بقلم : محمود السعدني لحسن الحظ أن العبد لله كان الصحفي العربي الوحيد الذي وضع قدمه على أرض تونس بعد جلوس بورقيبة على دكة الحكم, وكان بورقيبة قد مهد لهذا الحدث التاريخي بعزل باي تونس واعلان الجمهورية. والحق أقول أن بورقيبة كان أحق الناس بمنصب رئيس الجمهورية, فهو الوحيد من بين زعماء تونس الذي بدد شبابه كله في المنفى وفي المراقبة والمطاردة والسجن, وكان قبل ذلك قد عاد من النفي ومعه وثيقة استقلال تونس, ولكنه فوجئ بمعارضة شديدة من بعض الزعماء الذين اعتبروا الاستقلال الذي جاء به بورقيبة إنما هو استقلال منقوص وأنه مجرد لعبة فرنسية لتنفرد فرنسا بثورة الجزائر لتقضي عليها. ولكن بورقيبة دافع بشدة عن الاستقلال الذي جاء به وتعهد بأنه سيحقق الاستقلال التام ولكن بأسلوب الخطوة خطوة. وأكد أن تونس في ظل هذا الاستقلال المنقوص ستكون مقرا وممرا للثورة الجزائرية, وكان صالح بن يوسف هو أخطر الزعماء المعارضين لبورقيبة وكان يتميز بثقافة واسعة وموقف مبدئي, كما كان يجيد الحديث في القاعات المغلقة والصالونات المخملية, بعكس بورقيبة الذي كان يجيد الحديث مع رجل الشارع و كان يسيطر بشدة على قواعد الحزب وكوادره, وكان في استطاعته اشعال النار في الشارع بإشارة وبإستطاعته ايضا اطفاء النار بإشارة, وفجر بورقيبة قنبلة حين دعا لعقد مؤتمر سياسي حضرته عدة وفود عربية ودعا إليه صالح بن يوسف وجماعته لعرض وجهة نظره علنا على الجماهير والدخول مع بورقيبة في مناقشة علنية ثم الاحتكام إلى الجماهير. ولكن صالح بن يوسف رفض عرض بورقيبة وغادر تونس في اليوم السابق على انعقاد المؤتمر و لجأ الى القاهرة. وانعقد المؤتمر في صفاقس, وشرح بورقيبة وجهة نظره للجماهير كما شرح وجهة نظر صالح بن يوسف واحتكم الى الحزب فصوت الحزب الى جانب بورقيبة. وكان مؤتمر صفاقس هو الحد الفاصل في حياة بورقيبة وفي حياة تونس, فقد حصل بورقيبة من المؤتمر على تفويض كامل يفعل به في تونس ما يشاء . وقد نفذ بورقيبة رغبة مؤتمر صفاقس وحكم تونس على هواه, واستكمالا للشكل رتب لنفسه جولة شاملة في انحا ء تونس ومن حدود ليبيا الى حدود الجزائر, وكان من حسن حظ العبد لله مرافقة الحبيب بورقيبة في هذه الجولة التي مسح فيها تونس شبرا شبرا, وخاطب فيها كل فرد من أفراد الشعب التونسي. كان بورقيبة الذي عاش فترة في مصر اثناء كفاحه ضد الاستعمار الفرنسي قد تأثر تأثرا شديدا بالزعيم مصطفى النحاس. وقد لاحظت هذا التأثير في حركاته وفي أسلوب خطاباته وفي تعامله مع الجماهير خصوصا في المؤتمرات الشعبية التي عقدها أثناء الجولة. ولكن بعد استماعي الى عدد من خطبه التي القاها على أسماع الجماهير اكتشفت أن تأثره بالنحاس كان من ناحية الشكل وليس من ناحية الموضوع, وأن بورقيبة يشبه النحاس باشا في الشكل ولكن هناك فرق. لقد كان النحاس فوق كونه زعيما جماهيريا, زعيما وطنيا من أعلى طراز, وكلنا نذكر أن النحاس باشا رفض قبول النقطة الرابعة