بقلم: محمد الخولي فوجئت روسيا بالأمس القريب (بمانيفستو) جديد ونقول فوجئت لأن روسيا سبق لها أن تلقت (مانيفستو) صار بمثابة إنجيل مقدس لديها في ثورة أكتوبر البلشفية عام 1917 والمانيفستو بداهة هو (البيان) بمعني الوثيقة الجوهرية التأسيسية كما نسميها التي تحوي اعلان المبادئ الاساسية لنظام الحكم وعقيدته السياسية ومنظوره الفكري الذي يطل من خلاله على قضايا السياسة والاقتصاد والاجتماع. بيان 1848 أول مانيفستو استقبلته روسيا هو (البيان الشيوعي) الذي سبق وأعلنه كارل ماركس وزميله فردريك انجلز عام 1848 ومازال المانيفستو المذكور متداولا في الأوساط الفكرية والأكاديمية بالذات بوصفه وثيقة سياسية وفكرية يؤبه لها بحكم ما حوته من مبادئ فلسفية وأفكار اقتصادية وتحليلات لتطور المجتمعات البشرية.. من عهود المشاعية الى عصور الاقطاع الى التطور الرأسمالي وحتى التبشير بمجتمع تحكمه سيطرة الطبقة الصناعية العاملة ديكتاتورية البروليتاريا كما كان يحلم به ماركس وكما حاول أن يطبقه لينين في روسيا حيث دام التطبيق كما هو معروف نحوا من 70 عاما مجسدا في نظام ودولة الاتحاد السوفييتي التي مالبثت أن جرى عليها قانون الاضمحلال والذبول والتداعي ثم الزوال ولم ينفعها في ذلك لا ديكتاتورية بروليتاريا ولا مانيفستو ولا يحزنون. لكن روسيا ما لبثت أن عادت من أواخر شهر مارس الماضي لتقرأ من جديد مانيفستو آخر هو ذلك البيان الذي أصدره مؤخرا رئيسها المنتخب فلاديمير بوتين يوم 26 مارس على وجه التحديد ولم يحو, بطبيعة الحال اقتباسات من تحليلات ماركس في الجدلية المادية مثل بيان 1848 ولا من فلسفة انجلز في الاشتراكية العلمية دع عنك تعاليم لينين حول الصراع الطبقي أو ديكتاتورية البروليتاريا. لاعب جديد في الكرملين ان بيان بوتين اللاعب الماهر الجديد الذي جاء كما أسلفنا في حديث سبق من وكالة المخابرات والتجسس الى حيث مسرح القيادة الأولى والضوء الكاشف الساطع في الكرملين هذا البيان جاء بدوره ليحمل أربع أفكار أو طروحات أو فلنقل شعارات أساسية هي على التوالي: الوطنية والكفاءة والنزاهة وارادة التصميم. وما أسرع ما تلقف المحللون الغربيون هذه الطروحات وهي الأولى من نوعها بالنسبة لأبي الهول الروسي بوتين لكي يدخلوها ضمن بوتقة الدرس والتمحيص والتحليل. في هذا الاطار لاحظوا أولا أن رجل الكرملين المرتقب قرأ جيدا الوضع الجديد في روسيا ومن ثم جاءت شعاراته أكثر من متواضعة وقصاراها أن تطالب الشعب الروسي بوعي انتمائه الوطني فلا هو تشدق بالشعارات التقليدية في ادبيات السياسة الموسكوفية حول روسيا الأم, أو روسيا المقدسة وتلك هي الشعارات التي كانت رائجة أيام العهد القيصري الذي انهار مع ثورة ,1917 ثم اعيدت قسرا وعمدا الى الحياة في سياق خطابات ستالين الى الأمة الروسية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية ويومها تناسى جوزيف ستالين حكاية ديكتاتورية البروليتاريا أو الديالكتك المادي أو الجدلية التاريخية الى آخر بضاعة الماركسية الشيوعية, واستدعى الى خواطر الشعب حكاية أحفاد القوزاق وفرسان الأورال وأبناء روسيا المقدسة. أما حكاية الكفاءة فقد ربطها مانيفستو بوتين الجديد بأخلاقيات النزاهة و تلك أمور وسلوكيات مطلوبة والحاح شديد في الواقع الروسي الراهن الذي بات يشهد أسافل الناس يغتنون الى درجة المليونيرية وما فوقها بين عشية وضحاها بغير مهارة مشهودة أو سبب معقول اللهم إلا سلوكيات السلب وبيع الذمم والمتاجرة في أي شيء وفي كل شئ مابين الرقيق الأبيض الى مخدرات السموم البيضاء الى الأسرار والمواد النووية التي امتلكها يوما الاتحاد السوفييتي الذي كان. روسيا الضعيفة المتخلفة في هذا الاطار تقول