بقلم: محمود حافظ يبدو ان موضوع الأخلاق وقيمها, عندما يكون متصلا بالواقع الذي نعيشه, يشكل مجالا صعبا, يجعل الباحث أو المهتم يدير ظهره عنه هربا من اقتحامه والولوج في أسراره. وأغلب الفلاسفة والمفكرين في تاريخ الفكر الإنساني قد تناولوا موضوع الأخلاق في أطره النظرية وبوصفه أحد المباحث الأساسية في الفلسفة, والذي يدخل في مبحث القيم, ونظروا إلى الأخلاق وقيمها النظرية بوصفها شيئا قائما بذاته, بل ان الفلاسفة يفرقون أيضا بين القيم النسبية المرتبطة بمتغيرات التاريخ والمجتمع وبين القيم المطلقة التي تسمو فوق الزمان والمكان. وقبل الدخول في موضوعنا حول واقع أخلاقنا في دول مجلس التعاون الخليجي, علينا أن نوضح ونحدد مجموعة من الأمور المهمة التي تتصل بمفهوم الأخلاق وقيمها عندما تعالج في اطار تاريخي معين, وبالذات على مستوى الواقع العربي وبخاصة الخليجي منه, وذلك في سبيل تكوين أرضية مشتركة بين المكتوب والمقروء, الأمر الذي سوف يترتب جراءه منع أي لبس وغموض في تداول مفهوم الأخلاق وقيمها العملية والتي تمارس في حياتنا العربية في دول مجلس التعاون. أولى المسائل التي ينبغي إدراكها هي: الخطأ الأساسي السائد لدى الناس, وذلك بالنظر إلى الأخلاق على انها تشكل مجالا مستقلا عن كل ما عداه, وعلى انها قادرة على تفسير نفسها بنفسها.. وبالتالي فإن البعض يحاول أن يصلح الأزمات الأخلاقية وعيوبها بمنطق يعزل العامل الأخلاقي عن غيره من العوامل, ويصورون مشكلتنا الأخلاقية كما لو كانت مستقلة عن غيرها من المشكلات. وتتجه دعوتهم نتيجة لذلك إلى اصلاح الأخلاق أو تقويمها وإلى تهذيب النفوس وما إلى ذلك من الأهداف التي يستحيل التأكد من صداها الحقيقي في النفوس حتى لو أمكن تحقيقها. أما المسألة الثانية التي ينبغي الالتفات إليها والتي تعبر عن قصور في فهم الأخلاق, فهي المفهوم المتداول في الإدراك الذهني العربي بين المواطنين, ومنهم المثقفون, على المستويين مستوى الوعي ومستوى السلوك, والذي يقصر مفهوم الأخلاق على البعد الجنسي, فالإنسان الأخلاقي هو الشخص العفيف والمؤدب في هذا المجال في ممارساته وتصرفاته وسلوكياته, أما الإنسان اللاأخلاقي فهو شخص إباحي ومنحل. وذلك ليس صحيحا وهو يحد من الفهم الصحيح لمفهوم الأخلاق الذي يتسع إلى خارج هذا الاطار الضيق. يقول الدكتور علي فخرو بأنه لا يمكن أن يتأثر بالشخصيات إلا إذا كان (لديها حس عالٍ بالعدالة, وانها يجب أن تكون شخصية عقلانية عادلة وأخيرا أن تكون أخلاقها رفيعة, الطريق الأخلاقية طريق صعبة والطريق اللاأخلاقية من أسهل الطرق... إذن عندما تكون الشخصية ذات مستوى أخلاقي رفيع تؤثر كثيرا) . ورغم هذا المفهوم لمكونات الشخصية الإنسانية إلا ان السؤال يبقى ما هي الأخلاق؟ إن القيم الأخلاقية والأخلاق ليست قائمة بذاتها وتتحرك وفق منطقها الداخلي. إن الأخلاق في جانبها العملي ترتكز على أسس أسبق منها وأعمق, أي انها ليست كيانا قائما بذاته منفصلا ومستقلا عن ما عداه, وإنما هي السطح الظاهري الذي تتفاعل تحته العوامل العميقة المتمثلة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية وغيرها من العوامل التي تصعب رؤيتها مباشرة. باختصار ان القيم الأخلاقية هي المظهر الخارجي في المجتمع المتكون بفعل عشرات العوامل, فالأخلاق بقيمها المتعددة عبارة عن المعتقدات حول الأمور والغايات وأشكال السلوك المفضلة لدى الناس, توجه مشاعرهم وتفكيرهم ومواقفهم وتصرفاتهم واختياراتهم, وتنظم علاقاتهم بالواقع والمؤسسات والآخرين وأنفسهم والمكان والزمان وتسوغ مواقعهم, وتحدد هويتهم ومعنى وجودهم. لهذا فإن أخلاق أي مجتمع لا تتميز عن أخلاق مجتمع آخر إلا لأن الظروف الموضوعية المتراكمة عبر التاريخ, والتي مر بها هذا الشعب, تختلف عن ظروف الشعوب الأخرى. ومعنى ذلك ان من واجبنا, قبل أي شيء أن ندرك مدى تأثير العوامل المعاكسة التي تعرضنا لها على مر التاريخ, ومدى عجزنا كمجتمع عن التحكم في هذه العوامل وتغيير اتجاهها على النحو الكفيل بتحقيق مصالحنا وبمواجهة كل العقبات في وجه تقدمنا الأخلاقي. هذا التقدم في الأخلاق المجتمعية الاجتماعية باعتبارها تعكس واقع المجتمع ومقدار تقدمه في قيمه الأخلاقية المتخصصة, نقصد أن هناك أخلاقيات الطب, وأخلاقيات المهنة, وأخلاقيات السياسة, وأخلاقيات الثقافة, وأخلاقيات العلم, وأخلاقيات التجارة والاقتصاد وغيرها, والتي يمكن أن تجد تعبيرها في مفهوم أخلاقنا الاجتماعية بوصفها نتاج جملة العوامل في واقعنا العربي في المجتمع الخليجي. من هنا تأتي أهمية ربط الأخلاق بالبعد الاجتماعي باعتباره دون أدنى شك أهم أبعادها جميعا. هذا البعد الاجتماعي للأخلاق يعني الوعي بما ينطوي عليه من احساس بالمسئولية العامة وعدم التهاون في أداء المصالح العامة والتلاعب بالمال العام والافتقار إلى الضمير المهني والاجتماعي والحضاري. * كاتب من البحرين