الامريكية ورفض ارسال فرقة من الجيش المصري للاشتراك مع القوات الامريكية في حربها في كوريا الشمالية, وبحسه الوطني الرفيع عقد معاهدة 1936 مع الانجليز ثم قام بالغائها عام 1951 ودعا الشعب الى الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال في منطقة القناة. لكن الزعيم بورقيبة كان على عكس ذلك تماما, كان أمريكيا مخلصا حتى قبل أن يتفتت الاتحاد السوفييتي وتنفرد امريكا بحكم العالم. وكان يهزأ بكل القيم الوطنية من أول الوحدة الى العروبة الى الحياد الايجابي. وبعد أزمة السويس واعلان مبدأ ايزنهاور ورفض مصر لهذا المبدأ أعلن بورقيبة قبوله لمبدأ ايزنهاور حتى قبل أن ينتهي ايزنهاور من عرض برنامجه في اجهزة الاعلام. ووصف فرنسا بأنها الوطن الام ولكن تونس كبرت وتريد أن تستقل بشؤونها مع الاحتفاظ بطاعة الام والاستماع الى نصائحها دائما, ما أبعد الفارق بين بورقيبة وبين مصطفى النحاس, الشبه الوحيد بينهما كان في الخطابة وطريقة اجراء الحوار مع الجماهير. في أحد المؤتمرات الشعبية وبينما كنا نسير في الشارع وبورقيبة محاطا بالألوف من الناس توقف بورقيبة فجأة و جذب نحوه سيدة عجوزا واحتضنها وقبلها وصاح بأعلى صوته مناديا على عامل المدينة وهو منصب يشبه رئيس المدينة , وجاء عامل المدينة فجذبه بورقيبة الى جانبه ووقف يخاطب الجماهير قائلا .. هذه المرأة لها فضل على الزعيم (ديالكم) هي التي أخفت الزعيم (ديالكم) في دارها عندما كنت مطاردا ومطلوبا وهي التي اطعمت الزعيم (ديالكم) عندما كنت جوعان ولا أجد ما أسد به رمقي. وكانت شجاعة عندما خانت الشجاعة الرجال. ثم نظر الى عامل المدينة قائلا .. هذه المرأة المناضلة العظيمة .. أنا أطلب أليك أن تعمر لها بيتا وأن تجري عليها راتبا مناسبا حتى الممات.. مفهوم.. وأنحنى العامل عدة مرات وظل منحنيا حتى غادر بورقيبة المكان وصار بعيدا عن المرأة.. وبالطبع كانت هذه الحركة هي إحدى الحركات البورقيبية الشهيرة فكان يتوقف في كل شارع ويصدر عدة أوامر للمسئولين في المدينة برفع المظالم ورد الحقوق ومراعاة العدل.. ولم يكن يتحقق أي شيء من هذه الاوامر على الاطلاق ولكنها كانت تترك أثرا عظيما في الشارع التونسي. وفي اثناء تلك الجولة التي استغرقت شهرا لم يكف في أي مرة اجتمع فيها بالجماهير عن سب جمال عبد الناصر واصفا إياه بأنه تلميذ صغير في مدرسة الديكتاتورية, وأنه ليس من صنف المناضلين لأن أحدا لم يسمع به في الشارع قبل وصوله الى السلطة.. وقال في أحد الاجتماعات: لقد أردت أن أنصحه ولكنه لم ينتصح , ولذلك توقفت عن نصحه.. أنني لن أخسر شيئا ولكنه هو الخاسر.. ووصف حركة عدم الانحياز بأنها حركة لا معنى لها لأن سر الحياة في الانحياز, حركة عدم الانحياز التي كانت تضم نهرو وتيتو وعبد الناصر لم تكن تعجب بورقيبة لأن الانحياز في رأيه هو سر الحياة وتولى هو شرح هذا المعنى قائلا: هل تستطيع أن تستمتع بمباراة كرة قدم دون أن تكون منحازا لفريق؟! .. وكان