زيارة (جيانج زيمين) التي تعتبر الاولى لرئيس صيني الى اسرائيل, تحمل مدلولات استراتيجية هامة, وتعكس الدرجة التي وصل اليها اختلال الموازين والأوزان الدولية بين العرب واسرائيل. ولعل القراءة الواعية لها تساهم بتحريض العقل العربي على المراجعة والسعي لتصحيح الاختلال. من المفيد التذكير بداية ان الصين كانت من الدول القليلة التي تبنت الحقوق العربية والصداقة مع العرب بقوة منذ اللقاء الذي جمع بين جمال عبدالناصر و(شوئن لاي) في أواسط الخمسينيات من القرن العشرين في مدينة باندونج باندونيسيا, كما ساهمت بتدريب قوى المقاومة الفلسطينية وامدادها بباكورة الانتاج الصيني من الاسلحة, وظلت بكين ملتزمة بهذه المواقف الى ان انخرط العرب في مسيرة التسوية وبدا ان معظمهم في حالة سباق الى واشنطن. بل ان الصين كانت تنتقد مواقف موسكو في ذروة علاقاتها مع العرب لترددها في توفير الدعم الحاسم في مواجهة الصهيونية. وبعد ان انهار الاتحاد السوفييتي ظلت بكين متمسكة بمواقف متميزة في دعم العالم الثالث وعلى رأسه الوطن العربي وحقوقه المشروعة. ومن المفارقات اللافتة ان الرئيس الصيني اختار لجولته الاخيرة في المنطقة كلا من اسرائيل وتركيا فقط, لما بينهما من تحالف اقليمي معروف تحت الراية الامريكية, وباتجاه محاصرة العرب وشل حركتهم وسلب حقوقهم, كما اختار ايضا اليونان كإطلالة على اوروبا, بالاضافة الى جنوب افريقيا الدولة الاقليمية الهامة في القارة السمراء.. آملا تعميق العلاقات العسكرية والاقتصادية مع هذه الدول الاقليمية الاربع (المهمة) عسكريا واقتصاديا. وقد جاءت هذه الزيارة وسط اثارة كثيفة للغبار حول صفقة الطائرات الاسرائيلية المجهزة بالرادارات المتفوقة الى الصين, حيث انتقدت واشنطن احتمال اخلال هذه الصفقة بموازين القوى بين بكين وتايوان لكن (ديفيد ليفي) سارع الى التأكيد بأن الحليف الصهيوني لن يقوم بأي شيء من شأنه أن (يضر بالمصالح الامريكية) . والواقع ان هذه الصفقة وما سبقها من علاقات عسكرية بين الصين واسرائيل تعكس من جهة حجم التطور الصناعي الاسرائيلي عسكريا واليكترونيا, كما تؤكد تصاعد الدور الاقليمي والدولي للكيان الصهيوني ضمن الاستراتيجية الكونية الامريكية, حيث ان صفقة السلاح الاسرائيلية الصينية تجري برضى امريكي غير معلن وضمن الدور الاسرائيلي التقليدي الذي يقوم باختراقات دولية لصالح وشنطن وبما يرفع عنها اي احراجات تتصادم مع التزامات دولية واقليمية. وضمن مثل هذه المعادلات المعقدة يتحول العرب الى مجرد ساحة حركة للتحالف الامريكي ـ الصهيوني, وتنأى القوى الدولية المهمة عنهم كالصين وغيرها لمصلحة علاقات افضل مردودا مع مراكز القوى الاهم دوليا في واشنطن, واقليميا في تل ابيب, وتتعاظم بالتالي الاخطار المحيطة بهم كسواهم من القوى التي تسقط من الحسابات الدولية كما يجري بالنسبة لافريقيا الآن.. ولا مخرج من هذه الاحتمالات الخطرة الا عودة الروح العربية الفعالة وقوة التضامن العربي القادرة على تصحيح الموازين المختلة في عالم لا يحترم إلا الاقوياء.