بقلم :د. مصطفى محمود هل خطر على بالك وأنت تتأمل السماء فى ليلة صافية أنك لا ترى من هذه السماء إلا 5% وربما أقل من محتوياتها مهما استخدمت من مناظير ومجسات وأدوات إستشعار .. وأن 95% من محتويات هذه السماء وربما أكثر تظل محجوبة عنك .. لأنها كتل سوداء مظلمة لا يخرج منها ضوء وسحب من العوالق والأتربة ممتدة مترامية بلا حدود. ويقول رجال الفلك إن هذه المادة السوداء المظلمة هى مجموع الغبار الكونى وسحب الغاز البارد وفقاعات كونية سابحة فى الفضاء وكتل مادية جوفاء وثقوب سوداء ونيازك وبقايا نجوم ميتة .. وجسيمات دقيقة وفتافيت ذرات هائمة فى تجمعات سحابية مثل البروتونات والنيوترونات والباريونات والكواركات وجسيمات النيوترينو التى تخترق الأرض وتخرج من الناحية الأخرى فى سرعات مذهلة مثل السهام الخفية .. هذا عدا الأجسام الكبرى العملاقة كالنجوم والشموس والمجرات والكواكب والتوابع والأقمار التى تدور فى أفلاكها. وافتراض وجود هذه المادة السوداء الخفية كان سببه أن النجوم والشموس والكواكب والكتل المجرية العملاقة لا تكفي بمجموع كتلاتها للإحتفاظ بتماسك مجموع الكون ككل .. وتأثيرها الجذبى لا يكفى لجمع شمل العناقيد الكونية الهائلة من مجرات وتوابع لتسبح فى أسرة متحاضنة كما نراها .. وكان لابد أن تنفرط لولا وجود هذه المادة المفترضة. والمعضلة معضلة حسابية وإحصائية فحاصل جمع الكتل الموجودة والمرئية بمناظيرنا وكاميراتنا الفضائية ومجساتنا لأشعة اكس وأشعة جاما والأشعة تحت الحمراء ومنظار هابل تقول أن مجموع المادة الموجودة أقل بكثير من المقدار الذى يفسر هذا التماسك الجذبي القائم ولو أن ما نرى هو كل المادة الموجودة لكان لابد أن ينفرط هذا الكون بددا ويتناثر فى الفضاء ويضيع ويبرد وينطفىء ولا يجتمع له شمل .. فهناك حد أدنى من الكتلة لتكون هناك قبضة تمسك البنيان الكوني .. وكان لابد من الافتراض أن أكثر من تسعين فى المئة من مادة الكون خافية وغير منظورة ولا يخرج منها أى ضوء يدل عليها .. وأنها لابد أن تكون موجودة قطعا رغم أننا لا نراها لتكون هناك تلك القبضة الملحوظة التى تمسك بالكون المرئي. وعلماء الجاذبية يؤكدون أن هناك حدا أدنى من الكتلة لتتماسك هذه الأسرة الهائلة من المجرات والنجوم والشموس والكواكب والأقمار ولترحل كما نراها وهى متحاضنة فى هذا الفضاء اللانهائي. فاذا كانت الكتلة أكبر فإن المجموعة تنهار على بعضها وتنكمش وتتكدس و تتضاغط وتنصهر ويجرى عليها أقصى درجة من (الهرس) الجذبي وترتفع درجة حرارتها وتتحول الى عجينة نارية ثم تنضغط الى حد أقصى من الإنضغاط والى حد أقصى من الصغر .. ثم تعود فتنفجر وتتمدد وتتناثر فى الفضاء لتعيد قصة الإنفجار الأول الذى بدأ به الكون .. ثم تنتشر فى السماوات السبع وتتشكل على صورة نجوم وشموس ومجرات سابحة مرتحلة .. كما هى فى عالمنا المشهود الآن. وتظل تتمدد وتتباعد بفعل قوة الانفجار حتى تخمد هذه القوة .. فينشأ ما يسمى بالكون المتعادل بين قوتين .. القوة الجاذبة المركزية .. والقوة الطاردة المركزية. ويستمر هذا الكون عدة مليارات أخرى من السنين. فإذا استمر التباعد وتغلبت القوة الطاردة المركزية على القوة الجاذبة المركزية بسبب صغر الكتلة فإن القبضة تظل تضعف وتضعف ثم يتناثر الكون بددا فى الفضاء.. وذلك هو الكون المفتوح فى لغة علماء الفلك .. فهو فى تمدد أبدا وفى تناثر دائما لا يجتمع له شمل. واذا حدث العكس بسبب ضخامة الكتلة المادية فان الكون ينهار على بعضه بسبب ثقله ثم ينكمش ويتضاغط إلى نقطة الانفجار الأول .. وذلك هو نموذج الكون المغلق فى لغة الفلكيين. يقول ربنا عن الساعة فى القرآن (ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم الا بغتة) . فيربط سبحانه وتعالى بين (الثقل ) والانهيار الكونى فى كلمة (ثقلت) .. وهى إشارة علمية بليغة تفوت الكثيرين.. وسبحان الذى وسع كل شيء رحمة وعلما.. فكلمة (تثاقل) .. هى الترجمة الحرفية لكلمة (gravitation) .. أى