بورقيبة يتصور بأنه بهذه العبارات الانشائية الساذجة أحد عباقرة العالم في دنيا السياسة, وفي آخر يوم في جولتنا جلسنا بعد انتهاء الجولة في أحد المقاهي الشعبية وكنا مجموعة من الصحفيين كلهم من تونس والعبد لله هو الغريب الوحيد وكان معنا مسؤول صغير في الحزب الحر الدستوري التونسي وكان مستواه كمستوى أمين مكتب الاتحاد الاشتراكي في مركز العياط, ولكنه كان يجلس وسطنا كأنه المارشال مونتجمري بعد حركة العلمين وراح يشرح لنا الحكمة وراء كلمات بورقيبة ثم ختم حديثه قائلا: لو أراد الله خيرا للأمة العربية فسيتحد العالم العربي كله تحت رئاسة الزعيم بورقيبة لأنه هو وحده الذي سيقود العرب الى قمة المجد.. أذكر أنني علقت بكلمات ساخرة قبل أن نقوم من جلستنا ونرجع عائدين الى العاصمة تونس,, وفي الصباح الباكر كان سفيرنا في تونس على الخط الآخر في التليفون يعاتبني بشدة على الكلام الذي قلته في القهوة ليلة الامس.. نفيت له أن أقول قد قلت ما سمعه وأن ما قلته في القهوة لم يكن أكثر من مداعبة وسخرية في مواجهة سب مباشر لحكومة بلدي ورئيسها ونظامها دون أن يكون هناك داع على الاطلاق.. قال السفير استعد و سأمر عليك بعد دقائق .. وارتديت ملابسي وانتظرت السفير على باب الفندق وعندما وصل ركبت معه سيارته وبعد دقائق كنا في قصر الرئاسة وفي حضرة الرئيس بورقيبة ووقف السفير يشرح للرئيس أنني ما جئت لتونس إلا لكي أنشر قصة كفاحه وجهاده ونضاله على صفحات الصحف المصرية وأنني من أشد أنصار بورقيبة ومن أشد المتحمسين له. وقال له سترى سيادتك بعد عودته الى القاهرة الصفحات الطوال التي سيكتبها عن نضال وكفاح سيادتكم .. وقال بورقيبة كأنه يخاطب الجماهير في الشارع أنا زعيم باعتراف العالم كله ولا أحتاج الى اعتراف من أي جهة كانت.. وطيب السفير خاطره بكلمات كثيرة حتى هدأ روعه.. فنظر إلي ومد يده نحوي وصافحني بشدة وقال: سأضمك للحزب الدستوري لتكون على مقربة مني ولكي تتعلم في مدرستي السياسية.. وعندما خرجنا من مكتب بورقيبة قال السفير.. كنت قد كتبت سلسلة مقالات عن الرحلة بعنوان الرجل الاوحد في تونس وقلت في مقدمة السلسلة أن بورقيبة هو الرجل الذي لم يترك أحدا الى جواره واقفا على قدميه والحريص على سد كل الثغرات التي حوله حتى لا تكون هناك فرصة لمرور أحد من الجيل الجديد حتى لا يكون خطرا عليه في المستقبل.. وهو الوصف الذي صكه العبد لله وانتحله عبد الكريم قاسم لنفسه بعد ذلك بعدة سنوات وبعد نشر السلسلة على صفحات جريدة الجمهورية صدر قرار يمنع دخول العبد لله الى تونس وكان ذلك في العام 1956 ولايزال هذا القرار معمولا به حتى هذه اللحظة .. رحم الله الحبيب بورقيبة الرجل الاوحد الذي حكم تونس لمدة 32 عاما أصاب وأخطأ خلالها كثيرا وحقق مكاسب كثيرة للمرأة في تونس وكان لا يؤمن بالوحدة ولا بالقومية ويؤمن بأن فرنسا هي الوطن الام ولكن تونس كبرت وتريد أن تستقل بأمورها مع الطاعة والاستماع الى النصيحة.