بقلم: لواء ركن حسام سويلم باستقراء مسارات الحرب التي خاضتها اسرائيل ضد الدول العربية عبر نصف قرن من الزمان, وجميعها ـ باستثناء حرب اكتوبر 1973 ـ حروب اختيارية شنتها اسرائيل بمبادرة منها, يمكن تبين سمات وملامح شبه ثابتة لمراحلها الاساسية سواء على الصعيد السياسي او الصعيد العسكري, ابرزها ان كل من هذه الحروب كانت اسرائيل خلالها تسعى لتحقيق جزء من غاياتها واهدافها القومية التي صاغتها في اطار المنظومة الاستراتيجية بعيدة المدى, والتي وضعت في المؤتمر الصهيوني الاول في مدينة بال بسويسرا عام 1897, واليوم وقد مضى على هذا المؤتمر 103 أعوام, ما زالت اسرائيل مستمرة في تحقيق اهدافها وصولا الى الغاية الكبرى وهي اقامة دولة اسرائيل الكبرى النقية كقوة اقليمية عظمى مهيمنة في منطقة الشرق الاوسط تضم جميع يهود العالم. كذلك من السمات الرئيسية لهذه الحروب ان اسرائيل في كل منها كانت تسعى لاستغلال الظروف المتاحة في البيئات المحلية والاقليمية والدولية, وتوظفها لصالحها. هذا بالاضافة الى تشكيل الموقف السياسي والعسكري وخلق الذرائع والمبررات التي تمنحها فرصة تصعيد الموقف وفق مخطط مسبق يتم من خلاله استدراج الدول العربية لخوض حروب غير مستعدة لها. المراحل الرئيسية للاعداد للحرب من دراسة اسلوب اسرائيل في التحضير للحروب التي شنتها بمبادأة منها والاعداد لها سياسيا وعسكريا يتبين لنا انها تحوي سبعة مراحل رئيسية كالآتي: المرحلة الاولى: التخطيط السياسي والعسكري: يتم فيها عمل توصيف جيد للموقف بأبعاده السياسية والعسكرية والاقتصادية وعلى المستويات المحلية والاقليمية والدولية, وعناصر القوة والضعف فيه بالنسبة لاسرائيل. وتحدد الاهداف والمهام الاستراتيجية المطلوب من القوات تنفيذها على طريق تحقيق الغايات والاهداف السياسية المطلوبة في هذه المرحلة الزمنية وما هي الاهداف الاستراتيجية القصوى المطلوب السعي لتحقيقها والاهداف الاستراتيجية الدنيا التي لا يمكن التنازل عنها, والمخطط السياسي لخلق ذرائع الحرب ومبرراتها وتوفير الدعم, المساندة السياسية والاقتصادية لقرار الحرب في البيئتين الاقليمية والدولية ثم وضع المخطط الاستراتيجي لاستخدام القوات المسلحة لتحقيق مهامها مع وضع الخطط التكاملية لها, خاصة في مجال الخداع السياسي والاستراتيجي. المرحلة الثانية: مرحلة تصعيد الموقف سياسيا واعلاميا: وذلك بفعل واحداث المواقف التي تخلق ذريعة الحرب وتبررها دوليا, واستغلال ما يترتب على ذلك في شن حملات سياسية واعلامية مكثفة معادية للدول العربية, وبما يثير التعاطف مع اسرائيل. (وقد تكون الذريعة في شكل عملية ارهابية مدبرة, او اعتداء عبر الحدود, او اغتيال احد الدبلوماسيين الاسرائيليين في الخارج كما حدث في لندن 1982 وكان مبررا لشن العدوان على لبنان آنذاك). المرحلة الثالثة: مرحلة التصعيد العسكري: وذلك بقيام القوات الاسرائيلية بشن عمليات محددة اما في المناطق المحتلة, او عبر الحدود مع جيرانها العرب. وذلك بهدف استفزاز الدول العربية واثارة الرأي العام العربي وبما يدفع المسئولين في الدول العربية الى التورط في تصريحات عدائية لاسرائيل وتعبئة الجيوش العربية ورفع درجة استعدادها, وبما تعتبره اسرائيل بمثابة اعلان عن نوايا هجومية من جانب الدول العربية ضدها, ويستوجب بالتالي من جانب اسرائيل اتخاذ التدابير الوقائية حفاظا على امنها وهو ما يعني حقها في شن حرب وقائية واستباقية. المرحلة الرابعة: اتهام الدول العربية بانتهاك الخطوط الحمراء: وفي ضوء تحسب كل من اسرائيل والدول العربية