حب هذا الوطن قنديل زيت مشتعل حفرته يد الله في قلوبنا.. قنديل زيت أخضر أروع وأجمل وأدفأ من ألف شمس.. لأنه اشتعال دائم.. لايعرف الكسوف والخسوف.. ولا تقدر عليه العواصف والسحب. وعندما أسافر أجده معي.. يسبقني الى المطار.. ويشتري صحف اليوم لنقرأها في الطائرة.. لا يميل للشراء من (الفري شوب) .. ويفضل تناول آخر فنجان قهوة (سادة) في كافيتيريا الترانزيت.. وهو مثلي لايحمل في يده أمتعة والرحلة هذه المرة الى الولايات المتحدة الأمريكية.. الدولة التي ترتطم جبهتها بسقف الكرة الأرضية.. وتتعايش مع كل عقد الدنيا وتناقضاتها.. فهي مرة تلعب دور (الشرير) الذي يمارس الشر للشر ومرة تلعب دور (الشريف) الذي يطارد بعناد الخارجين على القانون.. مرة توسوس كالشيطان الرجيم ومرة تتكلم كالشعراء الرومانسيين.. مرة تترك المذابح في فلسطين ولبنان تحصد المئات دون أن تذرف دمعة واحدة.. ومرة تنفلق من الحزن على كلب صغير صعد جذع شجرة وفشل في النزول من تشابك الفروع والأوراق. لم تكن المرة الأولى التي أهبط فيها على (الكوكب الأمريكي) .. كانت المرة الأولى منذ حوالي 20 سنة.. وقد انتهت الرحلة التي استمرت 5 أسابيع متصلة لولايات متفرقة متناقضة ومختلفة بكتاب فاز بجائزة الدولة في أدب الرحلات عام 1986 يلخص عنوانه كل هذه التناقضات.. (أمريكا الجنة والنار) .. أما غلاف طبعته الأولى فكان لوحة أشبه ببوستر لفنان أمريكي مجهول.. رسم شفتين مثيرتين مثيرة لامرأة في حيوية وسخونة مارلين مونرو.. لكن.. بين الشفتين الملتهبتين غرس رصاصة حادة.. مدببة.. فالمتعة تنتهي بالقتل.. واللون الأحمر الذي يرمز للرغبة هو نفسه اللون الأحمر الذي يرمز للذبح.. هذه هي أمريكا. ومنذ ذلك الوقت ولا تتوقف رحلاتي غير المنتظمة للولايات المتحدة.. وقد دخلتها من أبواب مختلفة.. متنوعة.. ضيقة أحيانا.. ورحبة وواسعة أحيانا أخرى. دخلتها من بوابة (البيت الأبيض) .. بوابة السياسة الرسمية.. في رحلة كانت مهمتي الصحفية فيها تغطية إحدى زيارات الرئيس (مبارك) .. وقد وجدتني في هذه المهمة استنشق رائحة الشواء والشياط في مطابخ القرار الأمريكي.. في الكونجرس.. والادارة الأمريكية .. ووجدتني في مؤسسات تصحيح وتهذيب القرار الأمريكي التي تعرف بجماعات الضغط وجماعات المصالح.. مثل الصحف وبطاريات التليفزيون وجمعيات حقوق الانسان والمنظمات الأهلية غير الحكومية.. وهي المنظمات التي قلبت المائدة وسكبت القهوة على أوراق المجتمعين في (سياتل) الذين يؤمنون بحرية التجارة ولو على حساب ملايين الفقراء والعاطلين.. الذين يؤمنون أن تموت القلة من التخمة وتموت الغالبية من الأنيميا.. أن يموت البعض من الشبع ويموت الكل من الجوع ؟؟. وكلاهما موتا كافرا.. وهي المنظمات التي كلفت بعض أعضائها بمواجهة الكلمات والكاميرات والقرارات والتوصيات عرايا في مؤتمر بأمستردام عاصمة هولندا كأن يسعى لبيع مياه في منابعها ومصادرها الطبيعية.. لتر مياه مقابل لتر دم.. أو لتر عرق.. كان المشهد رسالة مباشرة صريحة تقول (لم نعد نملك سوى أجسادنا العارية.. خذوها هي الأخرى.. تاجروا فيها. ودخلتها من بوابة الصحافة.. بوابة الرأي العام.. أو السلطة الرابعة (وهو التعبير الذي أطلقه الكاتب والمفكر والسياسي الانجليزي ويليام هازيليت على الصحافة في نهاية القرن الثامن عشر ثم شاع في القرن التاسع عشر في كتابات أدموند بيرك وتوماس كارليل).. وكانت مهمتي هذه المرة دراسة ومناقشة حرية الصحافة في محاربة الفساد المستشري في العالم الثالث والذي سرعان ما يتحول الى (وحش) خرافي يلتهم كل برامج الاصلاح الاقتصادي.. ليضع الثروة في قبضة فئة قليلة متحالفة مع السلطة.. على حساب أغلبية غاضبة لاتحصل حتى على طبق (سلاطة) .. وكانت هناك مناقشات تتحدث عن مفهوم السلطة الرابعة في العالم النامي (اسم التدليل المهذب للدول المتخلفة) حيث لاتوجد في غالبية هذه البلدان سوى سلطة واحدة.. لا سلطة ثانية.. ولا سلطة ثالثة.. فكيف تكون هناك سلطة رابعة؟ ودخلتها من بوابة السياحة.. بوابة الحياة المباشرة التي لا تحتمل سوى نقود قليلة ومشاعر عريضة وثياب من قماش (الجينز) وحذاء من (الكاوتش) ورغبة دافئة للتواصل مع بشر يعانون من بلادهم في الداخل ما نعانيه منها في الخارج.. ولست في حاجة للقول أن هذه البوابة هي التي كشفت لي أمريكا على حقيقتها.. وعلى طبيعتها.. فالناس في أي بلد هم دفتر العشق الذي علينا أن نفتحه ونقرأه.. وتقاسيم اللحن المنفرد على أوتار القلب الذي علينا أن نعزفه ونسمعه.. والشال الأحمر الذي يستفز عواطفنا وغضبنا.. بدون الناس تصبح زيارة دولة مثل أمريكا زيارة رسمية باردة مملة للحكومة.. قد تجد في استقبالك سجادة حمراء.. لكنك أبدا لن تجد بستانا من الألوان. والناس في هذه القارة العريضة متنوعة الموارد والطقس والبشر والأفكار والمذاهب فقدوا الآن ما كان يسمي بالحلم الأمريكي.. وهو الحلم بالرخاء والرفاهية والسيارة الفارهة والقصر الذي يقع فوق تل وتحاط به البحيرات من كل جانب.. لم تعد الولايات المتحدة وطن الحلم الذي يدفع ببائع (هوت دوجز) على ناصية البيت الأبيض في شارع (بنسلفانيا) لأن يصبح (ملك اللحوم المحفوظة) .. أو يدفع بنشال يهاجم ضحاياه بمطواة (قرن غزال) في أحد شوارع (نيويورك) الجانبية المظلمة لأن يكون (ملك الجريمة) في شيكاغو.. أو يدفع بمهاجر متسلل من وراء ظهر حرس الحدود أن يكون عضوا في الكونجرس.. أو رئيسا للمخابرات المركزية.. وربما رئيسا للبيت الأبيض. استيقظ الأمريكيون من حلمهم على وقع أشد رعبا من كابوس.. فقراء يزيد عددهم على 20 مليون شخص.. اغتصاب كل نصف دقيقة.. (جعل النساء والفتيات يعدن الى عصر (حزام العفة) ويستخدمن بما يزيد على المليار دولار أدوات للدفاع الذاتي عن النفس.. بخاخة مخدرة.. أو رعشة كهربائية تشل المعتدي). جريمة كل ثلاث دقائق.. قتل بلا مبرر.. وبلا سبب.. وبأرخص الأسعار.. ولأسباب تتعلق بالجنون المؤقت أحيانا.. مخدرات يستهلكون منها بنحو 30 مليار دولار.. عشرة أضعاف حجم التصدير في مصر.. تمزق في العلاقات الانسانية والأسرية بعد ازالة الحدود والحواجز بين المتعة والأخلاق.. بين الملل والحرام..