لقد اتضحت صورة التسوية التي تسعى اسرائيل الى فرضها على المنطقة كحل للصراع العربي ـ الصهيوني, وهي تعكس حقيقة النوايا الاسرائيلية على كل المسارات, وانها تهدف الى التوسع والعدوان وليس الى السلام, كما انها تتمسك بطبيعة الصراع وحقيقته كصراع وجود مهما سعى العرب الى مقابلتها في منتصف الطريق او هرولوا الى لقائها على دروب التطبيع البائسة. فعلى المسار الفلسطيني اعلن امس كل من (حاييم رامون) و(شلومو بن عامي) و (شيمون بيريز) وهم من الوزراء المهمين في حكومة العدو ان اسرائيل لن تقبل الا بابتلاع كل القدس الكبرى التي تتراوح مساحتها بين 20 و 30% من الاراضي الفلسطينية المحتلة بعد حرب 1967, وذلك كشرط للموافقة على قيام دولة فلسطينية (ذات سيادة محدودة على المسائل الامنية) و(منزوعة السلاح) مع بقاء مستوطنات العدوان حتى على أراضي هذه الدولة المسخ ورفض اعطاء اللاجئين الفلسطينيين (حق العودة) والسعي الى تشريدهم في كل بقاع الارض. وهذا يعني في الواقع ان اسرائيل لا تقبل الا بالسيطرة على كل فلسطين, ومد حدودها الى كل ما احتلته من ارضها عام 1967 مع اقامة (جيتو) ممزق ومسيطر عليه وبلا سيادة ومحكوم امنيا واقتصاديا وسياسيا من قبل الصهاينة, ويتحكمون بمصيره كيف شاءوا بما في ذلك امكانيات الضغط السياسي والاقتصادي مستقبلا لتهجير من تبقى من الفلسطينيين على ارض وطنهم. على المسار السوري ايضا انتهت المفاوضات الى المأزق الشديد الراهن, واعتبر باراك وعدد من وزرائه انها ماتت وانتهت, وذلك لانهم لم ينجحوا في فرض نهاية مذلة تقوم على السيطرة على مياه الجولان وأمنه ومستقبله واستمرار تهديد العاصمة دمشق نفسها. على المسار اللبناني الذي يعتبر الوحيد الذي اعلنت عن التزامها فيه بالقرار الدولي رقم 425, فإنها تنصب ألغاما عديدة من العملاء ومن التهديد بالحرب الشاملة ومن العبث بخطوط الحدود. هذه الصورة تؤكد ان اسرائيل لا تسعى من كل عملية التسوية الراهنة إلا الى استمرار التمتع بشبه هدنة, أو هدنة طويلة محكومة بما تسميه زورا (اتفاقيات سلام) لتتمكن من قضم وهضم ما تستطيع من ارض ومستقبل العرب, مع تدعيم اقتصادها وعمرانها على حسابهم (وبأيديهم ايضا) بانتظار مرحلة توسع جديدة على درب استراتيجيتها المتواصلة والمعلنة (من الفرات الى النيل) . هذا مع العلم ان الامة العربية تملك من الامكانيات الاقتصادية والسياسية ومن اسلحة المقاومة ما يكفي لدفع دولة العدوان نحو مفاوضات سلام حقة لا مخادعة, فهل يستفيق العرب على هذه الحقيقة ويتحركون بفاعلية موحدة وتضامن جاد ام ان كلا منهم سينتظر وحيدا الطوفان الصهيوني المدمر؟!!