لخطوات الطرف المقابل, وخوفا من السبق في الحصول على مزايا استراتيجية نتيجة احراز المبادرة بعمل عسكري, فقد يحدث في هذه المرحلة انتهاك للترتيبات الامنية التي سبق الاتفاق عليها في المناطق المحدودة والمنزوعة السلاح, خاصة فيما يتعلق بأحجام ونوعيات القوات واماكن انتشارها, وهو ما ستعتبره اسرائيل انتهاكا للخطوط الحمراء يهدد كيانها ويفرض عليها الاسراع بشن حرب وقائية. وقد لا يحدث هذا الانتهاك من جانب الدول العربية في اغلب الاحوال, الا ان اسرائيل ستحرص على ادعاء ذلك وتضخيمه اعلاميا لتبرر هجومها المقبل. المرحلة الخامسة: التعبئة والانتشار الجزئي: قبل الموعد المقرر في الخطة العسكرية لبدء اعمال القتال ستقوم اسرائيل بنشر اجزاء من قواتها على حدودها مع جيرانها, سواء الذي تقرر شن حرب ضدهم ام لا. وذلك تأمينا وتحسبا لجميع الاحتمالات على الساحة العربية في ذات الوقت الذي ستجري فيه التعبئة بشكل جزئي ومتتابع على مراحل بقرار من مجلس الوزراء, وذلك في حدود 10 ـ 15 يوما قبل موعد بدء الحرب وتكون (وزارة الحرب) قد تم تشكيلها لتتحمل مسئولية ادارة الحرب المقبلة وفي نفس التوقيت الذي تكتمل فيه التعبئة الشاملة قبل الحرب بـ 3 ـ 5 ايام على الاقل. المرحلة السادسة: التهدئة من اجل الخداع: ومن اجل خداع الدول العربية ستسعى اسرائىل الى تهدئة الموقف سياسيا, وذلك من خلال تنشيط عمليات الوساطة السياسية التي تقوم بها الولايات المتحدة الامريكية ودول كبرى اخرى ستسعى اسرائيل الى اقحامها في الأزمة لتظهر نواياها على حل الازمة سياسيا ونزع فتيلها. وسيواكب ذلك التدخل الدولي دعوة الدول العربية وحدها دون اسرائيل الى ضبط النفس, وذلك بهدف الغاء او تخفيف درجة الاستعداد العسكري العربي, في ذات الوقت الذي تقوم فيه اسرائيل باستكمال عمليات التعبئة والحشد ونشر قواتها في المناطق الابتدائية للهجوم استعدادا لشنه في التوقيت المحدد. المرحلة السابعة والاخيرة: شن الحرب فجأة: باستكمال التعبئة والحشود والانتشار في المناطق الابتدائية للهجوم وبنجاح خطة الخداع وفي تضليل الدول العربية, تشهد اسرائيل الحرب فجأة تنفيذاً لخطة الاستخدام القتالي لقواتها. أنسب توقيت لشن الحرب: باستعراض التواقيت التي شنت فيها اسرائيل حروبها السابقة سوف نجدها تنحصر في شهور الربيع والصيف والخريف. ففي حرب العدوان الثلاثي عام 1956 ضد مصر شنت اسرائيل هجومها مع بريطانيا وفرنسا في الفترة ما بين 29 اكتوبر وحتى 5 نوفمبر 1956, اما عدوان 1967 الذي شنته اسرائيل ضد ثلاث جبهات فقد بدء في 5 يونيو وانتهى 11 يونيو 1967. وقد تكرر استخدام اسرائيل لشهر يونيو مرة اخرى في عدوانها على لبنان في عملية (سلام الجليل) في يونيو 1982, أما عملية الليطاني التي نفذتها اسرائيل ضد جنوب لبنان فقد كانت في 15 مارس 1978. هذا من حيث اختيار افضل شهور السنة, ذلك لأن فصل الشتاء لا يناسب العمليات الحربية بالنظر لما تشكله الاحوال الجوية غير المناسبة من قيود على اعمال قتال ومناورة القوات, لاسيما القوات الجوية التي تعتمد عليها اسرائيل بدرجة كبيرة. اما بالنسبة لافضل ايام الاسبوع, فإنه يلاحظ ان اسرائيل تعتبر يوم الاثنين من انسب الايام لبدء الحرب, وهو ما تكرر في حروب 1956, 1967, 1978, 1982. وذلك للتغلب على مشاكل العقيدة اليهودية المتزمتة للمتطرفين اليهود الذي يصرون على الامتناع عن اية اعمال في يوم السبت ولأن القيادات العسكرية تحتاج على الاقل ليوم واحد للتأكيد على تخصيص مهام العمليات للوحدات والتشكيلات العسكرية قبل الحرب, فإنها