بقلم: الفاضل عباس لقد استطالت الازمة السودانية حتى اصبحت ممجوجة وليس لها من صنو او شبيه الا اختها الصومالية, ولقد ظللنا نحن معشر المهتمين والمكتوين بنارها نكتب طوال عقد كامل من الزمان حتى نفد المداد, وظل حملة السلاح في الجنوب والتخوم الشرقية للسودان قابعين في خنادقهم منذ ست سنوات, يخرجون منها بين الفينة الاخرى لغزوة يطول اجلها, كما في الكرمك وقيسان وهمشكوريب, أو يقصر حسب مقتضيات الكر والفر, بينما تدهورت الاحوال الاقتصادية والمعيشية وتهشمت البنية المؤسسية وحط الفقر والمرض على أهل السودان, وتفرق من استطاع منهم سبيلا في بلاد الله شرقها وغربها, ولسان حالهم يتذكر ما قاله البحتري في ظروف مماثلة مرت به هو شخصيا: صنت نفسي عما يدنس نفسي وترفعت عن جدى كل جبس, حضرت رحلي الهموم فوجهت إلى ابيض المدائن عنسي. ولقد تهاوى النظام الحاكم في الخرطوم, وكاد ان يترجل بعد ان فتت في عضده الخلافات الداخلية, وسعى في تحسين علاقاته بالجيران طالبا منهم ان يتوسطوا بينه وبين المعارضة, وغير خطابه بل غير الفلسفة الجوهرية التي جاء لارساء اركانها في الدولة طالما ان قضية كهذه يمكن ان تؤدي الى انسلاخ الجنوب ومعه جبال النوبة وجبال الانقسنا حول منطقة الكرمك وقيسان, أي تفتيت السودان وتشتيت شعبه مثلما فعل سيل العرم بأهل سبأ. وفي الزمن الاضافي, عندما اوشك الحكم ان يطلق صافرته معلنا نهاية المباراة, حدث تصدع وانفجار في صفوف الفريق الخصم, أي المعارضة, وتراشق اطرافها بالاتهامات والنعوت التي اصبح الناس يتناقلونها بفرط من الاندهاش وشيء من السخرية من قوم يغرقون في التناقضات الثانوية ويتركون الجوهرية جانبا, وتكلل ذلك بانسحاب اكبر احزاب المعارضة (حسب انتخابات 1986) من التجمع الوطني الديمقراطي وتوجيه عنسه (أي بعيره) نحو الخرطوم. عندئذ احس الناظم بثقة مفاجئة في النفس, وتنفس الصعداء ومرة اخرى بدأ مسلسل الاعتقالات التعسفية للقادة السياسيين والمفكرين والنقابيين امثال الاستاذ غازي محمد احمد سليمان الذي امضى يومين بزنازين جهاز المخابرات بالخرطوم, كما تعرض محررو وكتاب جريدة (الصحافة) لمصير مماثل. وعموما لاغرو ان يحدث كل ذلك, فلا زالت القوانين المقيدة للحريات والاجراء الاستثنائية موجودة, وحالة الطوارىء مفروضة, ولم يحدث اي تليين في المواقف او تعديل في القوانين القمعية كنوع من الاستجابة لاعلان طرابلس. ومعروف ان المبادرة المصرية الليبية وجدت قبولا من المعارضة والحكومة, وان اللقاء الجامع الذي تحدثت عنه تلك المبادرة اصبح قاب قوسين او ادنى ولكن معروف كذلك ان المعارضة اشترطت بسط الحريات ورفع حالة الطوارىء والغاء جميع القوانين التي تقيد الاحزاب, كل الاحزاب والنقابات كبادرة حسن نوايا وجدية, ومعروف ان الحكومة وافقت على ذلك, ولكنها ظللت تتلكأ لمدة اربعة شهور, بل شفعت تلكؤها بالاجراءات القمعية الاخيرة, مما يشير الى ان الصقور وليس الحمائم, هم الذين يمكسون بزمام الامور في الخرطوم, (وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جئنا) . اقتراح انتقالي على كل حال, ما هي إلا حالة من الحذر سيعقبها مدلا محالة, طالما ان المحك الاساسي هو الوضع الاقتصادي والمعيشي, خاصة في المناطق المتضررة من الحرب, وطالما ان الاسرة الدولية, لاسيما دول الجوار المفصلية مصر وليبيا, قد فتحت الملف السوداني وأخذت تقلب صفحاته وتستكشف كوامنه