الايكونومست البريطانية في تحقيق تحليلي كتبه مراسلوها من سان طرسبورج, الحاضرة الروسية العريقة, ان بوتين يدعو قومه الى أن يطرحوا بعيدا أفكارهم إن لم يطرحوا أوهامهم عن عظمة روسيا وابهتها ودورها الفخم كدولة عظمى وأن يدركوا أو يفتحوا عيونهم كما تضيف المجلة الانجليزية على حقيقة أراد بوتين أن يشدد عليها وهي باختصار شديد ومرير: * إن روسيا بلد فقير ومتخلف. (ونحن من جانبنا نختلف مع هذا التحليل الذي نشرته الايكونومست حيث نرى أن روسيا لاتشكو من الفقر أو تعاني من التخلف بقدر ما أن أدواءها وهمومها انما تنبع من سوء ادارة مواردها ومن تعرض ثرواتها, وخاصة مواردها الطبيعية لقافلة النهب والتخريب والسلب المنظم). وفي كل حال فإن الايكونومست تمضي لتفسر رؤيتها حين تعرض لرؤية فلاديمير بوتين التي تتلخص في أن الرجل يرى الأسباب الجذرية لتردي الأوضاع في بلاده انما ترجع الى انهيار سيادة القانون وسوء ادارة دفة الحكم (يلاحظ ان بوتين لم يستخدم تعبير الفساد الذي كان مستشريا في عهد سلفه يلتسين ولعله كان بذلك يحفظ سيرة ولى نعمته المباشر), ومن ثم كان يقصد بوتين الى ربط الوطنية بالنزاهة كمن يقول ان الأمانة ليست مجرد سلوك اخلاقي بل هي عمل وواجب وطني بالدرجة الأولى وفيها انقاذ روسيا من وهدة الخراب الذي كاد يوصلها الى شفا الافلاس. ومهما يكن من أمر فإن محللي بيان بوتين لايزالون عند رأيهم بأن الرجل ليس بالشخصية التاريخية وليس لديه بحال مؤهلات المنقذ الوطني ولا الزعيم. هم يحيلون بالطبع الى سيرته الشخصية حيث يصفونه بأنه مدير بيروقراطي ماهر حين كان في مؤسسة الاستخبارات ولكن في حدود الذكاء المتوسط أو ما فوق المتوسط بقليل, فضلا عن ان اجادته للغة الألمانية ومهارته في لعبة الجودو لا تحول دون وصفه بأنه مدير جيد دون أن يرقى من حيث شخصيته الى مرتبة قائد يتمتع ببصر نافذ أو رؤية تستشرف المستقبل. كان جاسوسا حاذقا وفيما تعكس رؤية الايكونومست قدرا من التشكك التقليدي الذي يشوب الشخصية الانجليزية, فإن لدينا في محاولة سبر أغوار سيد الكرملين الجديد, رأيا آخر يأتي من الشاطئ الغربي للأطلسي, وبالتحديد من دار (ستاتفور) الأمريكية وهي مؤسسة خاصة ومتخصصة في أعمال الاستخبارات(!) وهي تشهد من خلال أنشطتها بأن السيد فلاديمير بوتين حين كان مبعوثا تحت غطاء دبلوماسي الى المانيا الغربية, لم يكن يضيع وقته بين حفلات الاستقبال وأنخاب الكوكتيل وانما كان مشاركا كما تشهد المؤسسة الأمريكية المذكورة في عملية تجسسية غاية في الأهمية ترمي الى سرقة أسرار الغرب في مجال التكنولوجيا المعقدة الرفيعة ونقلها بطبيعة الحال الى دوائر (الكي. جي. بي) في موسكو. ورغم ان بوتين شارك من مواقع ادارية مختلفة في عهد يلتسين وفي ضمن أنشطة شتى.. إلا أن سجله يشهد بأنه لم ينغمس في مستنقع الفساد الآسن الذي شهده ذلك العهد وأنه ظل يعيش في شقته المتواضعة في أحد مشاريع الاسكان الجماعي.. ولا يدري أحد على التحقيق هل كان هذا جزءا من لعبة ذكاء تستر المظاهر أو كان جانبا من جوانب شخصية ترفض الفساد فيما تنظر بالطموح الى بعيد مع ذلك, يحسب للرئيس الروسي الجديد انه حين شغل واحدا من مناصب الكرملين وهو منصب المسئول عن ممتلكات الدولة خرج من هذه التجربة بكل مغرياتها وطائل امكاناتها.. نظيف اليد والسمعة وهو يفسر الأمر من جانبه حين يقول ببساطة: * (أنا رجل تدربت طويلا لأشغل حرفة الجاسوس (في سلك المخابرات) وحين يمد رجل المخابرات يده الى تقاضي رشوة, فان الأمر لايعد مجرد مؤاخذة ادارية أو مخالفة اخلاقية.. بل هو في حكم جريمة الخيانة العظمي.. وكان في هذا بالضبط تحصين لي إزاء وباء الفساد) . أهلا بالرفاهية لكن العجلة مالبثت أن دارت. وبدأ السيد بوتين وقد شغل مناصب كبرى في عهد يلتسين بدأ يعرف رغد العيش المرفه. من شقة متواضعة في المساكن الشعبية انتقل الى دارة فارهة في ضاحية لينين بروسبكت الراقية وأرسل ابنتيه الى مدرسة خاصة ناطقة بالألمانية وداوم على قضاء عطلاته خارج روسيا مما كفل له شبكة عريضة من الأصدقاء والمعارف في الخارج ومنهم من أصبح يناديه باسم التدليل وهو (فوفا) . مع ذلك, فلا يزال فلاديمير بوتين يثير أكثر من مشاعر الاستغراب الى حد الاشمئزاز حين يقول لسامعيه مبررا حربه الوحشية ضد شعب الشيشان المسلم: سوف أقاتل الارهابيين حتى لو وصل الأمر الى الالتحام بهم في بالوعات المجاري(!). ـ هنا لا تصادف الصديق فوفا بسنواته السبع والأربعين.. ولكنك تصادف السيد بوتين الجاسوس المحترف سابقا والمتطلع للرئاسة في الكرملين لاحقا, الذي أطلق قوى الجيش الروسي وهو جيش دولة عظمي سابقة بدورها لكي يحقق انتصارات رخيصة بكل تأكيد على مقاتلي حركة تحرير شعب شيشينيا الذين كانوا يواجهون القوة العاتية من بيت لبيت حيث لم يتورع بوتين عن تدمير المدن واحراق القرى وابادة البشر وتحويل من تبقى منهم الى صفوف اللاجئين في أرض أجدادهم, وكل هذا كان قربانا قدمه بسخاء لا يحسد عليه على مذبح فوزه بالرئاسة بعد ظهوره بمظهر الرجل القوي والسياسي الحازم ورجل الدولة الذي يدين الارهاب ومن ثم فهو القائد الذي لابد أن تعقد عليه الآمال, ولو الى حين. بورصة المراهنات وبمناسبة عقد الآمال.. فقد بدأت بالفعل بورصة المراهنات على الرئيس الروسي الذي سوف يتسلم منصبه رسميا في أوائل مايو المقبل. أركان هذه البورصة بالطبع هم رجال السياسة ودهاقنة الاقتصاد في أوروبا الغربية وفي الولايات المتحدة ورغم أنهم يتشدقون ليل نهار بحكاية حقوق الانسان, ورغم أن حرب الشيشان تمثل متحفا حيا مفعما بالمأساة لانتهاك روسيا بوتين لحقوق الانسان وفي مقدمتها حق الحياة وحق تقرير المصير, ورغم أن بوتين نفسه لم يتورع عن رفض الاجتماع الى السيدة ماري رونسون التي تشغل كما هو معروف منصب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الانسان, رغم هذا كله فقد عمد الساسة والدهاقنة الذين ألمحنا اليهم الى اطلاق شعارهم الذي قالوا فيه: *حسنا.. ان السيد فلاديمير بوتين رجل يمكن التعامل معه (حرفيا يمكن أن يتم معه ابرام الصفقات). تاتشر وجورباتشوف وهم لم يأتوا بجديد في هذا المضمار.. فقد عمدوا الى استدعاء نفس المقولة التي كان أول من رددها هو السيدة مرجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة حين وصفت الرئيس السوفييتي الأسبق ميخائيل جورباتشوف بأنه رجل يمكن التعامل معه, أو فلنقل يمكن ابرام الصفقات معه.. وقد صدقت نبوءة السيدة مرجريت بعد أن عجمت جيدا عود السيد جورباتشوف وكان ان أبرم الغرب عدة صفقات معه كان أولها انهاء وجود الاتحاد السوفييتي من الاساس ولم يكن آخرها دفع آلاف المئات من الدولارات الى السيد جورباتشوف نظير مذكرات ينشرها أو محاضرات يلقيها أو برامج متلفزة يطل من خلالها على جماهير المشاهدين. في غمار هذا كله مازال الغرب يتساءل حول الشعار الذي طرحه بوتين وقال فيه انه يريد أن يبني روسيا القوية.. فماذا يقصد الرجل من ذلك؟ أيقصد بناء توسعات وطيدة وقادرة لاستكمال التحول الى اقتصاد السوق, أم يقصد اتخاذ قرارات تاريخية تعترف لشعب الشيشان مثلا بحق الحكم الذاتي وصولا الى تحقيق الاستقلال, أم يقصد الى فسح المجال لقيام ديمقراطية حقيقية أو أقرب الى الحقيقية في روسيا التي انهكتها ديكتاتورية يلتسين وفساد ادارته؟. ماذا يقصد بوتين على وجه التحديد؟ أسئلة ستظل دوما مطروحة حول الرجل الذي يقف الآن على عتبة مكتب الرئاسة الأول في قصر الكرملين.