بقلم: نجيب عبدالله الشامسي إن العلاقة بين الثقافة بمفهومها الشامل والموروث الشعبي بأشكاله المختلفة من ناحية, والانسان الاماراتي والتنمية في مجتمع الامارات من ناحية أخرى, تعتبر من أهم القضايا التي يجب ان تولى اهتماما كبيرا سواء من قبل المؤسسات الثقافية والعلمية او مجموعة الباحثين والدارسين في دولة الامارات العربية. وتأتي اهمية هذا الموضوع لكونه يتعلق بالبنية الثقافية لمجتمع الامارات التي اعتراها الكثير من التشوهات في ظل غياب التشخيص الموضوعي والأمين للواقع الاجتماعي والثقافي, مع عدم وجود استراتيجية ثقافية من شأنها النهوض بالشخصية الاماراتية التي بدت عليها بعض مظاهر الضعف فأصبحت منكفئة عن دورها الفاعل وعن الاضطلاع بمسئولياتها في البناء والتنمية الاجتماعية وتحقيق الاهداف التي يسعى إليها المجتمع والانسان في الامارات. ان دخولنا في القرن الحادي والعشرين معناه اننا في مواجهة انقلاب خطير في المفاهيم والادوات والآليات وعلى مختلف المسارات, اقتصادية كانت أم اجتماعية او ثقافية, الأمر الذي يتطلب منا العمل جاهدين على ترميم العلاقة بين الثقافة والانسان في المجتمع الذي من شأنه ان يضع التنمية في مسارها الصحيح بعد ان يحقق الانسان درجة عالية من الفهم لدوره وواجباته وحقوقه, وبعد ان يكون على دراية بالمستجدات والمتغيرات والتطورات العالمية واستحقاقات القرن الحالي وتحدياته. وحينما نبحث في ترسيم هذه العلاقة ونتناول الثقافة في مجتمع الامارات يبرز دور الموروث الشعبي باعتباره حجر أساس في وضعية الثقافة ورافدا مهما وحيويا لها, حيث يحتاجها الانسان في مواجهة متغيرات العصر ومتطلبات المرحلة المقبلة, وباعتبار ان هذا الموروث يسهم في بناء شخصية الانسان ويجسد هويته الوطنية ويخلق فيه شعورا بالانتماء والولاء لهذه الارض. وفي هذا الاطار سوف نعمل على تشخيص الواقع الثقافي لتحديد مظاهر تراجع الواعي والاسباب المؤدية اليه ثم نحدد ضرورات التنمية الثقافية ودور الموروث في تحقيق تنمية ثقافية فعلية والمحافظة على هوية الثقافة الوطنية. وقفة مع الواقع بعد مضي أكثر من ثمانية وعشرين عاما من عمر الدولة يجدر بنا أن نقف وقفة موضوعية نشخص من خلالها حقيقة التطورات التي شهدتها الدولة خلال مرحلة البناء والتعمير السابقة على مختلف المسارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لنبين حقيقة تلك التطورات بايجابياتها وسلبياتها على المشهد الثقافي. إن ما يعنينا هنا هو المشهد الثقافي الذي حدث في الامارات بغية تشخيص واقعه وملامحه ونقاطه المضيئة وتحديد سلبياته او الخلل الذي اصابه, كي نعمل سويا على معالجة تلك السلبيات من خلال عناصر القوة التي حدثت فيه, وصولا الى دفع مسيرة التنمية الثقافية وتعزيزها لمواجهة المتغيرات السريعة التي حدثت, والتطورات المحتملة, وتحديد الهوية الثقافية لمجتمع الامارات ومدى الاثار التي اعترت تلك الهوية بسبب التحولات السريعة التي حدثت في المجتمع. لقد شهدت فترة الثمانية والعشرين عاما الماضية تأسيس العديد من البنى والمؤسسات الثقافية التي انيطت بها مسئولية التنمية في هذا المجال, حيث قامت بتنظيم معارض كتب وتشكيل وندوات ومحاضرات ومهرجانات فنية وثقافية سعيا الى مواكبة التطورات المتسارعة في المسار المادي الذي حدث بفعل الطفرة الاقتصادية, الأمر الذي يجعلنا نتساءل بعد تلك الفترة الى اي مدى اسهمت معطيات العمل الثقافي في بناء الانسان المنتمي والعارف والمدرك لحقيقة وجوده وانتمائه؟ الى أي مدى اسهمت الثقافة في المحافظة على الهوية الوطنية؟ واين يكمن دور الموروث الشعبي في تلك الثقافة في ظل توفر امكانيات مادية كبيرة لتلك المؤسسات الثقافية الرسمية والاهلية لاسيما الرسمية منها؟ ان تشخيصنا للواقع الثقافي يشير الى ان تعامل تلك المؤسسات مع الفعل الثقافي لم يكن بالمستوى الذي يحقق اهداف التنمية الثقافية ويحصن الهوية الثقافية لانسان الامارات, كما ان مخرجات الثقافة التي اضطلعت بها كافة المؤسسات بما فيها الاهلية لم تحد عن التأثيرات السلبية للتطور المادي السريع الذي حدث في الامارات بفعل الطفرة الاقتصادية التي خلخلت الكثير من المفاهيم والقناعات الثقافية بحكم وسائل وانظمة التعليم واساليب الحياة والسياسة الاعلامية الاستهلاكية التي تستورد الفاسد من الثقافة وتهمش الجاد والنظيف, وقد برزت تلك التغيرات على شخصية الانسان وهويته الثقافية والاجتماعية التي ادت الى تراجع الوعي الثقافي في المجتمع وبرزت مظاهره من خلال ما يلي: مظاهر تراجع الوعي ان المتغيرات العالمية الجديدة التي سوف تفرض واقعا مغايرا سوف يملي على المجتمعات العربية عامة, والمجتمعات العربية الصغيرة خاصة, اسلوبا مختلفا فالعولمة ومتطلباتها قد ظهرت اعراضها في مجتماعتنا العربية او التعامل معها. فتراجع الوعي الثقافي في المجتمع وخلو وعاء الثقافة من الاصالة وروح الانتماء لهوية الوطن سوف يؤديان الى تخلف ثقافي يتبعه تخلف اجتماعي واقتصادي يجعل المجتمع ـ أيا كان ـ مسلوب الارادة ضعيفا في مواجهة معطيات العولمة ومتغيرات العصر. ومجتمع الامارات هذا (المجتمع الصغير) الذي يواجه تحديات كبيرة داخلية كانت ام خارجية مطالب بتحصين ذاته في مواجهة تلك التحديات, ولكن مظاهر لتراجع ثقافي قد برزت في المجتمع, الامر الذي ينعكس على هويته وشخصية افراده, وهذه المظاهر اصبحت سمة المجتمع والخشية ان تشكل اسبابا للضعف والخلل وبالتالي فقدان الهوية والشخصية!! وهي تتمثل فيما يلي: 1) تفشي الثقافة الاستهلاكية التي جاءت بفعل ضعف المستوى التعليمي اساسا, حيث ان الضعف في مستوى ونوعية التعليم اوجد بيئة ضعيفة سهلت اختراق الثقافة الاستهلاكية الفاسدة للمجتمع, وساعد على ذلك توفر وسائل اعلام روجت لتلك الثقافة التي احكمت فعل الوعي, ولعل ما يدلل على ذلك تنامي شرائح المجتمع خاصة من الشباب والناشئة وانغماسها في ثقافة استهلاكية غربية حيث الاندفاع لدرجة الهيام وراء كل اشكال الثقافة الغربية وقشورها (ملابس, دراجات, تقليعات الشعر, بيوت الليل. الموسيقى الغربية.. وغيرها) مع التمرد على كل ما هو اصيل وكل ما يمت بصلة الى اصالة المجتمع وموروثه وجذوره التاريخية. 2) حدوث خلل واضح في الوعي الثقافي لمجتمع الامارات اكدته المعايير السلوكية التي وشم بها المجتمع, ومن تلك المعايير علاقة الانسان بالانسان او علاقته بالكائنات الحية الطبيعية ومفردات الزمن حيث ان نظرة الانسان ودرجة وعيه بأهمية تلك المعايير قد تأثرت سلبا بحكم المتغيرات المعيشية. 3) تفشي الأمراض الاجتماعية التي لم تكن موجودة بهذا التطرف في مجتمع الامارات مثل المخدرات, الطلاق, العنوسة, التفكك الاسري وضعف التواصل الاجتماعي, وتحكم المصالح. 4) تفشي الامراض النفسية والسيكولوجية بين افراد المجتمع كالقلق والأرق والانزواء والتقوقع والخوف. 5) انتشار الامراض السلوكية كالكذب والنفاق والانانية وعدم احترام المواعيد.