بقلم: الدكتور طلعت شاهين مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين كان العالم خارجا من مخاض حربين كونيتين أنهكتا البشرية, ولكنهما كانتا قد أنهكتا بالدرجة الأولى القوى الاستعمارية القديمة, التي كانت تسيطر على مقدرات معظم شعوب العالم, إلا أن هذا الإنهاك لم يمنع تلك القوى الاستعمارية من زيادة تعسفها في التعامل مع الشعوب التي ساعدتها ووقفت إلى جوارها ساعة الشدة, بل إن غطرستها جعلتها تحنث بوعودها التي قطعتها على نفسها أثناء حاجتها إلى أموال وموارد وسواعد أبناء المستعمرات أثناء الحربين, وبدلا من الجلاء عن مستعمراتها قررت أن تنهك تلك المستعمرات إلى أقصى درجة, مما جعل من المستحيل التفاهم حول صيغة جديدة للتعامل بين القوى الاستعمارية والبلاد الواقعة تحت سيطرتها, من هنا كان لابد من اللجوء إلى الكفاح المسلح للحصول على الحرية وامتلاك ناصية المستقبل. لذلك كانت تلك الفترة حافلة بحركات التحرر التي كانت تعتبر رباطا قويا يربط الدول المتطلعة إلى التحرر ببعضها البعض, وجعلها تمد يد العون لمن يريد التخلص من الاستعمار, لذلك بدأ الاستعمار القديم يعي أن سيطرته باتت من ضروب المستحيل, ولا بد من الخروج من مواقعه طال الزمان أم قصر, وبدأ البحث عن صيغة جديدة لمحاولة الدوران على البلاد المحررة حديثا للإبقاء على نوع من السيطرة التي تضمن للقوى الاستعمارية القديمة السيطرة على مصادر الثروة الطبيعية, ولو بدفع مقابل أعلى كثيرا مما كانت تدفعه أثناء فترة الاستعمار القديم. لذلك كان بالمقابل على الدول المحررة حديثا أن تبحث أيضا عن صيغة تضمن لها استقلالية القرار في مواجهة محاولات الاستعمار القديم الالتفاف على ما لم يستطع الإبقاء عليه بقوة السلاح, ونجحت بعض الدول المستقلة حديثا في أن تبحث فيما بينها عن صيغة جديدة تضمن لها الحفاظ على استقلالها في مواجهة تلك المحاولات, ومن هنا بدأت رحلة (مجموعة عدم الانحياز) التي انطلقت من (باندونج) , التي كانت في الوقت نفسه بداية الزعامة التاريخية الرباعية لكل من عبد الناصر ونهرو وتيتو وسوكارنو. كانت باندونج حتمية تاريخية تلبي حاجة الدول المستقلة حديثا لمواجهة محاولات الدول الاستعمارية القديمة للالتفاف على مستعمراتها السابقة, وأيضا لمواجهة محاولات قوى استعمارية جديدة ظهرت في الأفق وبدأت تسير باتجاه الحلول محل القوى الاستعمارية المنهزمة أمام حركات التحرر, من هنا فإن قيام مجموعة عدم الانحياز خلق للدول التي كانت منضمة تحت لوائها الاستفادة من الصراع ما بين الشرق والغرب للحصول على مزايا ما كانت تحصل عليها لو أنها بقيت متفتتة تبحث كل منها عن مصالحها الخاصة, ولسنا في حاجة إلى تعداد ما تحقق من مزايا خلال تلك الفترة التي دام فيها الصراع ما بين الشرق والغرب, حيث كانت معظم دول عدم الانحياز تلعب دورا بارزا وفاعلا لم يخمد وهجه إلا بضعف الاتحاد السوفييتي في مواجهة الإنهاك الغربي بقيادة الولايات المتحدة. بسقوط حائط برلين وما تلاه من اختفاء الاتحاد السوفييتي كقوة فاعلة على الساحة السياسية الدولية, وتحول العالم إلى القطبية الواحدة, أصبحت الحاجة ماسة إلى إيجاد صيغة جديدة من التحالفات التي تضمن للدول الصغيرة, التي