ما حدث في هذه القناة التلفزيونية الفضائية يستحق وقفة جادة هذه المرة. والقناة هي قناة (الجزيرة) القطرية التي مهما اختلفت فيها الآراء فإنها بلا شك قدمت للمشاهد العربي خدمة هامة في تغطية الأحداث ومتابعتها بالتحليل والتعليق, وهي خدمة افتقدها المشاهد العربي طويلا وسط سيل البرامج الدعائية والقصور الواضح في معظم القنوات العربية في هذا الجانب بالذات, والذي استعاضت عنه بعض الفضائيات الفيديو كليب البلهاء. هذا الأ سبوع قدمت لنا (الجزيرة) برنامجا قالت إنه حوار موضوعي حول الموقف السوري من مباحثات التسوية السياسية بعد فشل محادثات جنيف بين كلينتون والأسد, لكن ما شاهدناه كان فضيحة بكل المقاييس. شاهدت البرنامج بعد دقائق من بدايته, ولولا أني متأكد من القناة التي أشاهدها والمذيع الذي يقدم البرنامج, لتصورت أننا أمام تمثيلية هابطة. فقد قدموا لنا واحدا مجهولا على أنه شخصية سياسية مصرية, ومفكرا عظيم الأهمية بدليل أنه يحاور سياسيا سوريا بارزا وعضوا سابقا بالقيادة القطرية لحزب البعث. وتصورت في البداية أن في الأمر حيلة, وأنهم جاءوا بهذا الرجل من قهوة (بعرة) الشهيرة بالقاهرة التي يجلس فيها كل كومبارس السينما المصرية في انتظار دور صغير, لكن الجدية التي تكلم بها الأخ عبدالله الحمد السياسي السوري اقنعتني أننا أمام شئ حقيقي حتى ولو كانت فيه كل امارات الشذوذ العقلي. وشيئا فشيئا تتضح المأساة, فهذا (المفكر) الخطير الذي اكتشفته قناة الجزيرة ليس (كومبارسا) من قهوة بعرة, ولكنه (شئ) حقيقي ويتم تقديمه باعتباره سياسيا مصريا وداعية للسلام. وهو يتبني فيما يقوله أكثر الأطروحات الاسرائيلية وقاحة. وقد تكون قناة (الجزيرة) سعيدة بهذا المفكر السياسي الذي لايعرفه أحد في مصر ولايمثل شيئا في الحياة السياسية والفكرية, وقد يكون صاحب البرنامج قد رأى أن في مثل هذه النماذج الشاذة ما يعطي لبرنامجه شيئا من السخونة أو يضفي عليه روح الكوميديا, ولكن ذلك كله لاينبغي أن يمر مر الكرام, خاصة أن هذه ليست المرة الأولى التي تقدم فيها قناة الجزيرة مثل هذه النماذج المشوهة على أنها تمثل شيئا في الحياة السياسية والفكرية والثقافية المصرية يستحق الظهور على الشاشة ويستحق المناقشة. لقد أخبرني الأصدقاء أن هذا الـ(شئ) قد ظهر قبل ذلك في نفس البرنامج وبنفس التوجه, وأيضا ظهرت نماذج أخرى مشابهة (ومن مصر بالتحديد) تتهم مرة حزب الله بالعمالة, وتدعو مرات للتطبيع مع اسرائيل, وتناقش بطريقة سلبية أحداثا طائفية في مصر وهي تعلم من دبرها ومن مولها ومن يقف وراءها! إننا لا نصادر على حق أحد في أن يعبر عن رأيه, بل.. ونرحب بأن يتم طرح كل الآراء وعندما قدم المرحوم لطفي الخولي وجماعته طرحهم عن التطبيع فتحت لهم كل القنوات الفضائية والأرضية والصحف المصرية والعربية المجال ليقولوا ما يريدون, وناقشناهم ورددنا على كل ما طرحوه, ولم نجد بأسا في ذلك, أما حين يتحول الأمر الى هزل وهذيان فهو أمر لايحتمل النقاش, ثم.. حين يتحول الأمر الى وقاحة وتبادل للسباب فهو أمر ينبغي النظر اليه من زاوية أخرى, باعتباره أمرا لايهبط فقط بمستوى البرامج التي تقدم, ولكنه يسيء للعملية الديمقراطية نفسها, ويحيل برامج الحوار التلفزيونية من مجال للممارسة الديمقراطية الحقيقية وتعليم الجميع أن يتقبلوا الرأي الآخر وأن يناقشوه وأن يؤمنوا بالحكمة الخالدة التي تقول إن (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب) . هكذا نفتح أبوابا كانت موصدة من أجل بناء ديمقراطية حقيقية, وهو أمر تخشاه العديد من الأنظمة وتضع العراقيل في وجهه. ودعونا نتذكر هنا أن التلفزيون في مصر كان سباقا لذلك وقبل الفضائيات بزمن, حين فتح الدكتور جمال العطيفي وزير الاعلام في السبعينايت أبواب التلفزيون لحوار سياسي رفيع بين مختلف التيارات الفاعلة في المجتمع, ونجحت هذه الندوات نجاحا عظيما, وانتظرها المشاهدون بلهفة, وفاقت نسبة مشاهدتها كل تصور, لكن المشكلة كانت أن ممثلي اليسار سجلوا نصرا كاسحا في هذه الحوارات على ممثلي حزب الحكومة وأحزاب اليمين (وللمفارقة.. كان المرحوم لطفي الخولي واحدا من أبرز ممثلي اليسار في هذه الحوارات).. ومن هنا تقرر اغلاق هذا الباب بالضبة والمفتاح كما يقولون, حتى بدأ يعود مع (انتفاضة) الفضائيات العربية وغير العربية في السنوات الأخيرة.. وما أخشاه في هذه المرة أن تنتهي التجربة بالخسارة في التلفزيونات العربية.. ليس بسبب الحكومات فالحكومات مجبرة على مسايرة متطلبات العصر, ولكن بسبب الاداء السيىء من القنوات التلفزيونية نفسها, والصورة الهابطة التي يظهر بها العديد من الحوارات حين تتحول الى تبادل للشتائم بدلا من الآراء. ولقد كان المثقفون العرب (والمصريون خصوصا) رفقاء للغاية مع قناة الجزيرة ومع غيرها من القنوات الفضائية وهي تعبر فترة البدايات. وكانوا يدركون أن بعض الاثارة قد يكون مفهوما أو حتى مطلوبا في مرحلة التأسيس لجذب الانتباه وتأكيد التواجد.. وكانوا يدركون أن الأنظمة العربية لم تألف بعد طرح كل القضايا واحترام كل الآراء.. وكان ضيق بعض الحكومات ببعض ما قيل يدفع المثقفين الى محاولة حماية التجارب الوليدة.. رغم السلبيات والأخطاء. وكان الأمل أن يزداد الرشد مع نضج التجربة, وأن تترسخ القيم النبيلة في الحوار, وتنفتح الأبواب لمناقشات جادة حول الواقع والمستقبل العربيين وكيفية المواجهة العربية للتحديات الهائلة التي تواجه أمتنا. لكن هذا هو الأمل, فاذا بنا أمام مثل هذا البرنامج الفضيحة, أمام كارثة بكل المقاييس. كارثة لقناة الجزيرة نفسها.. لأنها تفقد الكثير من الاحترام والمصداقية, حين تأتي بهذه النماذج الشاذة المريضة لتناقش قضايا الأمة. وكارثة.. لأن ما حدث هو إهانة لجماعة المثقفين المصريين وفيهم حتى من الداعين للتطبيع من تجوز مناقشته, لأنه لايصدر عن رؤية صهيونية فاجرة كما يفعل هذا الذي لانعرف من أين جاءوا به ولا لماذا يضعونه في بؤرة الضوء باعتباره شيئا في مصر. وكارثة.. لأن الأمر تكرر أكثر من مرة, وبصورة لابد أن تكون متعمدة. تأتي (الجزيرة) بمجهول أو مجهولة من مصر ليطرح كل ماهو سلبي من وجهة النظر القومية, وليواجهه طرف آخر من قطر عربي آخر ليقدم الرؤية القومية.. خاصة في قضايا الصراع العربي الاسرائيلي. إنها إهانة مزدوجة.. إهانة باختيار هذه النماذج الشاذة أو المريضة أو التي لاتمثل إلا نفسها وتقديمها باعتبار أنها تمثل شيئا في الحياة السياسية والفكرية في مصر. وإهانة أخرى باعطاء الايحاء أن غالبية المثقفين المصريين تركت قضاياها الوطنية والقومية و(هرولت) للحاق بركب التطبيع. والذين يفعلون ذلك يعرفون الحقيقة, ويدركون حجم المعارك التي خاضتها القوي الوطنية والقومية في مصر (والمثقفون في الطليعة) ضد التطبيع, وضد محاولات فصل مصر عن أمتها العربية, وضد محاولات فرض التسوية بالشروط الاسرائيلية. وبالطبع كان هناك ـ وما زال ـ من خرجوا عن الصف, ولكنهم أبدا لم يكونوا شيئا مؤثرا بين جماعة المثقفين ولا في الحياة السياسية والفكرية. كما أنهم أبدا لم يكونوا بهذه الوقاحة التي لايراد بها إلا تلويث صفحة النضال العظيم للقوي الوطنية والقومية في مصر التي تحملت الكثير وواجهت السجن والتشريد بسبب مواقفها. على أن ذلك كله يهون أمام الخطيئة الكبرى, حين ينتهي هذا الهزل باستدراج هذه النماذج المشوهة لكي تسيء الى العلاقات الأبدية بين شعبنا العربي في مختلف أقطاره. قبل ذلك جاء أحد هذه النماذج المشوهة لكي يردد نفس الاتهامات التي تكيلها اسرائيل الى المقاومة اللبنانية وفي مقدمتها حزب الله بأنها ارهاب.. ورغم تفاهة الطرح فقد نجح أصحابه في تقديمه على أنه وجهة نظر من (مصر) وأذكر يومها أنني كنت أزور دمشق, وكان علي أن أجيب عن عشرات التساؤلات عن هذا النموذج المشوه الذي لايسيىء للمقاومة ولكنه يحاول تشويه موقف مصر التي تجمع على أن المقاومة اللبنانية هي أشرف ما قدمته الأمة في أيام التردي التي نعيشها, وفي وجه محاولة فرض الهيمنة الاسرائيلية على الوطن العربي. هذه المرة يزداد حجم الخطيئة, حين نكون في أيام حاسمة تجرب فيها أمريكا واسرائيل لفرض شروطها على لبنان وسوريا, وبعد فشل قمة جنيف بين كلينتون والأسد وتمسك دمشق بكل حقوقها في هذا الوقت بالذات التي تحتاج فيه سوريا ولبنان لكل دعم عربي, تأتي (الجزيرة) بهذا النموذج المشوه, ويتم (استدراجه) لكي يوجه الاهانات لشعب سوريا الشقيق (وضع هنا ما شئت من علامات التعجب والاستفهام). إننا نعلم أن هناك خلافات في وجهات النظر بين الحكومتين السورية والمصرية حول التطورات الأخيرة, وهو خلاف لايزعجنا كثيرا لأنه أولا خلاف على التفاصيل وليس على المبادئ الأساسية, ولأنه ثانيا يدور في إطار موقف رسمي واضح حرص الرئيس المصري حسني مبارك على تأكيده أثناء زيارته لأمريكا بتأييد الموقف السوري من ضرورة انهاء الاحتلال الاسرائيلي لكل شبر من الأرض السورية المحتلة في الجولان واعادة الوضع إلى ما كان عليه في 4 يونيو 67 ولأنه ثالثا خلاف بين حكومات, وقد تعودنا من حكوماتنا أن تختلف وتتفق دون أن يؤثر ذلك في علاقات الشعب الواحد في أقطاره المختلفة, أو هكذا كان سلوك المثقفين الشرفاء دائما رغم الضغوط والصعوبات. كان المبدأ دائما أن نترك الحكومات تختلف, وأن يكون الهدف هو لم الشمل بين الشعب العربي في مختلف أقطاره. فما الذي جرى؟ وأي هدف تسعى إليه (الجزيرة) حين تقدم هذا النموذج المشوه مجهول الهوية ليلعب دوره في الاساءة للعلاقات بين شعبنا الواحد في سوريا ومصر. هنا.. نجد لزاماً علينا أن نقف هذه الوقفة مع قناة (الجزيرة) وأن نطرح تساؤلاتنا وننتظر الاجابات.. وننتظر معها اعتذارا واضحا عما حدث, وتراجعا عن هذا المنهج.. وبدون ذلك لا أظن أن سياسيا أو مثقفا حقيقيا من مصر (على الأقل) يمكن أن يشعر بالاحترام وهو يشارك في برامجها. .. هل وصلت الرسالة؟ أرجو ذلك بكل الاخلاص والمحبة.