بقلم: عبدالكريم محمد لاشك ان انعقاد أول مؤتمر للتعاون الأوروبي ـ الافريقي, يأتي في ظل ظروف استثنائية بالغة الدقة والتعقيد, بسبب ما تعيشه القارة الافريقية دون غيرها, من انهيارات وانتكاسات طالت كل مناحي الحياة نتيجة النهب المنظم الذي شهدته القارة السمراء, جراء الاستعمار الأوروبي الجشع سنوات طويلة, وخلفت وراءها الويلات على المستوى الاجتماعي ـ الاقتصادي والمعيشي, والصراعات الدامية الداخلية التي ترتكز إلى عوامل متعددة أهمها الصراعات الطائفية والقبلية والطبقية والذي بدوره غيب السلم الأهلي بين أبناء المجتمع والدولة الواحدة من جهة والبينية على مستوى الدول الافريقية بحدودها الوطنية الراهنة والتي ما تزال هذه الصراعات الدامية تفت بعضد الدول الافريقية وتستنزف مواردها من جهة ثانية, والتي غيبت بدورها العمل المشترك على كل المستويات لدول هذه القارة, وضربت بكل ما تحمله الكلمة من معنى, أسس العلاقات القارية التي تعيشها مثيلاتها آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية..إلخ, وتركت افريقيا تعيش تحت رحمة العلاقات الثنائية بين دولها في أحسن الحالات, في ظل مرحلة يشهد العالم حركة محمومة ومتسارعة باتجاه بناء التكتلات الاقتصادية على المستوى القاري, والأحلاف السياسية والعسكرية والأمنية, لكن افريقيا على ما يبدو افتقدت بسبب جملة الظروف والمعوقات التي مرت بها جراء الشروط الخارجية المفروضة عليها, الأسس اللازمة لخلق ظاهرة التعاون الاقليمي حتى التجارب والمساعي التي قامت بها بعض الدول الافريقية النشطة, بقيت مجرد بروتوكولات بين تلك الدول, فالاتحاد المغاربي مات لحظة الاعلان عنه, أو بكلام آخر ولد ميتا, أما السوق المشتركة لبلدان شرق افريقيا فما تزال ضعيفة الأداء وتفتقد إلى الآليات التي إذا ما توفرت قد تحرز شيئا من التقدم البسيط. أضف إلى ذلك المشروعات المثلية في غرب وجنوب القارة الافريقية التي لم تتخط الشعارات والندوات وتقديم النصائح والدراسات, وقد أظهرت السنوات الأخيرة في حياة هذه القارة المنكوبة ومن خلال الآليات المتبعة في اطار منظمة الوحدة الافريقية وعلى مستوى الدول المنضوية تحت لوائها, عجز تلك الدول وترددها في اتخاذ خطوة ترقى إلى ماوصلت إليه تجارب بعض الدول والتجمعات الاقليمية كما أسلفنا. لكن يجب ألا نغيّب الحقائق, ونتناسى الفعل الخارجي المنظم الذي جوف أحشاء هذه القارة وتركها عرضة للمجاعات والنكبات, التي حالت دون تحقق أي فكرة ان كان لجهة الاندماج الاقتصادي ومحاولات التكامل الثنائية والجماعية لدول القارة أو لجهة اقامة علاقات متوازية مع الخارج أيا كان هذا الخارج, مما أضعف موقفها في التعاطي مع (دول الشمال) التي تعقد معها قمما ولقاءات ومشاريع هذه الأيام, والتي ينظر لها بالأساس على انها بقرة حلوب, ليس إلا, وهنا لابد من التطرق إلى جملة الشعارات التي طرحت في قمة القاهرة ومدى جديتها في اخرج الدول الافريقية من حالة الانهيار والتخلف. ولابد أيضا من التفريق بين هذه الدول ونسبة المكاسب المرجوة من هذا المؤتمر, فمصر التي تستقبل أول قمة أوروبية ـ افريقية بدورها كوسيط على الساحة الدولية والتي تنوي أيضا تطوير علاقاتها مع القارة السوداء, وتعتزم الاستفادة من القمة بهدف تعزيز مكانتها الاقليمية, حيث صرح مسئول في وزارة الخارجية المصرية ان (انعقاد القمة في مصر هو مكسب للبلاد دون شك لأنها تعكس في الوقت ذاته دورها الاقليمي) , وهذا بحد ذاته يعكس حقيقة غاية في الأهمية ان مصر بما تمتلك من موقع جيوستراتيجي وثقلها السياسي كان من الطبيعي ان تستقبل مصر قمة كهذه لأنها تشكل نقطة التقاء رئيسية بين أوروبا وأفريقيا. دون ان نغفل ان افريقيا تشكل بعدا اقتصاديا مهما بالنسبة لمصر التي حددت لنفسها هدفا أولويا يقضي بايجاد توازن في ميزانها التجاري. ويؤكد المصريون ان ايجابيات التعاون الاقتصادي مع افريقيا تتخطى تلك التي تتوقعها مصر من اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والذي لايزال خاضعا للمفاوضات, مع الأخذ بعين الاعتبار ان مصر تستحوذ على تشكيلة اجتماعية اقتصادية قادرة من خلالها على مجاراة روح العصر والتقدم التكنولوجي, فهي توازي بهذه التشكيلات والمؤسسات ليس بعض دول آسيا, بل وتتجاوز في وضعها الداخلي وتوازن سياستها الخارجية الكثير من دول أوروبا الشرقية التي تعيش بعد انهيار المنظومة الاشتراكية حالة من الضياع وفقدان الهوية. أما السودان فعلى ما يبدو انه