بقلم: عبدالكريم محمد بداية لابد من القول ان الجيش الاسرائيلي رغم مايمتلكه من امكانيات كبيرة ومن تسليح وقدرة قتالية عالية التدريب, واذا كانت لديه القدرة على تشكيل قوات كوماندوس لمواجهة بعض خطط حرب العصابات, الا انه لا يمتلك القدرة على التحول الى مليشيات, كون بنيته الاساسية قامت على شكل جيش كلاسيكي يعتمد على قوة الآلية ومدى تدميرها اكثر من الاعتماد على المهارات القتالية الفردية ولا يمكنه اتباع مهمة الكوماندوس الا ان عمليات محدودة جدا مثلما فعل عند اختطاف الشيخ عبيد والديراني وبعض الانزالات التي استهدفت بعض المواقع الفلسطينية في مخيمات لبنان منذ مطلع السبعينيات. وقد جرب الجيش الاسرائيلي منذ منتصف الستينيات ان يتحول بجزء من بنيته العسكرية الى ما يشبه البنية التي تحلت بها القوات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية والحركة الاسلامية اللبنانية مؤخرا الا انه خسر الرهان وتراجع اداؤه العسكري بشكل كبير واضطر للتراجع عن انتهاج هذ الاساليب المدمرة وغير المضمونة النتائج بالنسبة له, والتي كادت ان تؤدي بهويته كجيش نظامي . لكن رغم هذا التراجع على مستوى التكتيك القتالي والعودة الى طريقة المواقع الثابتة واستخدام كل اجهزة الرقابة الالكترونية المتطورة والاسيجة الامنية واستحداث حملة من الخطط الامنية الدفاعية بهدف التقليل من الخسائر التي تلحقها المقاومة اللبنانية في مواقع تموضع الجيش الاسرائيلي القابع على الاراضي اللبنانية. لكن الواقع جاء على عكس كل التوقعات والتكهنات الاسرائيلية حيث ان كل التسويغات وبالونات الاختبار التي اطلقها قادة اسرائيل المترافقة مع استحداث رزمة من الخطط الامنية العسكرية قد باءت بالفشل الذريع خاصة بعد ان وضعهم التسويف في موقع ميداني حرج لا يحسدون عليه وانكشاف امر المناطق الامنية الرخوة في الجانب الاسرائيلي للمقاومة الوطنية بفعل الجغرافيا والطريقة القتالية المتبعة التي تعتمد على الجهد الفردي القادر على الاختراق والوصول الى الهدف وتخطي اجهزة الانذار المبكر والحواجز الالكترونية الحديثة والمتطورة حتى انها باتت تنعكس بشكل سلبي على جهوزية الجيش الاسرائيلي ليس القتالية التكتيكية فقط, بل والدفاعية وهذا الامر لم تعتد عليه اسرائيل وجيشها المدجج بأعتى ما انتجته آلة الحرب الغربية طيلة سنوات الصراع مع العرب على كل جبهات القتال والتي اوصلت في نهاية المطاف كل القوى السياسية اليمينية واليسارية ويسار الوسط ويمين الوسط وما يقع على تخوم هذه الاحزاب من طحالب سياسية على الاجماع على موقف موحد ينادي بالانسحاب من المستنقع اللبناني الذي مس بشخصية الجيش الذي لا يقهر حسب ما يطلقون عليه من تسميات وذلك بسبب سقوط غالبية الرهانات ان لم يكن كلها التي اعتمدت على التكتيكات الامنية ـ الاعلانية التي اتبعت من قبل الجانب الاسرائيلي فيما مضى ووصل القادة السياسيون ومعظم العسكريين الى حقيقة مفادها انه لا يمكن للجيش الاسرائيلي البقاء في هذه الارض الوعرة الملتهبة التي تنال من هيبة الجيش الاسرائيلي يوميا وتفت في عضده بالاضافة الى انه خسر الرهان على جيش لبنان الجنوبي الذي بدأ بالتراجع في اعداده كما نوعا وفقد خاصيته كقفاز امني متقدم لحماية الجيش الاسرائيلي المتواجد على الاراضي اللبنانية ولم يشكل كما كان مرسوما له من قبل الاسرائيليين طرفا سياسيا على مستوى الحياة الداخلية اللبنانية يستمد شرعيته من بعض الاطراف الدولية وعجز عن التمدد الى ما كان يسمى بمناطق القوى الانعزالية التي كانت متواجدة في مناطق بيروت الشرقية وجبل لبنان خاصة بعد ضرب ظاهرة عون والقضاء عليها في عام 1991 والقوات اللبنانية بل على العكس من ذلك اصبح هذاالجيش بمايمارس من دور تخريبي على الاراضي اللبنانية عبئا على القوى المسيحية بكل اتجاهاتها دون ان نغفل انه اصبح عبئا على قوات جيش الاحتلال الاسرائيلي ليس المادي والمعنوي وحسب بل والامني فبدلا من ان يكون حاجزا صادا لهجمات حزب الله اصبح بحاجة الى حماية الجيش