تقع معظمها في إطار العالم الثالث للحفاظ على مصالحها التي باتت مهددة أكثر من ما كانت من قبل في ظل ما يتم الترويج له تحت اسم (العولمة الاقتصادية) , لأن هذا الإطار أصبح يشكل خطرا على تلك الدول, خاصة أن الولايات المتحدة تحاول من خلال هذا النسق الدولي الجديد, أن تفرض سيطرتها على الأسواق الداخلية لتلك الدول, عبر حرية التجارة وحرية تنقل رؤوس الأموال, دون أن تمنحها بالمقابل الحقوق نفسها التي تريدها لمنتجاتها. أمريكا وأوروبا الغربية ترى في العولمة تجارة أحادية الجانب, منتجات غربية لها حرية التحرك في الأسواق الداخلية لدول العالم الثالث, دون أن تحصل منتجات تلك الدول على الحرية نفسها في التنقل في الأسواق الغربية والأمريكية, على الرغم من أن حجم تلك المنتجات لا يمكن مقارنته بحجم المنتجات الغربية والأمريكية, مما قسم العالم إلى (جنوب) فقير و(شمال) ثري. لذلك كان لا بد من البحث عن تلك الصيغة الجديدة التي تحاول التقليل من سلبيات العولمة على دول الجنوب الفقيرة, وازدادت الحاجة إلحاحا بعد أن ثبت أن العولمة الاقتصادية ليست ذلك النظام المطلق الذي لا يمكن مقاومته, وربما كان ما حدث في (سياتل) هو البداية التي شجعت على اتخاذ مواقف أكثر جدية وحزما تجاه من يحاولون فرض العولمة كنظام اقتصادي عالمي لا يمكن الفكاك منه. إلا أن الخطوة الحقيقية نحو البدء في اتخاذ مواقف عملية لمواجهة العولمة الاقتصادية الغربية هي الاجتماع الذي جرى ويجري حاليا في العاصمة الكوبية (هافانا) , تحت مسمى (قمة الجنوب) , والذي دعت إليه (مجموعة 77) , بالإضافة إلى الصين كقوة دولية فاعلة لها وزنها في السياسة الدولية. على الرغم من التكتم الشديد من جانب وسائل الإعلام الغربية, التي واجهت الإعداد لتلك القمة بالصمت والتعتيم, فان تلك القمة لها أهمية استثنائية في التاريخ المعاصر لا تقل أهمية -في رأينا- عن الأهمية التاريخية للقاء (باندونج) , الذي تمخضت عنه (مجموعة دول عدم الانحياز) , التي لعبت دورا بارزا خلال سنوات الحرب الباردة, ودفعت بالمزيد من الشعوب إلى الكفاح بحثا عن التحرر. لأن التحولات الجذرية الناتجة عن العولمة الاقتصادية وما صاحبها من تحولات جذرية في التركيب الاقتصادي الدولي, جعل الحاجة ماسة إلى إجراء تحولات مماثلة في الاقتصاد الوطني للدول التي تمثل تلك المجموعة من الدول, والتي اصبح يطلق عليها في ظل النسق الدولي الجديد اسم (الجنوب) , حتى يمكن لتلك الدول أن تواجه ما يخطط له (الشمال) للسيطرة على مقدرات دول الجنوب من خلال (العولمة الاقتصادية) . قمة (الجنوب) في هافانا استطاعت أن تجمع 133 دولة بالإضافة إلى الصين, لأن مجموعة 77 التي نشأت عام 1964 لم يتوقف عدد أعضائها عند عدد الدول انضمت إليها عند تشكيلها, بل ازداد مع مرور السنوات ليصبح عددها ,133 وان كان الحضور على أعلى مستوى في هذه القمة الجديدة من خلال رؤساء دول ورؤساء وزارات لم يتعد الخمسين, إلا انه يظل له قوة لا يمكن الاستهانة بها, لأن تلك الدول تمثل خمسة مليارات نسمة من عدد سكان الأرض البالغ عدهم ستة مليارات نسمة, أي أن الوفود التي التقت في هافانا هذا الأسبوع تمثل ما يزيد على 75 في المائة من مجموع سكان الكرة الأرضية