بقلم: عبدالله الحوراني هذا المثل العربي القديم, ينطبق تماما على الحال العربي والفلسطيني اليوم. فمن يتابع تصريحات المسئولين الفلسطينيين والعرب, وتعليقات اجهزتهم الاعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة يلحظ انها تحفل بانتقاد الموقف الاسرائيلي والتهجم عليه. وألفت الانتباه هنا الى استخدامي تعبير التهجم على الموقف وليس الهجوم على اسرائيل. فكلمة الهجوم اسقطت تقريبا من قاموسنا العربي وربما يصدر تشريع او قانون يعرض كل من يستخدمها للمساءلة او العقاب بتهمة الارهاب او التحريض, او معاداة السلام. وباعتبار الرياضة احد الميادين القليلة التي لا يزال يرد فيها تعبير الهجوم, لا يستبعد ان نفاجأ قريبا بصدور تعليمات لمدربي كرة القدم في بلادنا العربية بإلغاء خطط الهجوم من تدريباتهم او إلغاء خط الهجوم من فرقهم, والاستغناء عن لاعبيه, حتى لو كانت الخطط الهجومية من قبيل تطبيق القاعدة الكروية التي تقول: (ان الهجوم هو خير وسائل الدفاع) وذلك لقطع الطريق على اي تأويل في معنى الكلمة بسبب تعود الجمهور على استخدامها نظرا لما تتمتع به هذه اللعبة من قاعدة جماهيرية واسعة. ولا يهم ان لم يتفهم المدربون الاجانب الذين تستعين فرقنابخبراتهم مثل هذه السياسات فهؤلاء يمكن ترضيتهم بالأموال التي تغدق عليهم. كما لا يهم ان توقفت فرقنا عن تسجيل الاهداف في مرمى الخصوم. فذلك لا يعتبر خروجا عما بات مألوفا في مختلف نواحي الحياة العربية التي اعتادت على ان تستقبل ضربات الخصوم في مرماها دون ان تفكر باستخدام حقها المشروع في رد الفعل, والتسديد على مرمى الخصم واصابته. فالأرض العربية اصبحت حقلا للرماية وتجارب الاسلحة كما يحدث بصورة دورية شبه يومية ضد العراق والجنوب اللبناني وكذلك فلسطين. او غيرها لتحسين مستوى اداء الجنود الامريكان في قتل الاطفال العرب. ولان التهجم فقط هوالحد الاقصى المسموح به, أو المقدور عليه فإن عبقرية لغتنا العربية تتجلى على لسان مسئولينا في استنباط المفردات المناسبة لوصف الموقف الاسرائيلي بالتعنت تارة,والتشدد تارة اخرى او عرقلة جهود السلام تارة ثالثة. مع حرص شديد على انتقاء ألفاظهم حتى لا تنزلق ألسنتهم باستخدام لفظة قاسية توقعهم في المحظور, مثل الادانة او العدوانية او العنصرية. ولذلك لم نسمع اية ادانة عربية واضحة للهجوم الامريكي الاخير على العراق الذي اوقع اربعة عشر شهيدا, وتسعة عشر جريحا. كما لم نسمع من قبل اية ادانة واضحة للحصار الامريكي البريطاني للعراق, الذي تستخدم الحدود العربية لتطبيقه طيلة الاعوام التسعة التي مرت وسقط فيها اكثر من مليون ونصف مليون مواطن عربي عراقي شهداء الظلم الدولي والقومي ايضا. بل ان بعض الادانات العربية لا تأتي واضحة الا اذا كانت في سياق استرضاء العدوانية الامريكية وتأييدها. ومن شدة الحرص على انتقاء الالفاظ, حين يتعلق الامر بالسياستين الامريكية والاسرائيلية تبدو التصريحات العربية واللقاءات الرسمية وما يصدر عنها غير مفهومة وجملها مكررة وممجوجة وهي احيانا اقرب الى اللعثمة والتأتأة التي تثير سخرية المواطن العربي. وفي حين يتلعثم العرب, ويتأتئون حتى في الادانة الواضحة للسياستين الامريكية والاسرائيلية. تمضي اسرائيل بوضوح يثير الحنق والقهر لدى المواطن العربي في سياساتها الاستيطانية والتوسعية وفي الاعلان عن الاراضي التي تنوي الاحتفاظ بها, وعن شروطها للسلام مع العرب, وتمضي الادارة الامريكية ايضا في التعبير بالقول والفعل عن انحيازها لاسرائيل, وعدائها للعرب. ومع ذلك لا تدفعنا هذه الاستفزازات الى (انحيازها) ولو من باب (الحمية) القبلية والعشائرية التي يبدو انها هي ايضا ماتت فينا الا اذا تعلق الامر بخلاف عربي/ عربي عندها تستنفر الروح القطرية القبلية, وتنتصب الثارات وتشحذ الهمم والخطابات. واذا كان هذا هو الواقع العربي الذي يتصارع بعض اطرافه على بضعة كيلومترات حدودية في صحارى شاسعة, او جزر صغيرة منسية, أو تحرم دولة او دويلة صغيرة شقيقتها الجارة الكبيرة من اطلالة على البحر ولو بعشرات الكيلومترات, او تقف دولة, تتعرض هي للعدوان الاسرائيلي واحتلال جزء من اراضيها موقف اللامبالاة من العدوان الامريكي على جارها الشقيق العربي, بل وتنفذ بإحكام شروط الحصار الامريكي عليه. ولا تحرص حتى على اعادة العلاقات الدبلوماسية معه بشكل كامل بعد قطعية استمرت عقدين من الزمن. فكيف لنا ان نأمل بتسليم اسرائيل بالحقوق العربية, والتنازل طوعا عن الاراضي العربية والفسطينية التي تحتلها!! بل كيف لا تجد اسرائيل في الصراعات العربية الحدودية ذريعة للتمسك باحتلالها للاراضي العربية. هذه الحال تقودنا الى الاستنتاج ببساطة, ان الحل الاسرائيلي بكامل شروطه هو المقبل علينا, وان السياسات العربية والفلسطينية المتردية, والمترددة والمتخاذلة والمنقسمة, والمتصارعة هي المسئولة عن ذلك بقدر مسئولية التعنت الاسرائيلي بل هي سببه وان التهويش الذي تطلقه في وجه السياسة الاسرائيلية او التهجم عليها هو من باب رفع العتب وذر الرماد في العيون, وهو اضعف من ان تعيره اسرائيل اي اهتمام لانه يفتقر الى الحد الادنى من مقومات القوة او اوراق الضغط التي يستند الينا. والى ان نتمكن من معالجة واقعنا العربي سيبقى لنا ان نشتم ـ هذا اذا لم نحرم من هذا الحق ويبقى لعدونا ان يفوز.