يبدو ان الأيام الحاسمة في مسيرة التسوية تقترب سريعا, وأن زيارة باراك إلى كل من القاهرة وواشنطن تشكل أحد أبرز المنعطفات التي ستقرر مصير عملية التسوية الراهنة التي بدأت في مدريد واستمرت ما يقرب من عقد من الزمن. وقد تحدث باراك قبل سفره إلى كل من القاهرة وواشنطن بوضوح عن هذه المعاني وشرح ان حكومته (ستتخذ القرارات الصعبة في الطريق إلى السلام) , بينما قال الرئيس حسني مبارك انه (سيبذل كل جهد مستطاع لتحريك المفاوضات على جميع المسارات) , ثم سيبلغ باراك كلينتون في واشنطن (بأقصى ما يمكن تقديمه) . والواقع ان جملة من التصريحات الصادرة عن أطراف المفاوضات مؤخرا تشير إلى حوار متسارع, مباشر وغير مباشر على جميع المسارات, وأن واشنطن تلقي بكل ثقلها لانجاز الصورة النهائية, وأن أطرافا اقليمية عديدة ساهمت بأدوار مهمة في الدفع إلى استكمال العملية, وأن شخصيات دولية لعبت أدوارا مكوكية حتى بدت منطقة (الشرق الأوسط) في الأسابيع الأخيرة كخلية نحل ومقصدا لـ (الضيوف) من كل اتجاه!!. وقد آن للعملية أن تنتهي إلى واحد من عدة احتمالات: أبرزها وأكثرها ترجيحا احتمال اكتمال عملية تسوية قد تفرض شكلا من أشكال الهدوء الطويل المماثل للذي شهدته المنطقة بعد نكبة ,1948 حيث ستتاح لاسرائيل فرصة جديدة لاعادة بناء دولة اقليمية كبرى وفاعلة في المنطقة, وستفرض على الوطن العربي تحديات جديدة وخطيرة مرتبطة بالوجود الثقافي والاقتصادي وربما العضوي والإنساني, مما يتطلب مواجهة جادة للتحديات وابداع حلول متناسبة مع المرحلة التاريخية المقبلة والصعبة. الاحتمال الثاني ألا تكتمل عملية التسوية لخلاف حول جزئيات محددة, أو لأسباب عربية أو إسرائيلية مرتبطة بحقيقة (صراع الوجود) الذي يتم دفع معطياته إلى خارج الصورة واستبداله (ولو آنيا) بعناصر أخرى مرتبطة ببناء اقليمي جديد ضمن الاطار الكوني للرؤية الأمريكية للعالم. الاحتمال الثالث يقوم على امكانية ضبط قسرية للصراع العربي - الصهيوني قد ينجم عنها انفجار من نوع آخر يعبر عن تناقضات الواقع, والذي يمكن ضرب مثل له بالتناقض بين العلمانية - والتوراتية في إسرائيل, أو بين العاملين على التسوية والرافضين لها رغم إيمان الجميع بمشروع (إسرائيل الكبرى) مع خلاف الأساليب للوصول إلى الهدف. الاحتمال الرابع أن يفرض (الباكس أمريكانا) ظلاله على اقليم (الشرق الأوسط) ويحاول ضبط علاقات القوى فيه إلى مدى زمني مرتبط بموازين القوى العالمية. وفي كل الأحوال يظل التحدي الأهم أمام العرب هو القدرة على فهم الواقع ومحاولة تحقيق تضامن عربي يساعد في تجاوز المرحلة الصعبة المقبلة في طبعتها (التسووية) أو (التصادمية) , فبدون عودة المبادرة والقدرة على التأثير الفعال في صياغة المستقبل فإن الرياح العاصفة تصبح أكثر خطرا حتى لو كانت محملة بما يقال انه (السلام) .