بعد الاحصاءات الكثيرة التي تعلنها جمعيات حماية الصحافيين حول حرية الصحافة وأوضاع الصحافيين في العالم, ومدى ما يتعرضون له من عمليات اغتيال وسجن وتحقيقات مطولة, جاء من الكونغو هذه المرة خبر غريب حول طريقة طريفة تحاول بها سلطات هذا البلد المتخلف التخلص من ازعاج هذه الفئة من البشر. على طريقة اعلانات الهجرة إلى بلاد المن والسلوى والأحلام الجميلة, وترك الواقع المحبط, تحاول الكونغو هذه الأيام اغراء صحافييها لترك مهنتهم بأي وسيلة, والانتقال إلى أوضاع معيشية اقتصادية أفضل بوضع مساحات كبيرة من الأراضي تحت تصرفهم واعدة إياهم بأنها تتكفل بكافة الأعمال التمهيدية لاعداد الأراضي للزراعة. ولكي تدفع بهم نحو مزيد من الحماس فإنها ستقدم لهم بذورا مطورة من فول الصويا والنشويات! طبعا صحافيونا ربما يبتسمون بسبب حماقة سلطات الكونغو, لكن صحافيي هذا البلد العالمثالثي على العكس أسرع (350) منهم لتسجيل أسمائهم للانضمام لهذا المشروع وترك مهنة المتاعب للأبد. فهل تصرفهم غريب أم عادي وطبيعي؟ وحيث ان الصحافة في عالمنا العربي والثالث ما زالت تحمل مسمى مهنة البحث عن المتاعب, بينما هي مهنة البحث عن الحقيقة في دول العالم المتقدم, فمن حق صحافيي الكونغو أن يبحثوا عن الحقيقة, ويعلنوا تخليهم عن التعب والمشاق, فيكفيهم تعبا أن يعيشوا في دولة كالكونغو. ولذلك فهجر الصحافة والذهاب باتجاه الزراعة يتناسب تماما مع كافة المشهد العام. ربما سأل كل صحافي في الكونغو: ولماذا أبحث عن المتاعب؟ لأجل أي شيء, لأزيد الطين بلة؟ وحتى متى سأعيش وظهري للجدار وصدري في مواجهة آلاف التحديات ليس أخطرها الجوع والمرض ومافيات السلاح وعصا السلطة وملامح التخلف والفقر و... أليست الزراعة مهنة أفضل في ظل حماية الدولة وتشجيعها؟ إذن لقد انتصرت الزراعة كفعل اقتصادي (وليس حضاريا) على الصحافة كفعل تغييري تنويري, في عالم يصر على الظلام والاختباء خلف الأصابع. في بلاد الحروب والمخدرات ومافيا الأسلحة وعصابات الأزقة يقضي الصحافيون نحبهم بكل سهولة وهم يبحثون عن الحقيقة, والاحصائيات تقول إن العشرات منهم يموتون في العالم الثالث, إذن فليذهب الصحافيون إلى الزراعة ليزرعوا ثمارهم ويجنوها ويتناولوها طازجة, خيرا لهم من أن يزرعوا أفكارا ويموتوا قبل أن يروا الثمار اطلاقا. هذه هي الحقيقة في الكونغو.