الجاذبية وهذه معجزة البيان القرآنى الدقيق الذى لا تنتهى عجائبه. والمعنى المستفاد من كل هذا أن الكتلة المادية لمجموع الكون هى التى سوف تحدد سلوكه وسوف تحدد نهايته .. ولأننا لا نرى مجموع هذه المادة ولا نشهد منها إلا الجزء الذى يشع ضوءا .. ويخفى علينا تماما جانب المادة السوداء المظلمة ولا ندركها إلا تخمينا واستنتاجا من حساباتنا .. فاننا لن نعلم متى ستأتى لحظة الانهيار الجذبى ومتى تقوم الساعة رغم أننا نعلم أشراطها وعلاماتها. وتلك لفتة أخرى لدقة البيان القرآني (لا تأتيكم إلا بغتة) . أى أننا سوف نفاجأ بها ولن تدركها حساباتنا رغم توقعنا لحدوثها .. فهناك عنصر ناقص فى هذه الحسابات لن ندركه بوسائلنا .. وهو المادة السوداء المظلمة ومداها وكتلتها بالضبط. وهذه هى (س) فى المعادلة التى لا سبيل الى تحديدها كميا وهذا هو التحدى الذى يواجه العلماء أى أننا لن نعلم ( بالضبط ) مقدار هذه المادة السوداء المظلمة .. وبالتالى لن نستطيع أن نحدد ساعة الإنهيار وهناك جنون فلكى الآن حول هذه المادة السوداء .. وهناك سباق محموم بين كل المراصد ومراكز الأبحاث الفلكية للوصول الى الماهية الحقيقية لهذه المادة السوداء وكميتها وكتلتها, والخلاف على أشده بين كل مراكز البحث ولكن كلهم متفقون على أنها حقيقة وأنها تملأ السماوات .. ولكنهم مختلفون غاية الاختلاف فى مقدارها .. وفى ماهيتها. ولفتة أخرى للدقة القرآنية فى خطاب الله لموسى عن الساعة .. يقول ربنا: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) (15- طه). يقول ربنا ( أكاد أخفيها ) ولا يقول أخفيها .. أى أننا سنعلم أنها آتية. والكلمة غاية فى الدقة .. فالفلكيون الآن يعلمون أنها آتية لا شك وأنها مرتبطة بالزيادة التراكمية للكتلة .. ولكنهم لا يعلمون مقدار هذه الكتلة الكلية .. بسبب المادة المظلمة التى لا يخرج منها ضوء ولا تدركها المناظير .. وبالتالى لا يستطيعون حساب موعد الانهيار بالضبط لأن الرقم الكلى مجهول. وآيات مثل .. ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) (1- القمر). ( وما يدريك لعل الساعة قريب ) (17- الشورى). ( يسأل أيان يوم القيامة ) (6 ـ القيامة) .. كلها .. إشارات إلى إستحالة التحديد. ( فاذا برق البصر وخسف القمر وجُمع الشمس والقمر) ( 7-8-9- القيامة). ولا يجمع الشمس والقمر الا فى الانهيار الجذبى الذى ينهار فيه الاثنان بجاذبية المركز ويتحول الكون كله الى عجينة واحدة تهرسها الجاذبية هرسا.. ولا شك أنها ستكون حالة مشهدية خارقة تخطف البصر لغرابتها .. هذا إذا ظل المشاهد قادرا على المشاهدة وإذا لم يتحول إلى بودرة أو مسحوق. والأمر لا يمكن وصفه فهو كارثة كبرى بكل المقاييس يتضاءل أمامها كل ما نرى من سيول وأعاصير وزلازل وبراكين وصواعق وإنهيارات جليدية إنها النهاية التى لا يعلم إلا الله ماذا بعدها. ولا يملك عالم الفلك الذى يرصد ويقيس ويسجل ويحسب إلا أن يصاب بالرجفة والذعر .. فالأرقام التى تجتمع لديه من الحاسبات الكومبيوترية الضخمة تنبىء باحتمال مؤكد .. ان هناك مادة مظلمة خفية تملأ جنبات الفضاء والكون وأن هذه المادة الخفية تشكل أكثر من 95% من الكون وأن ما نراه بأعيننا من هذا الكون أقل من 5% من محتواه الكلى .. وأن المجرات غارقة فى هالات خفية من هذه المادة كما تغرق حبات الفستق فى المربى .. وأن هناك عفريتا ماردا له ملايين الأذرع يضغط على مادة هذا الكون شيئا فشيئا دون أن ندري .. وأننا نقترب شيئا فشيئا من اللحظة الحرجة التى سوف ينهار فيها كل شيء كمعمار هائل من القش. متى ..؟!! لا نستطيع أن نحدد والكومبيوترات الضخمة لا تسعف والأرقام لم تظهر بعد ولا نملك الا التخمين, ولكن كل الأرصاد تقول إن هذا الكون العظيم يسير حثيثا الى نهايته. وصدق رسولنا العظيم عليه الصلاة والسلام حينما أجاب السائل الذى سأله متى الساعة يا رسول الله؟ فقال الرسول العظيم فى كلمات جمعت الحكمة كلها:نفسك .. ماذا أعددت لها. صدقت يا رسول الله.