جماعات معزولة عن المجتمع تمارس حياتها بعيدا عن القوانين.. وكأنها لم تعرف أن القرن الثامن عشر قد رحل.. وجاء عصر جديد فيه سيارة وطائرة وكهرباء.. فهي جماعات متدينة.. متصوفة.. تتصور أن الشيطان يقف عند بوابات مزارعها.. وأنه سيتسرب الى دماء أفرادها بمجرد أن يتجاوزوا الأسوار.. مهاجرون من بلاد بعيدة.. فقيرة.. لا يتكلمون الانجليزية.. ولا يشاهدون التليفزيون.. ولا يعرفون (الهامبورجر) .. يعملون خدما في البيوت والفنادق والمطاعم.. لقد جاءوا من عبودية مجتمع اقطاعي الى عبودية مجتمع امبريالي. ويؤمن الأمريكيون الآن أكثر من غيرهم أن الحلم الذي استغرقهم طويلا أصبح كائنا من ضوء.. لايشبههم في شيء.. فهو لا يأكل. . ولا يشرب.. ولا يجوع.. ولا يعطش.. فهو كائن تركهم على الأرض في أخطائهم وخطاياهم وحلق بعيدا عنهم في السماء.. لم يعد جزيرة مزروعة بأزهار (الأوركيد) وأحجار الياقوت.. لكنه حجرة رطبة ضيقة مظلمة تسكنها الأحزان.. وتجبر من يسكنها على ابتلاع أسياخ النار وطحن الزجاج بأسنانه والنوم على سرير من المسامير مثل فقراء الهنود.. أصبح المواطن الأمريكي قابل للكسر.. قابل للاحتراق.. قابل للغرق.. ككل السفن التي ترمي نفسها في البحر دون أن يكون لديها بوليصة تأمين. لذلك.. فقد جن جنون الناس في أمريكا بفيلم (أمريكا الحلوة) .. وحقق في أسابيع مئات الملايين.. ومنح جائزة أوسكار.. في السيناريو والتمثيل والاخراج.. فالفيلم يزيل القشرة عن المجتمع الأمريكي ليكشف الصدأ تحتها.. الفيلم أشبه بحجر تجمعت المياه حوله.. ولو رفع من مكانه لخرجت الزواحف والحشرات التي كان يغطيها.. فهو يحكي قصة سرية غير معلنة لأسرة أمريكية متوسطة.. تمتلك بيتا وحديقة وأكثر من سيارة.. ولا تعاني من مشاكل اقتصادية.. لكنها تعاني من متاعب نفسية.. فالأب يحلم أحلام جنسية تتداخل فيها صورة صديقة ابنته الوحيدة عارية غارقة في بحر من أوراق الورد الأحمر.. وليس بينه وبين زوجته سوى الملل والبرودة والوحشة.. وهو مستعد أن يبدد طاقته ورغبته في علاقة بينه وبين نفسه.. لا بينه وبين زوجته.. والزوجة من جانبها لاتميل الى الأحلام.. وإنما تمارس الخيانة في الواقع مع جارها.. بعيدا في (موتيل) من الموتيلات التي لاتستخدم غالبا إلا لهذه الأغراض وتقع خارج المدن على الطرق السريعة.. وكل ما تحصل عليه وجبة من الكنتاكي أو الماكدونالدز مع حجم عائلي من الكوكاكولا.. وهي رموز واضحة لما يسمى بالحضارة الامريكية.. وهي الرموز التي تحاول القوى الوحيدة في العالم فرضها على مختلف الدول بغض النظر عن مستوى معيشتها أو نوعية نظامها. وتقع الفتاة في حب جارها الشاب.. المقهور بضغوط من أبيه الذي يريد أن يدخله مدرسة عسكرية ليضمن مستقبله.. ففي ظل التدخل الأمريكي المسلح في مصائر الدول والشعوب بلا مبرر وبلا قانون يصبح البنتاجون.. أو المؤسسة العسكرية الأمريكية هي المؤسسة الاقتصادية الوحيدة التي لها مستقبل.. ولن تعاني من البطالة.. ولن تسرح من فيها من موظفين وعسكريين.. ولكن الشاب الذي يمارس ضياعه وتوتره ومخاوفه وهواجسه في أحضان الفتاة مريض بمرض التصوير بكاميرا الفيديو.. إنه يتلصص على جيرانه بالعدسة الزووم.. ويصور فتاته عارية.. ويصور ابيها وهو يتشاجر مع أمها.. ويصور أمها وهي تشير بطرف خفي الى جارها.. إنه في مجتمع يهوى التجسس والتدخل الالكتروني في حياة الآخرين.. وهو يعبر عنه أفضل تعبير.. بل أن هذا المجتمع