الاسرائيلي وإنه بات عرضة للاختراقات الامنية من قبل حزب الله والسلطة اللبنانية. بكلام اخر اصبحت تكلفة جيش لبنان الجنوبي اكثر من مردوده على كل المستويات واهمها التكلفة الامنية العسكرية بموازاة ذلك تعمل حكومة باراك على تغطية هذه الحقائق من اجل استثمارها عند الطرف الآخر, أي انها بانسحابهامن طرف واحد تكون قد تنصلت من الالتزامات التي تقع على عاتقها والتي تتلخص بما يلي: أولا: الانسحاب من المياه الاقليمية اللبنانية والكف عن عمليات القرصنة البحرية التي تمارسها ضد كل البواخر المقبلة الى لبنان وبالعكس والالتزام بالقوانين البحرية التي اتفق عليها في المنظمات والهيئات والمحافل الدولية الخاصة بهذا الشأن ووأد قضية القرى اللبنانية السبع التي احتلتها اسرائيل في عام 1948 والثلاثين مزرعة والغطرسة على بعض التلال والبلدات والمزارع التي ضمتها بعد عام 1956 لها. ثانيا: وقف الانتهاكات الجوية المتكررة للاجواء اللبنانية سواء من قبل طائرات الاستطلاع التي تستخدم للشئون العسكرية ـ الحربية, لدواعي التجسس او الطائرات المقاتلة العادية منها والعمودية التي تستخدم بشكل شبه يومي في العدوان على لبنان. ثالثا: ابقاء جيوب لحدية والمتمثلة بجيش لبنان الجنوبي من اجل ديمومة الصراع اللبناني ـ اللبناني بدعم لوجستي من خلال قواتها المساندة لهذه الجيوب واظهار الاقتتال على انه اقتتال داخلي لا يوجد لاسرائيل فيه يد او ارادة بهدف خلط الاوراق على الساحة اللبنانية ومن ثم يظهر للعالم الغربي وكأن الوجود الاسرائيلي ايا يكن هذا الوجود كان بمثابة صمام امان في الجنوب اللبناني. رابعا: التنصل من قضية اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان ومن ثم ضرب كل القرارات الدولية المتعلقة بعودتهم الى ديارهم وفي مقدمة هذه القرارات القرار 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم والتعويض عن املاكهم التي دمرت بسبب العمليات العسكرية وليس التعويض لمن لا يرغب حسب ما تتناقله بعض وسائل الاعلام العربي والغربي. خامسا: اثارة الرأي العام الغربي اذا امكنها ذلك حول الوجود السوري انطلاقا من ان هذا الوجود يساوي الاحتلال الاسرائيلي ويجب النظر له على قدم المساواة مع الاحتلال ومحاولة تجييش القوى المتصهينة اللبنانية المتواجدة في بعض البلدان الاوربية ومحاولة ربط الجسور مع الجيوب المتبقية في لبنان لاثارة الضجيج حول هذا الوجود العربي الشرعي بموجب قرارات الجامعة العربية ولعل تعالي بعض الاصوات من داخل لبنان من خلال بعض وسائل الاعلام باعتبار كل ما هو على الاراضي اللبنانية احتلالا, يعتبر احدى المقدمات التي يسعى لها الاحتلال الاسرائيلي سعيا لمحاولة حصار سوريا واضعاف موقفها التفاوضي خاصة واننا ندرك ان لبنان خاصرة سورية الامنية. ولعل المتتبع للاعلام الاسرائيلي الموجه ان كان من خلال اذاعة الجيش الاسرائيلي والاذاعة الرسمية او من خلال القناة الثانية للتلفزيون الاسرائيلي في عرضها اليومي لقتلى جيش الاحتلال الاسرائيلي وما يتعرضون له يصل الى حقيقة مفادها ان القيادات الاسرائيلية بدأت تسوق عملية الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني لدى جمهورها من جهة ومحاصرة بعض اصوات الجنرالات التي ابدت معارضتها الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان من دون اتفاق وبدأت تشيع بعض الاشارات لكيفية الانسحاب وحجمه. وقد لخصت بعض المصادر الاسرائيلية شكل الانسحاب بأنه سيكون وفقا لخطة الانسحاب من طرف واحد بانسحاب الجيش الاسرائيلي الى الحدود التي كانت قائمة في عام 1978 اي الى الاماكن التي جرى تعديل الحدود فيها الى داخل الارض اللبنانية لكن السؤال, هل حقا وصل باراك الى الانسحاب من كل الاراضي اللبنانية؟ وهل سيضرب عرض الحائط كل الاهداف والمصالح التي تراها اسرائيل في لبنان خاصة المياه التي اعتبرت منذ وعد بلفور اساس استقرار الاستيطان في شمال فلسطين؟ تبقى كل الاحتمالات مفتوحة على كل الاتجاهات بما في ذلك الحروب.