسة تقدم صورة مفصلة عن آراء كل من المجموعات المتنوعة المكونة للجالية الامريكية العربية, فمن الممكن تحديد القضايا التي يوجد اجماع بشأنها والتي لا تزال بحاجة لمزيد من العمل لايجاد الاجماع. ومن المهم ونحن نعرض لنتائج هذه الدراسة ان يكون مفهوما ان تنوع وجهات النظر في اطار الجالية هو دلالة على هويتنا, فلسنا كلنا من مكان واحد ونتمتع بخلفيات وتجارب واعتقادات متطابقة, وبالنظر للتعقيد الكبير للجالية الامريكية العربية ولحداثة العهد بالنسبة لمؤسسات الجالية, فإن درجة الاجماع الموجودة تعتبر ممتازة. وأوضح معدو الدراسة ان الاتفاق بنسبة 70 في المئة او اكثر على قضية ما يمكن ان يعتبر اجماعا على وجهة النظر بخصوص هذه القضية وتمثل النتائج التي حصلنا عليها درجة من الوحدة اكثر مما هو موجود في معظم المجموعات العرقية الاخرى في الولايات المتحدة, بل انني اتجرأ على القول بأنها احساس اكبر بالاعتقادات المشتركة مما يمكن ان يوجد في العالم العربي. القضايا المحلية تتشابه مواقف الامريكيين العرب تجاه مسائل السياسة المحلية المهمة الى حد كبير مع وجود خلافات بسيطة, مع مواقف معظم الجاليات الاخرى. وهي تمثل مزيجا من المعتقدات التي تتعارض مع المواقف السائدة في كلا الحزبين السياسيين, وعموما فإن المجموعات العرقية الامريكية هي نوعا ما اكثر محافظة بخصوص القضايا الاجتماعية, فيما هي اكثر ليبرالية تجاه عدد من قضايا السياسة الاقتصادية. ولان القضايا التي تمت تغطيتها في هذا المجال لا تخص العرب فقط وتجربتهم واهتماماتهم فهي ليست بالقاعدة التي يمكن منها تشكيل برنامج عمل امريكي عربي, ومع ذلك فإن فهم كيف يحس الامريكيون العرب كأمريكيين تجاه هذه القضايا الداخلية يظل امرا مهما لفهم الجالية اولا وللنظر اليها كجزء من المكونات الاوسع للاعراق الامريكية ثانيا. الاجهاض ـ على سبيل المثال ـ ظل من القضايا الساخنة قيد الجدل خلال العقود الاخيرة. والامريكيون العرب, كغيرهم من الامريكيين منقسمون بشأن هذه القضية, ويتخذون مواقف قوية نوعا ما منها مثلا يصف 52 في المئة من الامريكيين العرب انفسهم بأنهم من انصار الحياة (اي انهم يعارضون الاجهاض في معظم الحالات) فيما يعرف 45 في المئة منهم انفسهم بأنهم من انصار الاختيار (اي الذين يوافقون على الحق في الاجهاض في معظم الحالات) ويطالب 53.5 في المئة بحظر الاجهاض الا حين تكون حياة الام معرضة للخطر, ويشعر 78.5 في المئة بضرورة اعلام الآباء للاطفال تحت سن 18 عاما إذا ما كانت بناتهم تطلب الخضوع لعملية اجهاض. وجهات النظر هذه تتخذ الخط المحافظ اكثر من المعدل الوسطى للرأي العام الامريكي ككل, والذي تقول استطلاعات الرأي الاخيرة عنه بأن 48 في المئة منه مع حق الاختيار, فيما 43 في المئة مع حق الحياة, لكنها مشابهة لمواقف غيرهم من الجاليات العرقية المهاجرة. وفي الوقت نفسه يؤيد 72 فى المئة من الامريكيين العرب تطبيق عقوبة الاعدام في الحالات الجرمية الكبرى كما يساند 83 في المئة منهم معاملة المراهقين بين عمر 14 عاما الى 16 عاما كبالغين اذا ما ارتكبوا جنايات تتضمن استخدام السلاح. والامريكيون العرب يأخذون الجانب المحافظ ايضا في قضية اخرى حيث يساند 69 في المئة منهم تمكين أولياء الامور في اختيار المدارس الحكومية التي سيرسلون اليها ابناءهم