بقلم :د. احمد القديدي الزعيم بورقيبة انسان ورجل دولة ومقاوم للاستعمار وصاحب فكر ومشروع ملأ تاريخ تونس والمغرب العربي والعالم العربي على مدى سبعين عاما منذ بدأ ملحمة كفاحه الطويل ضد الاستعمار الفرنسي عام 1930 الى ان توفاه الله تعالى عام 2000 .. سبعون عاما تشكل بالفعل ملحمة تجمع كل جوانب الرجل.. هذا الرجل الذي صمد وصنع اسطورته بنفسه وسبح في امور كثيرة ضد التيار وشغل الناس وكانت كل مواقفه اما محل تقدير او محل جدل. وقد عرفت بورقيبة رئيس الجمهورية حينما تحملت في تونس مسئولية رئاسة تحرير صحيفة العمل التي اسسها هو نفسه عام 1934 ترأست تحريرها من سنة 1981 الى 1986 على مدى خمسة اعوام وكنت في الوقت نفسه عضوا في مجلس النواب وعضوا في اللجنة المركزية لحزب بورقيبة قبل ان اغادر تونس في اغسطس 86 لارافق في المنفى بعض الاصدقاء ممن تحملوا مسئوليات كبرى في الدولة واكلتهم مرحلة شيخوخة بورقيبة المتقدمة والصراع على السلطة هذه المرحلة الخطيرة التي هددت امن تونس ومصيرها ووضع الرئيس الحالي زين العابدين بن علي حدا لها حين انقذ البلاد والعباد من شر الفتنة المحدق باعلان التحول يوم 7 نوفمبر 1987. عرفت بورقيبة في مناسبات قليلة استقبلني فيها على مدى الاعوام الخمسة لانه كان يعتبر ان كل مسئول يتولى رئاسة تحرير صحيفة العمل انما يجلس على نفس كرسي بورقيبة ذلك المنصب الذي شغله بورقيبة نفسه من عام 1934 الى عام 1952 فقد بدأ حياته النضالية صحفيا ذا قلم عنيف يكتب بالعربية افتتاحيات متميزة ومشتعلة ورائدة ضد الوجود الاستعماري ومن هذه المقالات الشهيرة مقالته بعنوان (الحجاب) عام 32 في صحيفة العمل بالفرنسية قبل انشاء العمل بالعربية, يدافع فيه بورقيبة عن ضرورة تحجب المرأة التونسية حفاظا على شخصيتها المسلمة الى حين نيل الاستقلال. ومن هذه المقالات المتميزة ايضا مقال بعنوان (القطيعة) كتبة في ابريل 1938 اعلن فيه القطيعة بين الحزب الحر الدستوري رائد المقاومة وبين سلطات الاستعمار ونتج عن ذلك المقال خروج الالاف من المتظاهرين لشوارع تونس وسقوط 140 شهيدا يوم 9 ابريل 38 فيما اصبح عيدا وطنيا باسم عيد الشهداء واعتقل الزعيم بورقيبة وسجن بعد الحكم عليه في محكمة عسكرية وتحول الكفاح منذ عام 38 الى كفاح مسلح اصبح عام 1952 ثورة عارمة تكللت بالاستقلال الداخلي عام 1956 ثم بالاستقلال النهائي عام 1964 مع تحرير قاعدة بنزرت وتأميم الاراضي الزراعية لفائدة الفلاحين التونسيين. ومنذ 1934 الى عام 1956 عاش الزعيم احد عشر عاما بين السجون والمنافي ولعل اشدها قسوة سنوات جزيرة جالطة الصغيرة الضائعة في البحر الابيض وسجن قلعة مون لوك بفرنسا ويرقد فيها على نفس الفراش الصغير الحجري الذي آواه سجينا وكان يبكي دائما وهو يزور تلك الزنزانة مع رؤساء الدول والملوك ضيوف تونس. كان بورقيبة جزءا من ملحمة تونس وملحمة المغرب العربي من اجل التحرير واستعادة الهوية والشخصية فبورقيبة هو بلا منازع قائد معركة مقاومة التجنيس الذي كاد يؤدي بعروبة تونس واسلامها الى الابد فأعلن الزعيم عام 1937 انه يرفض التجنيس وان التوانسة يظلون مسلمين ماداموا توانسة واحبط مخططا استعماريا يهدف الى بلع الشعب التونسي وصهره في بوتقة الاستعمار والتنصير وسقط شهداء التجنيس بالعشرات. ورفض الشعب دفن المتجنسين في مقابر المسلمين واوقف الزعيم بتهمة اثارة الفتنة العرقية ولقي التعذيب والاضطهاد وانتصرت الحركة الوطنية بزعامته في انقاذ هوية الشعب التونسي. كان بورقيبة يستشهد بالآية 65 من سورة النساء (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) . اي انه اجتهد في ربط الدين بالجنسية من باب ضرورة الاحتكام للشريعة الاسلامية في شئون الخلاف والقضاء حتى يكتمل ايمان المؤمن والا كان كافرا. ولقائل ان يقول ـ وهو على حق ـ اذن لماذا انتهج الزعيم بعد الاستقلال نهج العلمانية؟ واجابة عن هذا السؤال لابد ان نحدد معنى العلمانية لدى الزعيم فهو بلاشك كان متأثرا بحركة مصطفى كمال اتاتورك لكنه كان لايعادي هوية الامة بل يعتبرها قاعدة الاساس في بناء النهضة وكان يؤمن بفكرة اللحاق بركب التقدم الغربي بنفس ادوات الغرب ونفس آلياته ولذلك اعطى للتعليم على مدى ثلاثين عاما ثلث ميزانية الدولة مقابل 5 بالمئة للدفاع الوطني ولنا عودة لملحمة بورقيبة.