تخصص لذلك يوم الاحد. لذلك تبدأ الاعمال القتالية الرئيسية يوم الاثنين وبالتالي يتاح للقوات الاسرائيلية خمسة ايام كاملة ـ قبل ان يأتي يوم السبت التالي ـ يمكن ان تنفذ فيها المهام القتالية الجوهرية في اطار المهمة الاستراتيجية المكلفة بها. ولما كانت اسرائيل حريصة على اخفاء آخر استعداداتها للحرب, وتحركاتها الاخيرة في هذا الشأن والتي غالبا ما تقع في اليوم السابق للهجوم مباشرة وهو يوم الاحد فإن هذا اليوم يحقق لها هذا الغرض لكون سفارات وقنصليات الدول الاجنبية تكون في عطلة بالاضافة ليوم السبت, وهما اليومان السابقان للهجوم واللذان تكثر فيهما التحركات والاتصالات والدلائل التي تشير الى قرب بدء الحرب, وبالتالي تكون البعثات الاجنبية واسرائيل غير قادرة على متابعة اي شيء من استعدادات الحرب قبل يوم الاثنين الذي تبدأ فيه الحرب, ومن ثم فإنها تستطيع ان تنقل اي معلومات ذات قيمة الى حكوماتها قد تسبب في كشف موعد الهجوم. الأهداف الاستراتيجية للحرب المقبلة في ضوء توازنات القوى القائمة حاليا والمتوقعة بين الدول العربية واسرائيل, والتي تميل بشدة لصالح اسرائيل, وفي اطار التغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية السائدة والمتوقعة على الساحتين الاقليمية والدولية, ومع الوضع في الاعتبار تمسك القيادات الاسرائيلية الحالية والمقبلة ومعظمهم من المتطرفين باهداف المنظومة الاستراتيجية بعيدة المدى والتي تتمحور في اقامة اسرائيل الكبرى على حساب جيرانها العرب, فان الاهداف الاستراتيجية للحرب المقبلة من وجهة النظر الاسرائيلية تجاه جيرانها سوف تصبح واضحة, وتتمثل في التوسع, الاستيطان, وضم الاراضي. ولما كانت هذه الاهداف لا يمكن تحقيقها الا بعد تدمير القوات المسلحة العربية أو اكبر جزء منها, لذلك تصبح المهمة الاستراتيجية المباشرة للقوات الاسرائيلية هي سرعة العمل على تدمير القوات المسلحة العربية كليا أو جزئيا, ولما يؤدي إلى استسلام القيادات السياسية العربية للمطالب الاسرائيلية, ولكون هذه المهمة الاستراتيجية ليست بالامر السهل على القوات الاسرائيلية انجازه بالشكل الذي حدث في حرب يونيو ,1967 بالنظر لاعتبارات سياسية واستراتيجية عديدة ستحد من قدرة اسرائيل على ذلك, اخطرها عليها قدرة وفعالية القوات المسلحة العربية في الحد من الطموحات الاسرائيلية, وعدم تمكين اسرائيل من الحصول على مكاسب استراتيجية سهلة رغم التفوق العسكري الاسرائيلي الواضح, وهو ما يشكل خطورة شديدة على امن وكيان اسرائيل في ظل الاستخدام المؤكد لاسلحة الدمار الشامل في الحرب المقبلة بالنسبة لجميع الاطراف, ومن ثم يصبح من المهم لاسرائيل ان تقسم المهام الاستراتيجية لقواتها إلى مراحل, يتم في كل منها انجاز جزء على صعيد تدمير القوات المسلحة العربية التي تواجهها. 2 ـ 2 يمكننا استنتاج ان في الحرب المقبلة من المحتمل ان تقع عمليات تعرضية شاملة, وعمليات تعرضية محدودة, الا ان هذا التصنيف لن يشكل قيدا على حركة القوات الاسرائيلية في ان تحول حربا مخطط لها ان تكون محدودة إلى حرب شاملة, وهو ما يتوقف على تطور اعمال القتال التي قد لا يمكن السيطرة على تصعيدها. (أ) وفي اطار العمليات التعرضية الشاملة, يصبح تدمير القوة المسلحة السورية ـ في الرؤية الاسرائيلية ـ امرا اساسيا, لاسيما وان القوات السورية تنتهج في تطويرها نهجا متناميا على الصعيدين الكمي والنوعي, خصوصا في مجال ما تملكه سوريا من اسلحة دمار شامل ووسائل ايصالها, وقواتها الجوية ووسائل دفاعها الجوي, وتشكيلاتها المدرعة, ومراكز