عندما سقطت الشيوعية ولم تعد أجهزة المخابرات تتجه إليها وجد نفسه يتجسس على بعضه البعض.. وهو رمز آخر من رموز الحضارة الأمريكية.. عدسات الفيديو.. وعدسات التجسس.. وقد اتضح أن جزءا ليس صغيرا من داخل الأسرة الأمريكية الآن ينفق على ذلك. ويصل الملل الى ذروته عندما تراود الابنة أبيها على نفسها.. ويتورط الأب المصاب بالاحباط في المقدمات.. ويكاد يكون قد فعلها.. ولكن.. الفيلم رحمة بما تبقى من أخلاق الناس وأعصابهم ورحمة بالمشاهدين ومشاعر الحياء التي دخلوا بها صالة العرض يجعل الأب لا يكمل ما بدأ.. بل ويجعل الأم تعاقب بالهيام على وجهها تائهة.. ضائعة.. تحت المطر.. لاتعرف لنفسها ملجأ أو سبيل.. أما الأب فيجعله يطلق الرصاص على رأسه منتحرا.. يائسا.. غير قادر على التجانس والتفاهم مع أقرب الناس اليه.. وهي نهاية أخلاقية سينمائية.. ترضي النقاد والمشاهدين والكنيسة والمدرسة والمؤسسات التربوية الأخرى.. ولكنها نهاية لا علاقة لها بالواقع.. في الواقع تنتهي الأم الى مصحة عقلية وينتهي الأب الى مصحة نفسية.. أما الفتاة فهي تعيش حياتها مشوهة.. غير سوية.. لتكرر المأساة عندما تصبح في سن الملل.. وسن البحث عن نيران ولو حرام تجد المتعة الميتة بسبب الجنس المبكر. وعندما يصل انسان الى هذه الدرجة من العبث والندم فلا مستقبل واضح أو معلوم له.. وربما لهذا السبب نجده يدمن الخرافة.. وادمان الخرافة أصبح في الولايات المتحدة سوقا رائجة.. وقد وصل رواجها الى حد وجود محطة تليفزيونية خاصة ترى البخت وتقرأ الطالع وتفتح الكوتشينة على الهواء مباشرة.. وهي محطة تعمل 24 ساعة.. وزبائنها لا يتوقفون عن الاتصال.. فالكل حائر.. قلق.. يريد أن يطمئن بالوهم. لكن.. لابد أن نعترف أن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من كل هذه الظواهر.. كل دول العالم تعاني من القلق والخرافة والمخدرات وعلاقات الحرام داخل الأسرة التي كانت مقدسة.. كل دول العالم تعاني من وجود جماعات منعزلة في داخلها.. عاجزة عن التكيف.. وقد تتجاوز حدود التطرف.. كل دول العالم تتزايد فيها معدلات السرقة والاغتصاب والموت بأرخص الأسعار.. بل أن علماء الاجتماع يقولون: ان الفقراء جدا والأثرياء جدا.. المتقدمون جدا والمتخلفون جدا قد يتصرفان نفس التصرفات التي تتسم بالفوضي والعشوائية وعدم الانضباط وإن كانت الأسباب والدوافع مختلفة.. فمن في القمة يقتل من الملل ومن القاع يقتل من الجوع.. من في القمة قد يرتكب تجاوزات (المحارم) من الملل. . أما من في القاع فيرتكبها لأن حدود الأشياء تحت خط الفقر وتحت خط الجهل غير واضحة.. عشوائية.. مثل كل شئ آخر في حياته. على أنه لابد أن نعترف أن أمريكا تظل قادرة على الصراحة ومواجهة مشاكلها وعيوبها وأخطائها بحرية.. ودون خجل.. ودون أن تدعي لنفسها ما ليس فيها.. دون أن تخفي عيوبها وعوراتها.. ان الحرية هي أم الفضائل في هذه القارة البعيدة جغرافيا القريبة سياسيا وسلوكيا.. الحرية هي كلمة السر ومفتاح الشيفرة وسر الوجود ومصدر التطور المذهل الذي تشعر به سنة بعد أخرى.. وهو ما جعل المسافة بينها وبين باقي دول العالم تتزايد.. وتتباعد.. وهذه قصة أخرى تستحق الانتظار.