هذا التذبذب الروسي بين طبول الحرب ونيران القذائف والمعارك المهلكة وبين صرخات السلام والحل التفاوضي لن يخدم مستقبل روسيا ولا مصير الشيشان, وهو لن يؤدي إلا إلى المزيد من الضحايا والأحقاد على الجبهتين ومزيد من الخسائر والاستنزاف لامكانيات الجانبين ولهيبة روسيا الدولية ورصيدها الأخلاقي. فخلال أسبوع واحد قفز الموقف الروسي بين ثلاثة مواقف متناقضة, فقد كانت روسيا تصر على التعامل مع المقاتلين الشيشان باعتبارهم مجرد ارهابيين تسعى إلى حسم الصراع معهم عسكريا في الميدان, ومع تصاعد الهجمات الشيشانية ضد القوات الروسية أعلن (ايجور ايفانوف) وزير الخارجية الروسي يوم الخميس الماضي أن روسيا تجري مفاوضات مع القادة الشيشان لانهاء الحرب وانه يتوقع نتائج ايجابية. لكن موسكو انتكست على عقبيها في اليوم التالي (الجمعة) مع ورود أنباء عن اعتقال (أبتي بتالوف) مدير مكتب مسخادوف وأسر ثمانية آخرين من المقاتلين الشيشان في عملية استخباراتية, وتحدثت القيادة العسكرية الروسية بعدها عن التحضير لشن هجوم واسع على مناطق (فيدينو ونوجاي يورت) في جنوب جمهورية الشيشان بينما أعلنت الخارجية في موسكو عن رفض انهاء الحرب عن طريق التفاوض!! إن هذا التذبذب خطير جدا, وهو يشير إلى ان لعبة الحرب والسلام مجرد مناورة تلعبها موسكو حسب مجريات الوضع الميداني بهدف تحسين مواقعها العسكرية, أو ان القيادة الروسية لم تستوعب دروس المواجهة الساخنة المكلفة في الشيشان وان اختلاف أجنحتها ما زال يدفعها إلى المزيد من الحرب المدمرة التي لن تؤدي إلا إلى تعقيد الصراع واضاعة فرص الحلول السلمية. وهذه الخلاصة ليست فقط (رأي البيان) الذي سبق أن كررته مرارا, وإنما هو قناعة غالبية المراقبين الدوليين الموضوعيين, وهو أيضا ما عبرت عنه (بنيتا فريرو فالدنر) وزيرة خارجية النمسا ورئيسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي أكدت أمس أن (الصراع بين روسيا وجمهورية الشيشان لا يمكن حله بالقوة العسكرية) . وقد عبرت السيدة (فالدنر) أيضا عن (صدمتها وأساها من حجم الدمار الذي لحق بالعاصمة الشيشانية جروزني لتضم بذلك صوتها إلى الدعوات الأوروبية ومطالبات لجان حقوق الإنسان بضرورة التحقيق في حجم التجاوزات وجرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الروسية في هذه الجمهورية الصغيرة التي تصر على اعتبارها جزءا من ترابها الوطني رغم حجم الدمار والضحايا الذي أصاب بشكل أو بآخر أكثر من نصف السكان فيها. فهل تسارع موسكو إلى حل سلمي يحترم إرادة هذا الشعب المقاتل والمصالح الروسية معا, أم ان موسكو ستصر على المناورة واضاعة فرص السلام واستمرار المقامرة بلعبة خطرة على مستقبلها ومستقبل الشيشان معا؟