قد خرج وباجماع افريقي شبه عام أعطاه المشروعية الكاملة, وأحقية الحفاظ على وحدة ترابه الوطني, وفتحت المجال أمام المبادرة الليبية المصرية باتجاه خطوات أكثر نجاحا في لملمة البيت السوداني من الداخل, وهذا ما أكدته بعض اللقاءات بين الحكومة السودانية بقيادة الرئيس عمر حسن البشير وبعض قيادات المعارضة مثل الميرغني على هامش القمة الأوروبية الافريقية, والتي ستساهم قريبا في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية, وتعيد للمجتمع السوداني حالة التوازن من خلال رؤية توافقية افريقية أوروبية. وهذا الأمر قد عبر عنه بشكل واضح في الخرطوم العاصمة السودانية, والذي تازمن مع هذه الرؤية, السفير البريطاني مايك بيس بأنه (يرجح احتمال نقل قضية جنوب السودان إلى الأمم المتحدة في حال فشل وساطة دول الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة الجفاف في شرق افريقيا, وفي الحصول على اقرار بمعاودلة العمل في (ايجاد) فيما يخص الجنوب من مشروعات) , وأبلغ السفير البريطاني من خلال بعض وسائل الاعلام السودانية ان حكومة بلاده عضو في مجموعة الشركاء الاوروبيين لمبادرة (ايجاد) وتعمل على تقوية هذه الآلية باعتبار انها المبادرة الأنسب لترتيب المفاوضات بين حكومة السودان و(الجيش الشعبي لتحرير السودان) بقيادة العقيد المنشق جون قرنق. وزاد بالقول ان بلاده فيما يخص المبادرة الليبية ـ المصرية, تؤيد كل الجهود التي من شأنها تحقيق السلام في السودان, وهذا بحد ذاته قد شرعن فكرة وحدة السودان التي كانت مبهمة وتعبث بها بعض الدول الأوروبية, بما في ذلك بريطانيا نفسها التي أصبحت بعد هذا المؤتمر تطرح حلولا لمشكلاته العالقة, ومقيدة بجملة الاتفاقيات السياسية المرتبطة بهذا الشأن, بالاضافة إلى ان السودان بحضوره هذه القمة ومن خلال التنسيق الثنائي مع الجانب المصري, قد نزع جزئيا فتائل الصراعات التي يعيشها منذ سنوات طويلة ووضع هذه المشكلات على طاولة الحل, باقتناع الحكومة وبعض أطراف المعارضة على ايجاد حلول وسط تضمن حق الطرفين على المستوى السياسي الداخلي. لكن رغم هذه الايجابيات التي طرحناها لابد لنا من التساؤل, هل فعلا ان أوروبا وصلت إلى قناعة بشراكة مع الأفارقة على قدم المساواة والندية, بين من يملك الثروات الضخمة (أفريقيا) وبين من يملك التكنولوجيا (أوروبا)؟ وهل ستكون أوروبا قادرة على حماية اعلان القاهرة التي أطلقته في ختام اجتماعات القمة الافريقية ـ الأوروبية الأولى؟ بعيدا عن لغة المشاعر والحب والكره والانتماء, فالواقع ان العلاقة القائمة بين أوروبا وافريقيا, ماتزال علاقة غير متوازنة بين قارة متخلفة تفتقد إلى أساسيات العيش, وقارة تعيش حالة من التبعية شبه الكاملة للولايات المتحدة, التي لم تكتف بالنجاحات المذهلة التي حصدتها على مستوى القارة السوداء في العقد الأخير من نهاية القرن العشرين بل لاتزال مصرة على أمركة القارة السوداء, ولن تتنازل عن مشاريعها المرسومة والمحكمة جيدا تجاه هذه القارة البكر التي لاتزال رغم النهب المنظم الذي قاده العالم الغربي لعشرات السنوات, حبلى بالخيرات المذهلة والمتنوعة, والتي تفتقدها الكثير من القارات الأخرى مثيلاتها. والغريب بالأمر انه رغم السيطرة شبه المطلقة للولايات المتحدة على القارة الافريقية والأوروبية على حد سواء, لاتزال الثانية ممعنة في البحث عن آلية تدخل من خلالها مع أمريكا, في عملية محاصة أو مقايضة, حتى ولو بشكل غير شرعي معها على آخر الثغور الافريقية, مقابل مباركة بعض السياسات الفجة والعدوانية في أغلب الحالات التي تمارسها الولايات المتحدة ضد بعض الدول. لكن أيا تكن هذه القمة فإنها كانت مفيدة كما أسلفنا القول لبعض الدول العربية بالاضافة إلى بعض الدول الافريقية التي نالت بعض الحصص في خفض ديونها, وساهمت في توفير مساحة ومتسع لا يستهان به للقاءات ثنائية وثلاثية على المستوى العربي والافريقي والأوروبي وقاربت بين العديد من الأطراف المتصارعة على مستوى القارة الأفريقية, وخفضت من حدة الفرقة والتباعد بين القارتين وفتحت المجال للدول الأفريقية في محاولة احياء المؤسسات الاقليمية الافريقية, وستكون عامل تحفيز للتفكير على مستوى القارة, وأعادت الاعتبار للدور المصري القاري الذي نادت به مصر منذ ثورة 23 يوليو 1952, واليوم سنشهد انطلاقة مصرية جادة في اعادة دورها الطبيعي أفريقيا وعربيا ودوليا. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق