بقلم: عمران سلمان ربما لا يحتاج العرب الى ان يضيفوا الى النتاجات الكثيرة التي انتجوها في ميدان الكلمة والمعرفة. وانما يحتاجون الى تطبيق بعض ما انتجوه. وقد يعتقد بعض الناس ان الامر مقتصر على البيانات والتوصيات والقرارات التي تتخذ هنا وهناك. والمسألة تبدو ابعد من ذلك. فكتب التاريخ العربي مليئة بالنصائح والحكم والامثال والروايات والمواقف التي تزخر بالعبر والدروس. وهي تكفي لو طبقها البشر في حياتهم لاصبحوا جميعهم ملائكة وحكماء!. اما في وقتنا الحاضر فإن دساتير الدول وقوانينها ترفل هي الاخرى بالمبادىء السامية والمواد التي ترفع من قيمة الانسان وشأنه الى عنان السماء, لكنها ايضا للأسف لا تطبق, وانما تستريح على الرفوف هادئة هانئة. ترى ما هو السبب؟ لماذا لا يلتزم الانسان العربي بما يقطعه على نفسه من وعود, وما يدبجه من قيم ومبادىء في صحائفه وما يقوله ويتلفظ به لسانه؟ هل هو مجبول على الكذب والنكوث بالعهود؟ هل هو بطبعه عديم الاحترام للكلمة والى الدرجة التي يتساوى لديه فيها السواد بالبياض؟ أم ان في الامر سرا, بحاجة الى تفسير واستقصاء؟ شخصيا حاولت ان ابحث في هذه المسألة. وكل ما وجدته هو هذا: الكذب كما هو معروف عادة بشرية قديمة. ولكن لنسأل السؤال التالي: لماذا يكذب الانسان؟ والاجابة قد تتراوح بين, الخوف او الرغبة في اخفاء شيء معين او تكون ربما مجرد عادة. ولكن ثمة اجابة قد تكون غير متوقعة, وهي اللامبالاة. وهي تعني ان الانسان تتساوى عنده النتائج حينما يكذب او حينما يقول الحقيقة. او بمعنى آخر فإن حجم الاكاذيب المحيطة يساوي او يفوق تقريبا حجم الاحاديث الصادقة. وهكذا فحين تسأل شخصا ما على سبيل المثال, عما اذا كان يقدر على ان يسدي اليك خدمة في موضوع معين. فإنه يبادر الى الاجابة بنعم, حتى وان كان يعرف في قرارة نفسه انه غير متأكد من امكانية حصول ذلك. وقد يمضي وقت يطول او يقصر, وتلتقي بالشخص نفسه, وتسأله من جديد عما حدث لتلك الخدمة. فيجيبك بأنها ستحدث (ان شاء الله) وما عليك سوى الانتظار. هكذا لو بقيت طوال عمرك تنتظر فلن تسمع منه سوى هذه الاجابة. وقد تستغرب وتتساءل بينك وبين نفسك: لماذا يكذب هذا الشخص, ولماذا لم يقل الحقيقة منذ المرة الاولى, ولماذا لم يقلها بعد ذلك؟ انه ليس مضطرا للكذب. في كل الاحوال يستطيع ان يقول سامحني لا استطيع ان اخدمك, ان الامر ليس بيدي وكنت ستتفهم وضعه وتعذره. ولكنه لا يفعل ذلك, وهو ليس وحده في هذا. هناك الكثير من امثاله في المجتمع. حسنا لنعد لسؤالنا السابق: لماذا يكذب الانسان؟ سنحاول ان نقدم اجابة معقولة, رغم ان الاجابات وخلافا للتشخيص او التحليل او الوصف, هي من اصعب الامور واكثرها محفة بالمخاطر. تعتبر مرحلة الطفولة لدى الانسان من الناحية العملية حالة مثالية لدراسة مختلف الظواهر الاجتماعية. فالطفل (حتى سن السادسة على الاقل) يتصرف في الغالب بصورة عفوية ودونما حساب لعواقب تصرفاته. فهو قد يكذب على ابويه, بشأن اللعبة التي كسرها, او المال الذي اضاعه, او سبب بكاء اخيه او اخته. وقد يفشي اسرار المنزل, لزملائه في المدرسة, او يحدثهم عن المشاجرات التي تحصل بين ابيه وامه. انه يفعل ذلك بمنتهى العفوية ودونما تفكير في النتائج التي قد تتمخض عن افعاله هذه. لقد لاحظ علماء التربية ان بعض الاطفال يضطرون للكذب بكثرة كلما واجههم الكبار, حتى في الامور البسيطة. وهم يعللون ذلك بأن الكذب وسيلة من وسائل الطفل للدفاع عن نفسه والتخلص من العقاب المتوقع من جانب ابويه, على افعال قام بها من دون قصد في الغالب لكن, وهذا ما يهمنا هنا, لماذا اضطر الطفل لاستخدام الكذي لأول مرة؟ يرى علماء التربية ان ذلك تم بسبب ان الطفل تلقى عقابا يفوق توقعاته, بالنظر الى الخطأ الذي ارتكبه. انه في البداية لا يتعمد ان يتصرف على نحو ضار. فهو قد يقفز او يجري او يحرك يديه عفويا. وقد تسقط جراء ذلك بعض الاواني او الحاجيات وتنكسر. هنا يسارع الأبوان الى تأنيبه وربما الى ضربه, اعتقادا منهم انه يتصرف بلا مبالاة. ان الطفل عاجز بطبيعة الحال عن الدفاع عن نفسه لذلك لا يجد وسيلة في مواجهة العقاب المنتظر, سوى الانكار, انه يتعلم مع الوقت كيف يفعل ذلك ويلاحظ بدقة ردود الفعل. فإذا نجحت هذه الوسيلة مرة, فإنه يكررها حتى تصبح سلاحه المفضل في مواجهة المواقف العصيبة, ويبدأ حينها (مع الوقت) في التفنن في اختلاق الكذب ونسج الروايات. اما ما يحدث للاطفال في المنزل, يحدث للكبار ايضا في المجتمع, مع الفارق في الخبرة والامكانيات فالخوف من العقاب لدى الطفل, يتحول الى خوف آخر, ولكنه خوف مركب لدى الكبار من عقاب المجتمع. ويحدث ذلك حين تكون القيم المنتشرة هي مما يفوق قدرة الانسان على تلبيتها او تطبيقها, فيلجأ الانسان حينها الى استخدام الكذب او حسبما نقول في لهجتنا العامية (اللف والدوران) . ولنعرض الآن بعض الامثلة على ذلك. من الامور المعروفة والمنتشرة بين التلاميد ان بعضهم يكذبون على آبائهم وامهاتهم بشأن المذاكرة والدراسة. فهم قد ينشغلون بأي شيء آخر عنها طوال الوقت, وإذ سئلوا قالوا لقد ذاكرنا وانهينا الواجبات! وبالطبع فإن بعض الآباء قد يكتشفون هذا الكذب, لكنهم بدلا من ان يسألوا انفسهم لماذا يفعل ابناؤهم ما يفعلون, يردون بمطالبتهم بالمزيد من المذاكرة والدراسة, او اللجوء للعقاب في بعض الاحيان, لاعتقادهم بأن ذلك مجرد اهمال او كسل من الابناء. لكن الحقيقة هي ابعد من ذلك. ان كذب التلميذ بشأن المذاكرة يعود بالدرجة الاولى الى ان حجم توقعات الاب ومطالبه قد تفوق احيانا قدرات ابنائه على تلبيتها. فالآباء يريدون من ابنائهم في العادة ان يتفوقوا وان يبزوا غيرهم. انهم يعايرونهم بالقول (لماذا ابن جارنا او ابن فلان او علان افضل منك. اريدك ان تتفوق عليه وتشرفنا امام الناس) . (انني اوفر لك حياة مرفهة, وألبي لك جميع متطلباتك فماالذي ينقصك. وما الذي يوجد لدى ابن فلان ولا يوجد عندك؟) . مشكلة هؤلاء الآباء انهم يعتقدون ان ابناءهم يستطيعون فعلا ان يتفوقوا ولكنهم لسبب ما لا يريدون ذلك او لأنهم لا يذاكرو ن دروسهم ولا يجتهدون في طلب العلم! انهم لا يدرون بأن المسألة ليست كذلك فلكل انسان طاقات ومهارات معينة. ان الناس ليسوا متساوين في كل شيء. وبعض الطلاب قد يجتهدون فعلا في دراستهم