بقلم: ياسر الفهد كثير ما نسمع بعض المسئولين السياسيين المحنكين يطلقون تصريحات واقوالا مهمة, فقد توحي لنا بمدلولات خطيرة وتشعرنا بأننا على عتبة تطورات مفاجئة, او ان احداثا جساما على وشك الوقوع. ولكن ما ان يدور الزمن دورته, فتمر الايام وتتلوها الاسابيع وتعقبها الشهور, او ربما السنون, حتى يتبين للجميع ان ما تم الادلاء به كلاميا ليس له على خارطة الواقع السياسي المعاش اية بصمة عملية او اثر حقيقي وقد يظن بعض الناس ان هؤلاء المسئولين اما انهم يكذبون على انفسهم او على الآخرين, او انهم يجهلون ما يجري في الحلبة السياسية وما يقع على مسرح الاحداث. والحقيقة غير ذلك, فما يقوله هؤلاء كثيرا ما ينطوي على اهداف ومرام بعيدة المدى ومنها على سبيل المثال, تضليل خصومهم السياسيين, او التباهي بمنجزات وهمية او للتغطية على ممارسات سياسية غير نزيهة, او لخلق انطباعات خاطئة لدى بعض الناس بقصد التعمية وتشويه الحقائق, او لبث شائعات مغرضة. الا ان كثيرا من التصريحات السياسية المبالغ فيها, انما تشكل تعويضا عن الافتقار الى التفعيل السياسي على ارض الواقع, فيتحول بذلك (الكلام الكثير) الى وسيلة للتمويه على (الفعل القليل) وإذا انتقلنا من الحياة السياسية الى الحياة الاجتماعية, يثب الى اذهاننا مثل مفادة ان (من يكثر كلامه يقل فعله) وهذا القول قد يكون صحيحا الى حد معين فنحن نعرف اشخاصا يكثرون من الكلام ويسرفون في الاقوال, ويمطرون اصدقاءهم او اقاربهم او معارفهم بوابل من الوعود الكثيفة والتأكيدات الرنانة. وعندما يحين وقت التنفيذ والوفاء بالوعد, نجدهم يتراجعون ويتقاعسون ولا يفعلون الا القليل, او قد لا يفعلون شيئا على الاطلاق, وربما يصح في هؤلاء القول (اسمع جعجعة ولا ارى طحنا) ومن الوجهة المقابلة, نجد اناسا قليلي الكلام, لا يقطعون على انفسهم وعودا, إلا بمقدار ولا يتعهدون بإسداء خدمة الا ضمن حدود. ولكن حينما يأتي وقت العمل, نرامه يبرون بوعودهم ويفون بتعهداتهم ومع ذلك, فإن هذه الامثلة لا يجوز ان تشكل قاعدة عامة. كما لا يحق لنا دائما ان نقرن كثرة الكلام بقلة الافعال. فهناك اشخاص يكثرون من القول والفعل في آن واحد. كما يوجد آخرون, على عكسهم قليلو الكلام والفعل وما ذكرناه حتى الآن يمثل ظواهر اجتماعية عادية لا نريد ان نقف عندها طويلا ولكن الامر يختلف عندما تتحول كثرة الاقوال الى عملية منظمة هادفة يقصد من ورائها تحقيق مآرب معينة. وربما يجوز لنا في هذه الحالة, ان نطلق على العملية اسم (صناعة الكلام), حتى لو بدا في هذا المسمى بعض المبالغة. ونحن في العادة نسمع عن صناعات مختلفة, كصناعة الاغذية او الملبوسات او الاسلحة او الادوية, ولكننا ربما لم نسمع عن صناعة الكلام, مع ان هذه الصناعة قائمة بالفعل, لدى بعض الاطراف او الجهات, ولكن بصورة غير معلنة, ولاغراض مصلحية بعيدة المدى, وبأشكال متعددة, تختلف حسب اختلاف الهدف. ومن الامثلة الافتراضية المصغرة على هذه الصناعة, قيام جماعة او جهة ما, بالايعاز الى الاعضاء التابعين لها, او بعضهم, باطلاق اشاعة معينة, تفيد منها الجماعة المذكورة, بطريقة من الطرق. وفي هذه الحالة, ينقل عضو ما الاشاعة الى شخص ثان, وهذا بدوره يوصلها الى فرد ثالث, والثالث الى رابع, والرابع الى خامس... وهكذا, الى ان تشمل السلسلة مئات وآلاف الاشخاص, وبالتدريج تدور الاشاعة وتجري على ألسنة الجميع ونتيجة لذلك, يتولد عند كثير من الناس انطباع بأن هذه الاشاعة التي يجري تناقلها وتداولها على مثل هذا النطاق الواسع, لابد ان تكون صحيحة جزئيا على الاقل, ان لم يكن كليا, مع انها في الاصل مختلقة ولا اساس لها من الصحة على الاطلاق, والهدف من ترويجها تحقيق هدف مرسوم. ومن الامثلة الاخرى, لجوء اجهزة الاعلام في مكان ما من العالم, والى اطلاق اقوال معينة وترديدها ليلا ونهارا, بصورة مستمرة, عبر الصحافة والتلفاز والاذاعة, حتى يدخل في روع الناس انها صحيحة, فيصدقونها مع مرور الزمن. ومن المعروف ان العقل الباطن للانسان (اللاشعور) يلتقط عادة الافكار والانطباعات ويحفظها في طياته, دون مناقشة, فتترسخ في اعماقه, دون ان تنطوي في الاصل, وبالضرورة, على أي قدر من الصحة. ومن الامثلة التي يمكن سوقها, ايضا لجوء دولة ما من دول العالم, اذا كانت مقصرة عمليا في مجال من المجالات الى التعويض عن هذا التقصير بتسخير اجهزة اعلامها المكتوبة والمسموعة والمرئية, لاطلاق الضجيج والصراخ والاقوال الحماسية التي تمجد الانجازات الوهمية التي تم تحقيقها في المجال الذي يوجد فيه تقصير. وتأمل مثل هذه الدولة, ان ينسى الناس, في خضم الصراخ الاعلامي, وحبكة الصراخ الكلامي, ما يحدث فعلا على ارض الواقع وما يجري من تقصير عملي في مجال الانجازات. وكمثال رابع, نجد ان المبالغة الاعلامية الكلامية كثيرا ما تستخدم للتستر على افعال معاكسة بصورة كلية للاقوال. ونخلص اخيرا الى ان الدول التي تبالغ في الضجيج الصحفي او الاذاعي او التلفازي انما قد تفعل ذلك للتغطية على اعمال غير مناسبة, او لاخفاء التقصير في مضمار ما لأن الصراخ الاعلامي الذي يدوخ رؤوس الناس ويطيح بتوازنهم, لا يترك لهم الفرصة للتفكير الهادىء والتمعن فيما يقال. ان الاعلام الصارخ, هو اشبه ما يكون بأزيز الرصاص, او طلقات المدافع او مفرقعات البارود التي تخفي وراءها ماء باردا او جليدا مصقعا. انه يستخدم (نار الكلام) حتى يخفي (جليد الفعل) اما الدول الجادة فنجد اعلامها هادئا ومتزنا ورصينا ومعتدلا.. وكل كلمة تتردد عبره لها ما يقابلها على ارض الواقع. وبعد فإن علينا ألا نصدق كل ما يقال لمجرد كثرة ترديده, ويجدر بنا ألا ننساق وراء الاقوال المنمقة والتهويلات الكلامية, سواء في المجال السياسي, او المجال الاجتماعي, لأن المهم اولا واخيرا, الافعال والحقائق المطروحة على الارض.