ويعارضون ايضا استخدام المرجعية العرقية في وظائف المدارس وقبول الطلاب بها ويساندون خطط الجمهوريين التي ستسمح للافراد باستثمار جزء من خبراتهم في مشاريع تقاعد شخصية (بدلا من البرنامج الاتحادي الالزامي). اما على الجانب الفيدرالي , فإن 86 في المئة منهم يساندون استخدام فائض الموازنة الاتحادية لدعم برنامج التأمين الصحي الاتحادي و80 في المئة منهم ايضا يؤيدون زيادة الحد الادنى للأجور دولارا واحدا على مدى العامين المقبلين و76 في المئة يدعمون اصدار قوانين جديدة للسيطرة على الاسلحة, كذلك فإن 93 في المئة يؤيدون فرض غرامات حكومية صارمة على الاعمال التي تتسبب بتلويث البيئة ويطالب 92 في المئة بتعزيز برامج الامن الاجتماعي والرعاية الصحية, ايضا يؤيد 89 في المئة منهم السماح للمرضى بمقاضاة شركات التأمين الصحي. كل هذه هي مواقف اكثر ليبرالية يدعمها الديمقراطيون. وما هو ممتع ويستحق تكراره هو الى مدى تتشابه فيه هذه الآراء الامريكية العربية مع مواقف غيرهم من الجماعات العرقية مثل الامريكان الطليان والامريكان الأسبان والامريكان الآسيويين الذين شملتهم الدراسة. والميدان الآخر الذي يوجد فيه اجماع كبير بين الامريكيين العرب وغيرهم من المجموعات العرقية هو مواقفهم من السياسة الامريكية الدولية عموما, 79 في المئة من الامريكيين العرب يحملون وجهات نظر ايجابية عن الامم المتحدة والنسبة ذاتها تؤمن وبقوة بأن الولايات المتحدة يجب ان تعمل من خلال الأمم المتحدة في مواجهة الازمات الدولية و5 في المئة فقط يقولون ان الولايات المتحدة يجب ان تعمل لوحدها. على نحو مشابه يشعر 84 في المئة من الامريكيين العرب بأنه من المهم ابقاء الهجرة الى الولايات المتحدة مفتوحة وعادلة, وهي وجهة نظر ناجحة على نحو واضح من حقيقة ان الامريكيين العرب شأن الاعراق الاخرى في الولايات المتحدة انما هم مهاجرون أو من ابناء المهاجرين الى الولايات المتحدة. الامريكيون العرب والشرق الاوسط تظل قضايا السياسة الامريكية الشرق اوسطية المهمة والمواقف تجاه العالم العربي هي التي تكون وجهات نظر الامريكيين العرب متفردة, فعلى الرغم من تنوع الجالية (خصوصا فيما يتعلق ببعدي الاصل والجيل, حيث تبين ان ثلث الامريكيين العرب في الولايات المتحدة الآن هم مهاجرون وثلثهم من الجيل الاول المولودين في الولايات المتحدة فيما ثلثهم الآخر هم من الجيلين الثاني والثالث, فإن هناك اجماعا كبيرا حول عدد من قضايا الشرق الاوسط. وهذا امر مهم ويوفر دليلا على وجود ارضية يمكن بناء برنامج عمل امريكي عربي من القضايا عليها. عموما يعتقد الامريكيون العرب ان الشرق الاوسط وخصوصا الصراع العربي الاسرائيلي قضية مهمة جدا لهم. واكثر من ثلثيهم صنفها ضمن اهم خمس قضايا اساسية بالنسبة لهم, فيما قال 79 في المئة إن موقف المرشح تجاه هذا الصراع مهم جدا لتحديد من ينتخبون, وهذا الموقف يشترك فيه المولودون في الولايات المتحدة (77 في المئة ) والمهاجرون (83 في المئة ) على الرغم من انه شعور اقوى بين الامريكيين العرب المهاجرين حديثا, حيث يقول 61 في المئة منهم ان الصراع العربي الاسرائيلي هو القضية الوحيدة الاكثر اهمية في تحديد من ينتخبون. ويقول 74 في المئة من الامريكيين العرب ان السياسة الامريكية منحازة لاسرائيل وهو الرأي الذي تشترك فيه