بغرض اتخاذ موقف بشأنه يقطع قول كل خطيب, مثلما حدث في كوسوفو وتيمور الشرقية, او ما حدث بالنسبة للحرب الاهلية اللبنانية وفق تسوية الطائف 1986. وعلى سبيل المساهمة في هذا الملف الشائك والتائه, فإن المخرج يمكن ان يأخذ الشكل التالي من اجل ولادة السودان الجديد بعد ان تضع الحرب اوزارها ويعم السلام والوئام. طالما ان كل حزب بما لديهم فرحون, وطالما أن العلمانيين والثيوقراطيين هما طرفا نقيض الى يوم الدين, فلا اقل من الرجوع لدستور 1956 الذي تركه الانجليز وعدل عام 1964 وعام 1985 بعض التعديلات التي ازالت قوانين النشاط الهدام الاستعمارية, والعمل به لفترة انتقالية لا تزيد على اربع سنوات يتم اثناءها حكم السودان بمجلس وزاري ذي مهام محددة ومفصلة. في نهاية الفترة الانتقالية يتم الاستفتاء في الجنوب حول المصير الذي ترغب فيه شعوبه وقبائله, استفتاء حرا ديمقراطيا تشرف عليه الامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية. تنظم الحكومة الانتقالية فعاليات المؤتمر الدستوري الجامع الذي يتواصى ويجتمع فيه السودانيون ويتفقون على دستور لكل السودان يطرح بدوره لاستفتاء شعبي ديمقراطي نزيه بعيد عن التلاعب والتزوير, وتشرف عليه منظمة الامم المتحدة كذلك, على ان يكون للشعب هامش مقنع وفسيح يسمح له بالتعديل او الالغاء لأي مادة او جزء من مادة, وتتم عملية الاستفادة من هذا الهامش اثناء انعقاد المؤتمر الدستوري عن طريق اجهزة الاعلام والندوات والمؤتمرات الفرعية والاقليمية والنقابية والقطاعية, وذلك حتى لا يتم طبخ الدستور في غرفة مغلقة بعيدا عن مشاركة الشعب. العاصمة سنار وحيث ان السودانيين الآن مجمعون على بند واحد على الاقل في ذلك الدستور المزمع, وهو (الفيدرالية) باعتبارها الشكل الامثل لبلد شاسع وبعيد الاغوار ومتعدد المناخات والاعراق والاديان والثقافات كالسودان, فإن الحكومة الفيدرالية لا مفر من أن تحكم بدستور يفصل بين الدين والدولة لأنها اساسا تتألف من مسلمين ومسيحيين وآخرين بلا أديان, ويساوي بينهم جميعا, كأنها شركة قابضة بها اصحاب اصول واستثمار يرومون مصالح اقتصادية واجتماعية معينة, هذا او تقسيم السودان حسب الاديان والثقافات. وطالما ان الوضع الفيدرالي هو الانسب لوحدة السودان التي هي في الواقع (وحدة الاضداد UNITY IN HETEROGENITY) , وعلى سبيل تأكيد حسن النية تجاه المناطق المهمشة, خاصة الجنوب, يمكن نقل العاصمة الفيدرالية الى مدينة اقرب جغرافيا الى جنوب السودان, وانني اقترح مدينة (سنار) بالذات لهذا الغرض, كنوع من الربط الرمزي بين السودان واحياء لذكرى اول دولة عربية اسلامية افريقية قامت واستمرت في اواسط السودان تجسيدا للحلف الذي قام آنئذ (عام 1504م) بين العرب والقبائل النيلية ـ الشلك والدينكا والنوير ـ وقامت بموجبه (سلطنة سنار) التي ازدهرت لاربعمائة عام ـ حتى حطمها محمد علي باشا عام 1822م ونقل العاصمة منها الى مدني على بعد مائة كيلومتر الى الشمال, ثم الخرطوم, على بعد ثلاثمائة كيلومتر. لقد بعثت الحياة في سنار مجددا عام 1925 بقيام (خزان سنار) الذي يمول مشروع الجزيرة بمياه الري الانسيابي واصبحت مدينة هادئة وادعة على النيل الازرق تصلح عاصمة فدرالية للسودان. خمسة اقاليم ومن المستحسن ان تنشأ نفس الاقاليم التي كان الاستاذ محمود محمد طه قد اقترحها قبل الاستقلال عام 1955, وهي الاقليم الشمالي والشرقي