ولكنهم مع ذلك قد لا يجرزون التفوق . ان هذا ليس ذنبهم على أية حال. فهم ربما يتفوقون في مجالات اخرى غير الدراسة. من المفارقات هنا اننا نجد في الحياة بعض من كانوا متخلفين عنا ونحن على مقاعد الدراسة, قد حققوا نجاحا وتقدموا علينا في مجالات العمل او التجارة على سبيل المثال. وكاتب هذه السطور يعرف نماذج حية من هؤلاء الاشخاص. ما أردت ان اقوله ان التلميذ حين يكذب على والده او والدته, بشأن المذاكرة, فلأن هؤلاء ربما ارادوا منه ما يفوق قدراته وامكانياته. ولأنه لا يستطيع ان يحقق لهم ما يريدون, ولا يستطيع من ناحية اخرى ان يشرح لهم ذلك فهم لن يستمعوا اليه ولن يصدقوه. فهو اذن يضطر الى استخدام الكذب واللامبالاة. الشيء نفسه يحدث مع هذا الانسان حين يكبر ويبدأ في الاندماج في المجتمع من خلال العمل والاسرة والحياة, انه يسمع كثيرا من النصائح والمواعظ التي تدعوه الى فعل الخير والى ان يحب للآخرين ما يحب لنفسه, وأن يضع مصلحة المجتمع في المقام الاول وقبل مصلحته, وان يكون صادقا وامينا ووفيا مع الغير.. الخ. وهذه النصائح والمواعظ نبيلة وخيرة بطبيعة الحال. لكن المشكلة هي ان الانسان لا يجد لها اثرا في المجتمع نفسه. او بالاحرى لا يجد تطبيقاتها بنفس الصورة التي تقدم له. فالناس لا تتصرف فعليا وفق هذه النصائح والمواعظ, وانما وفق مصالحها الخاصة ووفق ما يلبي احتياجاتها. فهي ترحب بالخير والامانة والوفاء والصدق اذا كانت تصب في مصلحتها وتوافق اهواءها. اما اذا كانت تصب في مصلحة اعدائها فهي تنقلب الى شر وخيانة وغدر وكذب! هنا يجد هذا الانسان نفسه في حالة تناقض. فهو يستمع الى شيء ويرى عكسه. وهو يحتار جراء ذلك, أي السبل يسلك وايها يختار. هل يطبق ما يسمعه او يسير على هدي ما يشاهده. ان عمل بالخيار الاول كان في ذلك ضرر بمصلحته, وان عمل بالخيار الثاني خشي من انتقادات الناس وآرائهم اللاذعة بحقه. لذلك فهو يؤثر الكذب واللف والدوران. فإن سئل عن شىء قال ما يعتقد انه يرضي السائل ويريحه وليس ما يعتقده هو وان طلب احد منه خدمة لها علاقة بالعمل مثلا,. لم يرده. انه يعرف ان هذه الخدمة قد تضر بمصلحته في العمل, لذلك فهو لا ينفذها في الواقع. لكنه من الناحية الاخرى يخشى ايضا من اغضاب طالب الخدمة الذي ربما كان قريبه او صديقه. انه يكتفي بأن يقول له (ان شاء الله) ان طلبك سوف يجاب ولكن انت تعرف ان هذه الامور بحاجة الى بعض الصبر. انتظر حتى يأتي المدير لانه في اجازة حاليا, او يعود الوزير لانه في زيارة خاصة.. الخ. الطريف ان هذا الانسان يعرف انه يكذب, وكذلك يعرف الآخرون كذبه ومماطلته, ولكن لا احد من هؤلاء يبادر الى مصارحته, وهو بدوره لا يصارحهم. لماذا؟ لأن الكذب اصبح قيمة اجتماعية مقبولة. فهو وسيلة سهلة ومريحة للخروج من المواقف المزعجة او المحرجة. بينما الأمر الصحي والسوي بين البشر هو ان تكون الصراحة والمباشرة هي القيمة المقبولة وليس الكذب. اتصور, أو هكذا آمل على الاقل, أننا نعرف الآن لماذا يكثر الكلام في المجتمع العربي بينما يقل الفعل, ولماذا لا يجد الكثير مما يقال ويكتب طريقه الى التطبيق والتنفيذ!