بقلم: د. أحمد القديدي بورقيبة دينصور سياسي, من فصيلة نادرة من الديناصورات انقرضت مع القرن العشرين, بل لقد أتم بورقيبة آخر سنة من القرن كأنما أراد أن تغرب شمس الديناصورات السياسية الكبرى مع غروب شمس القرن العشرين. فقد انقرضت قبله ديناصورات تحرير العالم الثالث ممن كان يعتبرهم انداده وأقرانه امثال جواهر لال نهرو الهندي وجوزف بروز تيتو اليوغسلافي وشوان لاي الصيني وموشي منه الفيتنامي وكوامي نكرومه الغاني وجمال عبدالناصر المصري والجنرال شارل ديجول وبيار منداس فرانس الفرنسيين وونستن تشرشل البريطاني وروزفلت الامريكي وخروتشوف الروسي.. ثم عبدالكريم الخطابي ومحمد الخامس وهواري بومدين وباتريس لوممبا وأحمد سيكوتوري.. جيل كامل من ذوي القامات الطويلة والهامات المرتفعة والذين ـ كل في وطنه وفي ميدانه ـ تركوا بصمات لاتمحى من تاريخ أوطانهم وظلت اصواتهم تدوي وهم في ذمة الله والتاريخ. بورقيبة كان من هؤلاء وقد عرف جلهم وصادق بعضهم وتحارب مع بعضهم وظل الى آخر يوم في حياته وفيّآ لعلاقات حميمة ارتبط بها مع نخبة منهم وخاصة رئيس الحكومة الفرنسية الذي وقع على وثيقة استغلال تونس بيار منداس فرانس. كان بورقيبة يحتفظ على مدى ثلاثين عاما بصورة منداس فرانس على مكتبه ويدعوه للتحادث معه كلما أتيحت الفرصة. وقد قابلت شخصيا بيار منداس فرانس عام 1981 في قاعات فندق كريون بباريس وقص عليّ بعض ما يعرفه عن شخصية بورقيبة ووفائه بصوته المتهدج الوديع. من أول اللقاءات التي اذكرها مع الزعيم بورقيبة ذلك اللقاء الذي لَمْ أستعد له, بل فوجئت به. كان ذلك على ما أذكر في سبتمبر 1981 وكنت اتحمل مسئولية رئاسة تحرير صحيفة العمل وأرافق رئيس الحكومة التونسية آنذاك في زيارة رسمية للجزائر الشقيقة حيث عقدنا اجتماعا ضم قيادة الحزب الدستوري التونسي وقيادة حزب جبهة التحرير الوطني ورجعنا من الجزائر في طائرة خاصة حطت بنا حوالي الساعة الرابعة عصرا في مطار تونس قرطاج الدولي, ونزل اعضاء الوفد من الطائرة وكنت من بينهم فإذا بي أشاهد السفير عبدالمجيد القروي مدير التشريفات بقصر قرطاج يناديني ويشاور لي بيديه فاتجهت له سائلا, فإذا به يقول لي: السيد الرئيس يدعوك لمقابلته حالاً.. وكان اول ما سألته متعجباً: هل تعرف موضوع هذه الدعوة؟ فقال لا. وثاني سؤال لي كان: إنني أرتدي اللباس التقليدي (الجبة) فهل أذهب إلى البيت أغير ملابسي؟ فقال: لا فالسيد الرئيس يريدك الآن ولباسك التقليدي لا مشكلة فيه. فامتطيت معه سيارته المرسيدس السوداء, وكان هو يسوقها وكنا نسير مباشرة وراء سيارة رئىس الحكومة الذي كان ـ كعادة رؤساء الحكومات عند انتهاء زياراتهم الى الخارج ـ يتجه للقصر لتقديم تقرير شفوي للرئيس أو يحمل رسالة من رئىس الدولة التي زارها. وصلنا للقصر واتجهنا الى مكتب بورقيبة.. لكنني قبل بلوغ المكتب سمعت الصوت الانثوي المعروف للسيدة وسيلة حرم بورقيبة..تناديني باسمي.. كانت تجلس على دكة امام شرفة تطل مباشرة على بحر قرطاج الرائع الازرق وتلبس فستاناً تقليديا ازرق وتمسك بمروحة من الصناعة التقليدية تخفف بها من حرارة ذلك اليوم. سألتني (الماجدة) كما كنا نسميها بدون مقدمات وبطريقتها المألوفة لدى كل من عمل مع بورقيبة في اي موقع من المواقع: قائلة: (لماذا دعاك الرئيس؟) فأجبتها (لا أدري) ونظرت الى وجه السفير عبدالمجيد القروي فاستنتجت منه صدقي.. كما استنتجت من تقاطيع وجهي دهشتي وانتظاري لموضوع المقابلة.. وقالت لي: (من فضلك ياسي احمد.. بعد المقابلة مر من هنا لأراك) . ودخلت الى مكتب الرئيس وسلمت عليه بكل الاحترام الذي نشعر به جميعا ازاء تلك الملحمة الحية من الكفاح والصبر والجمال, ووجدت لديه على يمينه رئىس الحكومة فجلست على شماله.. فقال لي: دعوتك بصفتك مدير صحيفة العمل لاسلمك رسالة تاريخية كتبتها الى ملك تونس محمد الامين باي عام 1952 وكانت ايذانا ببداية الثورة التونسية المسلحة) . كان صوت بورقيبة هادئا ثم تصاعد تدريجيا ليتلاءم مع تعبير عينيه الزرقاوين واضاف: لقد ارجعت الى الملك وسام (الفاشة) الذي وشح به صدري احتجاجا مني على اصلاحات المقيم العام الفرنسي ودعوت الملك الى اعلان رفضه لتلك الاصلاحات المزيفة واستشهدت بتلك الآية الرائعة القوية من سورة البقرة: (أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله.. ألا أن نصر الله قريب) . وكان الرئيس بورقيبة يقرأ الآية بتلاوة فصيحة قوية مشددا على عبارات البأساء والضراء.. ثم يضع كل ثقته وعنفوانه في عبارة ألا ان نصر الله قريب.. ولنا عودة لهذه الذكريات.