التي نعيش عليها, وهو حجم لا يمكن الاستهانة به, لأنه في النهاية يمثل الجانب الأكبر من المستهلكين في الأسواق التي تريد العولمة الاقتصادية السيطرة عليها. الحاجة إلى هذه القمة كان الدافع لها الجحيم الذي يفصل سكان تلك الدول عن سكان الدول الغربية, التي تحاول أن تتخذ من العولمة سلاحا جديدا للإبقاء على رفاهيتها دون تنازل يذكر من جانبها للجانب الأكبر من سكان الكرة الأرضية, الذي يعيش على الفتات, لذلك فإن دول الجنوب التي تحضر هذه القمة تمثل (قوة الفقراء) في مواجهة دول الشمال الثرية المرفهة التي تمثل (قوة العولمة) . هذه التسمية ليست جزافية, بل تنطلق من الأرقام التي توجد في ملفات منظمات دولية كالأمم المتحدة وغيرها, إن تلك الأرقام مرعبة بشكل يجعل التوازن مستحيلا تماما, حيث تؤكد تلك الأرقام الإحصائية أن دول الشمال التي تضم فقط 20 في المائة من مجموع سكان العالم تستهلك 86 في المائة من الإنتاج العالمي, فيما سكان الجنوب الفقير الذين يمثلون 80 في المائة من سكان الأرض يستهلكون 14 في المائة فقط من الناتج العالمي, وذلك نظرا لانخفاض القدرة الشرائية لسكان الجنوب عن سكان الشمال, إضافة إلى أن الشمال يحصل على (المنتجات الأولية) لدول الجنوب بأسعار بخسة لا تساعد على نموها. الشمال يمتلك الرفاهية التي تجعله يستثمر أمواله في شكل (ديون في عنق سكان الجنوب) , حيث وصل حجم هذه الديون إلى ما يزيد عن 5.2 بليون دولار, تمثل فوائدها السنوية 25 في المائة من الناتج القومي لتلك الدول مجتمعة, ونصيب البرازيل وحدها من فوائد تلك الديون يبلغ 52 مليار دولار سنويا, وهو ما يهدد بوقف النمو الطبيعي في دول الجنوب. لذلك ليس هناك من حل آخر سوى الاتحاد بين دول الجنوب لمواجهة دول الشمال, حتى يمكن إقامة حوار متوازن يجبر الشمال على الاستماع لمطالب الجنوب, وتلبية حقوق سكانه في النمو والتقدم والعدل الاجتماعي, كما يقول (خورخي ليثكانو) رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الكوبي الذي يلعب دور المتحدث الرسمي للحكومة الكوبية في تلك القمة. الوصول إلى درجة من الاتفاق بين الدول المجتمعة في قمة الجنوب في العاصمة الكوبية (هافانا) يبدو صعبا, فالأنظمة السياسية التي يمثلها المجتمعون مختلفة بعضها عن البعض بدرجة كبيرة, وتوجهاتها نحو النمو أيضا, بعض اقتصاديات تلك الدول تسير بشكل افضل من غيرها من دول الجنوب, إضافة إلى الهم العام الذي يجمع الجميع في الجنوب وهو الفساد المستشري الذي يقضي على أي محاولة لنمو حقيقي. إلا أن الحال الذي وصل إليه الوضع في معظم دول الجنوب يجعل من المحتم على الجميع بذل الجهد للتوصل إلى درجة ما من الاتفاق, ويبدو هذا واضحا من خلال الإشارات الأولى الصادرة عن ابرز زعماء تلك القمة, وأيضا يزيد من يقين ذلك أن الإعلام الغربي الذي تُسير العولمة دفته يحاول التقليل من قيمة تلك القمة, من خلال فرض ستار من التعتيم والتجاهل. قمة (هافانا) يمكن أن تسير في الاتجاه ذاته الذي سارت فيه قمة (باندونج) قبل ما يقرب من نصف قرن, لذلك يتوقع المراقبون أن تتمخض تلك القمة عن حدث كبير, ولو صحت التوقعات فإنه يمكننا الحديث قريبا عن (ما قبل) و(ما بعد) قمة الجنوب في هافانا.