والغربي والاوسط والجنوبي, بحيث يتألف الشمالي من الرقعة الممتدة من الخرطوم حتى الحدود المصرية, والشرقي من الرقعة التي تشمل القضارف والبطانة وكسلا ومنطقة البحر الاحمر, والغربي من كردخان ودارفور, والاوسط من منطقة النيل الازرق والابيض وارض الجزيرة بينهما, والجنوبي من كل الولايات الجنوبية, أي المناطق التي كانت تتألف منها الثلاث المديريات (بحر الغزال واعالي النيل والاستوائية) عند الاستقلال عام 1956. خمس اقاليم فقط تعني تقليص النفقات وتحجيم البيروقراطية وتأكيد معاني الوحدة والاقتراب شيئا فشيئا نحو الوحدة القومية السودانية, وبينما تصبح الخرطوم عاصمة للاقليم الاوسط, تصبح سنار عاصمة فيدرالية للسودان. لقد ورد اسم (سنار) قبيل الاستقلال كاسم للسودان كله, وذلك لأن كلمة السودان كانت ترمز لكل البلاد التي تقع جنوب الصحراء الكبرى, وبالفعل كان السودان حتى عام 1956 يسمى (السودان الانجليزي ـ المصري) , بينما كانت تشاد وافريقيا الوسطى ومالي والسنغال تسمى (السودان الفرنسي) , وكان بعض السياسيين من بعيدي النظر يرون خيرا كثيرا في اسم سنار (وهو اصلا اسم عربي يعني سن من النار), باعتباره استمرارا لتراث ووطن يعود للقرن الخامس عشر وليس لعام 1956 فقط, أو حتى منذ دخول الاتراك الى السودان. ولا جدال في ان الاقليم الجنوبي سيفضل ان يحكم بدستور علماني لأنه يتألف اساسا من المسيحيين وعبدة الديانات الافريقية, أما الاقاليم الاخرى فهي قد تتراوح في قربها او بعدها عن الترتيبات العلمانية بقدر ملامستها للمدنية العصرية وامتصاصها للعقلية الليبرالية الغربية وقناعتها بالديمقراطية التعددية, لذلك فإنها ايضا تحتاج لاستشارتها على المستوى القاعدي حول نوع الدستور الذي ترتضيه. وقد يكون اكثر الاقاليم حماسا للدستور (الثيوقراطي) كالذي يطبق حاليا في افغانستان, الاقليم الغربي الذي كان هو السند الاساسي لحكم الخليفة عبدالله التعايشي طوال الاربعة عشر عاما التي حكم فيها من 1884 الى 1898, والذي هو الآن كذلك السند الرئيسي للنظام الجبهوي الاسلامي الراهن, ممثلا في الكوادر التي تتصدر الجبهة القومية الاسلامية الحاكمة, مثل علي الحاج وابراهيم السنوسي ومحمد الامين خليفة والهادي بشرى.. الخ, واذا وافقت الجماهير, في هذا او في غيره من الاقاليم, على الطرح الذي يراه كل من يرفض فصل الدين عن الدولة, فإن ارادة الجماهير هي الآمرة والناهية, وهي التي تجب كل ما قبلها. ان مصائر الشعوب تقررها الشعوب بنفسها ولا يميلها عليها كل متقعر او متفيقه او مناع للخير معتد اثيم, او كل من قرأ كتابا لـ (سيد قطب) و(أبي الأعلى المودودي) . وأيا كانت الخيارات والسناريوهات المطروحة امام السودان فإنها جميعا يجب ان تمر من بوابة الاختيار الحر الديمقراطي, فقد انتهى الزمن الذي يسيطر فيه نفر قليل على حكم البلاد عن طريق انقلاب عسكري, وصب زخم اعلامي شرس على آذان الناس, ومحاولة فرض رؤية سياسية اجتماعية معينة. ان حواء ليست عقيما, وفي بلاد السودان الرحبة آلاف الشعوب والقبائل والمصالح والثقافات وانماط التفكير, وكل سوداني يضرب على صدره ويقول ما قال الخليل عام 1938: مرفعينين ضبلان وهازل شقو بطن الاسد المنازل نبقى حزمة كفانا المهازل نبقى درقة وطني العزيز الوحدة سر النجاح القادم, سر السودان الجديد, ولا وحدة بلا ارادة حرة واختيار حر وديمقراطية حقيقية ومساواة بين الجميع.