قياداتها وسيطرتها الاستراتيجية والتعبوية, وهو ما سيحتل اولوية في خطة تدمير القوات السورية التي وضعتها اسرائيل, ثم اختراق الدفاعات السورية الحصينة شمال جبل الشيخ وتدميرها, وبما يحكم السيطرة الاسرائيلية على المنطقة جنوب دمشق حيث مدينة قطنة وانهار الاعوج وبانياس والقنيطرة, وقد يصاحب ذلك شن عملية هجومية في اتجاه السويداء وجبل الدروز ـ سواء انطلاقا من الجولان أو بالالتفاف من الاراضي الاردنية, هذا بالاضافة لعملية هجومية ثالثة في لبنان تستهدف تدمير واخراج القوات السورية من هناك, وتوسيع منطقة الحزام الامني, وبما يؤمن ضم انهار الليطاني والزهراني والاولي, ويشتت جهود القوات السورية بين عدة اتجاهات تعبوية. اما بالنسبة لمصر, فان احتلال سيناء وتدمير العناصر الرئيسية في القوات المسلحة المصرية, والحصول على قناة السويس سيكون هو الهدف الاستراتيجي لاسرائيل في الاتجاه الجنوبي في اي حرب شاملة ضد مصر. (ب) واذا انتقلنا إلى العمليات ذات الاهداف الاستراتيجية المحدودة ضد الدول العربية والاسلامية, فقد تشمل الآتي: (1) ضد سوريا: تدمير قدراتها من اسلحة الدمار الشامل ووسائل ايصالها الصاروخية والجوية, بالاضافة لتدمير مقار قيادات وقواعد حزب الله ومنظمة الجهاد الاسلامي والمنظمات الفلسطينية المناهضة للسلطة الفلسطينية, وتتخذ من سوريا مقرا لها, بالاضافة لتدمير القوات السورية في لبنان. (2) ضد لبنان: تدمير قواعد حزب الله في لبنان, ونسف القرى التي تأوي رجال المقاومة اللبنانية, بالاضافة لتدمير اهداف البنية التحتية في كل لبنان, وتحويل مياه انهار الجنوب اللبناني نهائيا إلى اسرائيل. (3) ضد السلطة الفلسطينية: شن عمليات عسكرية داخل مناطق الحكم الذاتي لمطاردة عناصر المقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد) داخل قواعدها, والبقاء في هذه المناطق لحين القضاء نهائيا على المقاومة الفلسطينية, وربما تستهدف هذه العمليات العسكرية طرد القيادة الفلسطينية الحالية أو اعتقالها, وإبدالها بقيادة اخرى موالية لاسرائيل, أو ـ وهو الاغلب ـ اعلان ضم الضفة الغربية إلى الاردن فيدراليا أو كونفدراليا. (4) ضد العراق: توجيه ضربة جوية وصاروخية تستهدف تدمير اهداف البنية الاساسية لاسلحة الدمار الشامل ووسائل ايصالها في حالة استئناف العراق انشطته في هذا المجال, قبل أو بعد رفع العقوبات المفروضة عليه, لاسيما اذا انشغلت الولايات المتحدة أو تخلت عن دورها الحالي تجاه العراق, وقد تمتد الضربات إلى المنشآت النفطية في العراق. (5) ضد ليبيا: توجيه ضربة جوية تستهدف مصانع انتاج غازات الحرب الكيميائية ومعامل تصنيع الاسلحة البيولوجية عند التأكد من اماكن تواجدها, وقد تمتد الضربات إلى مصافي النفط والقواعد الجوية والبحرية والدفاع الجوي. (6) ضد مصر: تدمير منشآت البنية الاساسية الاقتصادية في سيناء, لاسيما حقول ومصافي النفط والمنشآت السياحية وعرقلة الملاحة في قناة السويس, واختراق المنطقة شرق المضايق الاستراتيجية في وسط سيناء بما في ذلك مدن رفح والعريش, ولتحقيق هذه الاهداف سينبغي على القوات الاسرائيلية ان تحيد عمل القوات الجوية المصرية في غرب القناة, وهو ما يعني مهاجمة القواعد الجوية المصرية ووسائل دفاعها الجوي, وستكون تلك العمليات الحربية المحدودة في حالة عرقلة مصر لاجراءات التطبيع في العلاقات مع اسرائيل وتجميدها أو الغاء معاهدة السلام من جانب مصر في حالة وصول نظام سياسي جديد في مرحلة ما بعد النظام الحالي يرفض كل المعاهدات والاتفاقات السابق توقيعها مع اسرائيل.