بقلم :يوسف الشريف لا شك ان اختيار القاهرة لعقد اول مؤتمر للقمة الافريقية الاوروبية صادفه التوفيق من عدة وجوه, وذلك ان مصر ملتقى العديد من الحضارات والثقافات الانسانية, وموقعها الجغرافي الفريد يمثل همزة الوصل بين قارتي افريقيا واوروبا, والاهم في الاعتبار يكمن في دعمها المشهود لحركات التحرر الافريقية ابان حقبتي الخمسينيات والستينيات اللتين شهدتا أوج ثورة يوليو بزعامة جمال عبدالناصر, وهو الرصيد السياسي الثمين الذي اهل مصر خلال حكم الرئيس حسني مبارك للحديث باسم افريقيا والدفاع عن قضاياها العادلة في في المحافل الدولية, ولعله من الجدير بالذكر في هذا السياق, الاشارة الى ان الدائرة الافريقية كمحيط حيوي لسياسة مصر الخارجية كان موضع عناية الرئيس جمال عبدالناصر وادراكه المبكر, عندما زاوج بين اهميته الاستراتيجية وبين الدائر العربية والاسلامية في كتابه (فلسفة الثورة) واذكر بالمناسبة ان معظم القيادات الافريقية الشابة التي تبوأت سدة السلطة في اوطانها اثر تحررها من الاستعمار الاوروبي, كانت تحظى بحق اللجوء السياسي في مصر عندئذ, واستقرارهم وعائلاتهم في مساكن خاصة بحي الزمالك تستأجرها ادارة الشئون الافريقية التي كان يرأسها محمد فايق وزير الاعلام الاسبق, فكنا نزورهم ويردون الزيارة في بيوتنا, ودائما نلتقي بهم في الجمعية الافريقية مع النخب السياسية والثقافية المصرية للحوار حول همومنا وشجوننا الافريقية المشتركة, وعبر 25 اذاعة موجهة من القاهرة كانوا يخاطبون قواعدهم وشعوبهم لحثها على مواصلة النضال, وهكذا توجه الزعيم الافريقي نلسون مانديلا من مطار القاهرة في اول زيارة له بعد خروجه من السجن الى ضريح عبدالناصر ووقف امامه اجلالا وتقديرا لاسهامه الثوري في تحرير جنوب افريقيا من هيمنة الاقلية البيضاء, فلما وصل الى مقر اقامته طلب لقاء محمد فايق وسأله: هل تذكر انه كان بيننا موعد للقاء وقال فايق: نعم اذكر يا فخامة الرئيس وها قد تأخر لقاؤنا اليوم عن موعده السابق 26 عاما! من هنا كان من قبيل حفظ الجميل والوفاء بالدين, عندما بادرت الدول الافريقية الى قرارها الجماعي بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل عام 1967, لا لعدوانها على العرب, وانما لكون عدوان الخامس من يونيو وقع على مصر, وإلا بإعتبارها دولة افريقية, وثانيا لدعمها اللامحدود لحركات التحرر الافريقية, ولعل مما يؤسف له ان ان تتوقف مصر عن مواصلة الشوط الذي بدأته شركة النصر للتصدير التي كان يرأسها الاقتصادي المعروف محمد غانم, في استثمار رصيد مصر السياسي والشعبي في افريقيا على صعيد التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري, وان تزحف اسرائيل لاحتلال مكانة مصر في اسواق افريقيا, بمجرد عودة علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل تباعا, اثر توقيع اتفاقية السلام في كامب ديفيد, في الوقت الذي كادت تتلاشى فيه الاستثمارات الخليجية في افريقيا, وتراجع الصناديق المالية العربية عن تقديم معوناتها لافريقيا كما كان عليه الحال في السابق! ونحسب اذن انه رب ضارة نافعة ازاء موقف الأخ العقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية, حين اتخذ قرار الولوج بثقله السياسي وامكانات بلاده الى البوابة الافريقية, عندما تقاعس العرب عن الاستجابة لدعوته لكسر الحصار الدولي المفروض على بلاده, وكسره الافارقة, ولا شك ان تمثيله لمنظومة دول الساحل والصحراء الافريقية والحديث باسمها في قمة القاهرة, لدليل اكيد على جدوى هذه العلاقة الاستراتيجية, خاصة ان القارة الافريقية التي تضم 52 دولة, تكاد تتقارب في مشاكلها وتتوحد في رؤاها وطموحاتها, لكن ما يعنينا في هذا السياق يكمن في خوض دولة عربية في تقويم مسار العلاقات التاريخية والاستراتيجة بين العرب والافارقة واعادة وضعها على الطريق الصحيح! جدير بالملاحظة ان فكر عقد قمة القاهرة الافريقية الاوروبية جاءت بناء على قناعة ورغبة من جانب اوروبا, ولعلها تشى بتأنيب الضمير الذي يبدو أنه قد استفاق مؤخرا مع بداية الألفية الثالثة على حجم الكوارث البشعة التي ارتكبها الرجل الابيض في حق افريقيا, فعلى مدى قرون متصلة ظلت شعوبها وثرواتها ومقدراتها نهبا للاستعمار الاوروبي المنظم, وما التقدم ومظاهر الرفاهية التي تنعم بها اوروبا, الا على حساب استغفال الافارقة واستغلال تخلفهم والهائهم بالخرز الملون, واغراقهم في الديون التي بلغت 350 مليار دولار وتأجيج نزاعاتهم العرقية والقبلية والدينية والحدودية, ولا يهم بعد ذلك ان يموتوا جوعا او مرضا او عبر طلقات الرصاص والسلاح الابيض, والادهى والأمر ما ترويه كتب التاريخ والادب والسينما الاوروبية والامريكية, عن الفظائع التي حفلت بها تجارة الرقيق في افريقيا, وكيف يتم اختطاف الشابات والشبان الاقوياء من الغابات والاطفال الذين انتزعوا من احضان امهاتهم, وسوقهم الى البواخر التي كانت ترفع الاعلام الاوروبية والامريكية الى مصيرهم المجهول, وتنصيرهم على يد المنظمات التبشيرية, ثم تشغيلهم في مد السكك الحديدية والمزارع والمناجم وشتى اعمال السخرة قربانا لانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الاولى والثانية وكذا امريكا في حربها الاهلية, واهانتهم وجلدهم وقتلهم اذا لزم الامر, وما وقائع الفليم الامريكي (الجذور) الا شاهد ودليل! صحيح ان قمة القاهرة نجحت بمعيار التنظيم والاعداد الجيد, واجتماع قادة وزعماء 67 دولة يمثلون اعداء الامس وشركاء المستقبل العادل المنشود, وهي السابقة الاولى التي تتعامل فيها افريقيا مع اوروبا كتلة واحدة وليس دولا متفرقة وتوجهات احادية مختلفة, وعلينا ان نقدر للمؤتمر نجاحه ايضا في الصياغة المؤسسية لرغبة الطرفين في الجلوس معا, واتاحة الفرصة لتصفية حسابات الماضي توطئة لتأسيس علاقات تعاون وشراكة في الحقوق والمغانم والواجبات والمغارم, وان يحقق المؤتمر ذلك الانقسام الواضح والاكيد داخل الكتلة الاوروبية, واسفر عن تيار لا يزال عى انانيته واطماعه تجاه افريقيا, وتيار الاعتدال الذي تزعمته البرتغال ويدعو الى تصحيح العلاقة مع افريقيا, والواجب الادبي الذي يفرض على اوروبا مساعدتها على تضميد جراحها والخروج من نفق التخلف وحل مشكلاتها المزمنة في اطار شراكة مصرية واظن ان هذا الانقسام طال المصالح الاوروبية الامريكية المشتركة, على النحو الذي تؤكده مظاهر السخط والاستياء داخل اتحاد عمال الصناعات الامريكية ازاء الشراكة الاقتصادية والتجارية المرتقبة بين اوروبا وافريقيا, خشية تأثيرها السلبي على الشراكة الامريكية الاوروبية, واستئثار اوروبا بالاسواق الافريقية! لكن مهما كانت طنطة وسائل الاعلام الغربية لنجاح المؤتمر على الصعيد السياسي والاقتصادي, او شاع الرضا والتفاؤل في الاعلام الافريقي والعربي حول آفاق الانفراج المرتقب لبعض المشكلات والازمات الثنائية عبر لقاءات القمة التي جرت في أروقة المؤتمر, وبينها الازمة السودانية, والازمة الجزائرية المغربية, والقطيعة الاوروبية الليبية, الا ان شقة الوفاق والتراضي والانسجام لا تزال بعيدة بين افريقيا واوروبا, وذلك ان الحوارات والمناقشات المتبادلة حول قضايا جدول الاعمال لم تكن متكافئة بالقطع, بل ان اختبار هذه القضايا اصطدم بظاهرة عدم التكافؤ عندمااستبعد طرح مصر لقضية اخلاء منطقة البحر الابيض من اسلحة الدمار الشامل لحساب اسرائيل وبإيعاز من امريكا! أوروبا انطلق خطابها السياسي من موقع الحفاظ على مصالحها ونفوذها في مواجهة الصحوة الافريقية التي ترنو الى تغيير واقعها المتردي, فلا هي اعتذرت سياسيا بصراحة ووضوح, ولا ضمنيا وعمليا عبر اسقاط مديونية افريقيا الباهظة التي تكبل مسيرة النهوض اللهم سوى النزر اليسير من هذه الديون التي التزمت بها قلة من الدول الاوروبية مثل فرنسا, بينما ظلت الدول الافريقية في المؤتمر الطرف الضعيف الذي يطالب اوروبا الاقوى بالعون والمساعدة في حل مشكلات المديونية والتخلف والجهل والجوع وهشاشة التنمية عبر الشراكة الاقتصادية وتطوير قدراتها الصناعية والزراعية ونقل التكنولوجيا فهل تستقيم العلاقة بين الجانبين وفق موازين العدالة والمبادىء الانسانية فحسب, بينما قطار العولمة يمضي سريعا في طريقه المرسوم لفرض هيمنة الغرب على مقدرات العالم, دون ان يعنيه في كثير او قليل التوقف عند المحطة الافريقية لالتقاط الضعفاء والمحتاجين, ألا يستدعى الامر اذن التفكير في عقد قمة افريقية عربية في المقابل او بالتوازي.. تفضي الى تحالف الضعفاء في مواجهة تغول الاقوياء ومخاطر العولمة!؟