لا يمكن لأحد أن يصدق ان موضوع الفساد قد اكتشف فجأة وعلى يد بعض المسئولين أو رجال الصحافة, فالفساد في المجتمع ليس وليد اليوم, ولم يتراكم في سنة أو سنتين, وهو ليس في قطاع المقاولات وشئون العمال كما انه ليس رشاوى ومحسوبية وواسطة فقط, انه اشكال وأنواع وأحكام ووجوه لا حصر لها. الاثراء السريع عن طريق استغلال الوظيفة أو المنصب, العمولات المستمرة التي تفرض على تخليص معاملة مستحقة لصاحبها, الرشوة في سبيل توقيع المدير أو تقديم موعد المعاملة على غيرها من المعاملات, تمرير مناقصة أو صفقة لصالح شركة أو تاجر معين لانه دفع (المطلوب) للجنة المناقصات أو للمدير أو لأحد الموظفين, أشكال متعددة للفساد وفي الطريق نفسه, ألا تعتبر الدروس الخصوصية شكلا آخر من أشكال الفساد التربوي؟ بالتأكيد هي كذلك عندما تتم بالتواطؤ بين مسئولي التربية والمعلمين؟ وقد صدق ذلك المسئول المصري في مقابلة له مع جريدة (الحياة) عندما شبه الدروس الخصوصية بالايدز!! أليس الايدز افرازا مرضيا قاتلا لفساد المجتمعات أخلاقيا ودينيا. اليوم ينفتح باب الحديث عن الفساد لان شرطة دبي تتبنى بصوت عالي النبرة انشاء إدارة لمكافحة الفساد, وقبلها فتحت سجلات ديوان المحاسبة النار على أكثر من مؤسسة, وقدم مسئولوها كشف حساب تفصيليا بالعديد من التجاوزات الإدارية والمالية, والكل يتذكر مسئول إحدى الوزارات الذي قبض من صندوق التكافل في وزارته مبلغا يتجاوز مئات الآلاف على انه (أتعاب) يستحقها نظير قيامه بمساع حميدة للموافقة على مشروع معروف. لكن الذي يجعل أمر الحديث عن الفساد اليوم مفتوحا على مصراعيه هو الصحافة وهذه الأقلام المخلصة التي تنغمس يوميا في الشأن العام مستغلة هامش الحرية المتاح, ومصارعة لأجل هامش أكبر, وحرية أفضل. الذي جعل موضوع الفساد حديث الساعة أيضا هذه التقارير المتوالية من كافة المنظمات والهيئات المهتمة, والتي تؤكد ان ما يخسره العالم بسبب الفساد لا يمكن تصوره حيث ان تكلفة هذه التجاوزات تعد بمليارات الدولارات تذهب إلى جيوب فئة من الناس (تنتفخ) على حساب الآخرين! وان نظرة واحدة على مشهد الحياة اليومي يقول لنا كيف يثرى الناس من وراء الفساد, وكيف يرصد المجتمع هذا الفساد دون الحاجة إلى احصائيات وتقارير, فتلك الموظفة التي جاءت من بلدها ملتحقة بالمؤسسة كانت لمدة شهر أو شهرين فقط تأتي بالتاكسي وفجأة صار لديها (مرسيدس) من أين؟ وابن اخت أحد كبار مسئولي المؤسسة لا يملك من مواهب الدنيا سوى علاقته بخاله, وفجأة تحدثت المؤسسة عن حصوله على عمولة بالملايين وهروبه من البلاد, وتلك السكرتيرة تدير أمر المؤسسة كما تشاء بتفويض من المدير, لان علاقة حميمة تربطها به, وذلك الرجل اشترى سيارة بقيمة نصف مليون درهم, بعد أن كان موظفا بسيطا انتقل فجأة لمركز مرموق في مؤسسته وارتبط بعلاقات بيزنس مع شركات تورد مواد مختلفة للمؤسسة عن طريقه, وذلك الموظف لا يمرر المعاملة إلا بعد أن يطلب صراحة من المراجع مبلغا وقدره, و(فيز) العمال مصدر آخر للفساد و... وحدث ولا حرج .. فالفساد متشابك في حياتنا اليومية إلى درجة تجعلنا نمر عليه يائسين من امكانية الفكاك منه.