من يتابع بدقة مفاوضات التسوية العربية ـ الاسرائيلية يرى العجب من السلوك الصهيوني, ولابد ان يستغرب المراقب وهو يلاحظ كيف تلجأ الدولة اليهودية الى أقصى الضغوط ومنطق (حافة الهاوية) في التعامل مع كل التفاصيل الصغيرة في المفاوضات, حتى تبدو مستعدة للمقامرة بكل ما تسميه (عملية السلام) من أجل كسر ارادة الخصوم والحصول ولو على حجر اضافي, وذلك رغم ادراكها انها الكاسب الاستراتيجي الاول من عملية التسوية كلها بشروطها الراهنة. واذا كانت المفاوضات المصرية ـ الاسرائيلية قد شهدت مثل هذه الحالة فيما يتعلق بمستوطنة (ياميت) او ماجرى بالنسبة لـ (طابا) فإن الامر يعيد نفسه على المسارين اللبناني والسوري. فرغم ان اسرائيل وواشنطن قد ملأتا الدنيا صخبا بأن الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان سيتم وفقا للقرار 425 الدولي, ها هي الدولة العبرية تتحدث الآن عما تسميه (ستة خطوط للحدود) في محاولة لابتلاع اي مساحة ممكنة من الجنوب بتوقيع رسمي بعد اضطرارها للانسحاب مرغمة تحت الضربات البطولية للمقاومة الوطنية في الجنوب. الظاهرة تبدو اشد وضوحا على المسار السوري, فها هو باراك يعلن أن (نافذة السلام قد اغلقت مع سوريا) ثم تلاه مدير مكتبه (يوسي كوتشيك) بالتأكيد امس ان حكومة العدو (ألغت قرار تجميد خطط التنمية في هضبة الجولان بعد فشل المفاوضات مع سوريا) مما يعني استئناف عمليات الاستيطان الصهيوني في الجولان ودفع المنطقة كلها الى دائرة التوتر والعنف, وربما الى حرب مدمرة للجميع, مع اعادة الصراع الى صيغته الحقيقة باعتباره (صراع وجود) بين الأمة العربية وقوى العدوان الصهيونية. ولا شك ان تساؤلا يطرح نفسه هنا وهو: كيف يقدم الكيان الصهيوني على هذه المغامرة بمصير عملية التسوية التي تحققت له في ظرف نادر التكرار من الاختلال الاقليمي والدولي والذي يعتبر الرابح الأول, وربما الوحيد, فيها؟! بالتأكيد لا يكفي للاجابة القول بأن اسرائيل تعتمد على الدعم الامريكي المطلق الذي يؤيدها بكل مواقف الباطل والظلم وحتى ضد مصالح الشعب الامريكي نفسه, ولا يكفي التعلل بالضعف العربي ومحاولة اسرائيل استغلاله الى اقصى مدى فهناك عرب مازالوا قادرين على المواجهة والمقاومة والحرب, ويمكن ان يؤدي التعنت الصهيوني الى استعادة الصراع لمعظم القوى العربية المؤثرة. والحقيقة ان المشكلة تكمن في العقل الصهيوني نفسه, القادر بشدة طمعه وجشعه وأنانيته, على تذكير العرب دائما بحقائق الصراع, وعلى احراج اكبر حلفائه والمدافعين عنه, بما في ذلك امريكا التي يبدو مسلكها مستهجنا ومتصادما مع متطلبات الشرعية الدولية وأبسط الشروط الواجب توفرها بسلوك قوة عظمى تدعي الحرص على السلام والأمن الدوليين.