كل الاجيال والمجموعات الفرعية داخل الجالية الامريكية العربية على السواء, لكن 68 في المئة من الامريكيين العرب يتفقون مع تعامل ادارة الرئيس بيل كلينتون مع مفاوضات السلام في الشرق الاوسط. ومن المفاجىء نوعا ما ان هذا الرأي يسود بشكل اكبر بين الامريكيين العرب المهاجرين حديثا والذين يبدي 77 في المئة منهم وجهة نظر تحبذ سياسة الادارة الامريكية. ايضا هناك مساحات مهمة للاجماع يمكن ايجادها حول قضايا معينة تهم الامريكيين العرب ومنها مثلا: * 87 في المئة من كل الامريكيين العرب يوافقون على ضرورة قيام دولة فلسطينية مع وجود اجماع قوي داخل كل الفئات الفرعية على هذه القضية. * 81 في المئة يدعمون سيادة لبنان, مع الاشارة الى ان رأي المهاجرين حديثا اقوى من المولودين في الولايات المتحدة بشأن هذه القضية. * يؤيد 77 في المئة ضمان الحقوق الفلسطينية في القدس حيث يؤمن 86 في المئة من المهاجرين و 72 في المئة من المولودين في الولايات المتحدة بهذا الرأي. * يؤيد 87 في المئة من الامريكيين العرب دعم حقوق الانسان في الدول العربية مع وجود اجماع كبير على هذه القضية بين كل الفئات الفرعية. إزاء قضية رفع العقوبات الاقتصادية عن العراق وحده هناك انقسام بين فئات الامريكيين العرب. بشكل عام يؤيد 54 في المئة رفع العقوبات, فيما 40 في المئة لا يؤيدون الرفع والمهاجرون الجدد لديهم اراء اكثر قوة بهذا الشأن (78 في المئة يريدون رفع العقوبات) فيما الامريكيون العرب المولودون في الولايات المتحدة اقل ميلا لذلك (42 في المئة فقط يدعمون رفعها و53 في المئة لا يؤيدونه). لكن من المهم وبخصوص هذه القضية ان نلاحظ بأن هناك تغييراً مستمرا قيد الحدوث في الرأي العام للامريكيين العرب. ففي دراسات مشابهة وان كانت اكثر محدودية, أجريت 1995 و1996 كانت الآراء العربية الامريكية ازاء العقوبات ضد العراق اكثر انقساما من الآن, ففي عام 1995 قال 41 في المئة من الامريكيين العرب انهم يؤيدون رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق فيما 41 في المئة منهم لا يؤيدون ذلك. وفي عام 1996 تغيرت النسبة ليصبح 46 في المئة منهم مع رفع العقوبات الاقتصادية فيما 39 يعارضونه. أما النسب الحالية وهي 54 في المئة مقابل 40 في المئة تمثل بعض النمو في تأييد الرأي المعارض للعقوبات الاقتصادية. من المهم حتى نفهم مغزى هذه النتائج, ان نبقي في اذهاننا التنوع غير العادي للجالية الامريكية العربية نفسها. في السابق كان هناك من هم في الجالية اليهودية وبين بعض العناصر الانفصالية داخل جاليتنا من يصرون على القول بأنه ليس هناك شيء يمكن تسميته جالية امريكية عربية وليست هناك اعتقادات مشتركة يمكن ان تعرف برنامج عمل امريكي عربي لكن هذه الدراسة اثبتت خطأهم. واظهرت الدراسة ان الامريكيين العرب من كل الاجيال يأتلفون حول مجموعة من المعتقدات بخصوص القضايا العامة في السياستين الداخلية والخارجية تضع الجالية في صلب التجربة العرقية الامريكية. وبخصوص قضايا الشرق الاوسط المهمة تظهر الجالية الامريكية العربية معا على انها جالية مميزة اذ لن تتمكن اي مجموعة تمثل هذا التباين الواسع في الاجيال ودول الاصل والتنوع الديني والتجارب من التوصل لاجماع يفوق 70 في المئة على مثل هذا العدد من القضايا وهذا ما يدعو للدهشة.