بقلم: يحيى المصري ما زالت المنطقة العربية في حاجة شديدة لآليات مالية جديدة تدفعها إلى التقدم وتمنع التردي الذي حدث في دول جنوب شرق آسيا - رغم توافر مؤسسات ومنظمات مالية عديدة - آليات مالية قوية تضع المقاييس اللازمة للوقوف ضد الأزمات ومنع حدوثها, وتبث الوعي المالي والنقدي وتعمل على توفير الحوافز التي تشجع المستثمرين العرب على استرداد أموالهم من الخارج واستثمارها داخل بلادهم وفي وطنهم العربي. لقد بلغت الاستثمارات العربية في الخارج, وفقا لما ورد ببعض المصادر الدولية كالبنك الدولي, حوالي 680 مليار دولار أمريكي, وهي الأموال التي تستثمر حاليا عن طريق البنوك الأجنبية في شكل حسابات جارية وودائع لأجل, وعن طريق بورصات الأوراق المالية في شكل أسهم وسندات. كما يستثمر جزء كبير منها في عقارات وفي مشروعات صناعية وتجارية, ولا شك ان هذه الأموال لن تصعب اعادتها إلى المنطقة العربية طالما توافرت لها الآليات المالية المناسبة والمشجعة والتي يمكن عن طريقها الحصول على مزايا لا تقل عن المزايا التي يحصل عليها المستثمرون العرب حاليا في الخارج. ومن هذا المنطلق تم افتتاح سوق دبي المالية في الاسبوع الماضي بحضور سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي تفضل باعطاء اشارة البدء لانطلاق عمليات هذه السوق المالية, والتي ستكون إن شاء الله بداية عهد جديد لسوق الأسهم المحلية, كما تفضل سموه باعطاء التوجيهات اللازمة لايجاد الوسائل الكفيلة بتعزيز مكتسبات سوق الأسهم المحلية والحفاظ على مصالح المستثمرين والمتعاملين بالسوق, ومن خلال توفير فرص متكافئة لكافة الأفراد والمؤسسات للاستثمار في الأسهم المحلية والقضاء على التجاوزات والسلبيات التي سيطرت على تعاملات السوق غير الرسمية في السنوات الماضية. لا شك ان افتتاح هذه السوق سيكون فعلا بداية عهد اقتصادي ومالي ونقدي جديد نحو الازدهار والتقدم, وذلك من خلال متابعة السياستين: السياسة الداخلية وما بها من أنظمة تتعلق بالسيولة والتضخم وتوجيه المدخرات إلى مسارها الصحيح والمجدي الذي يحقق عمليات البناء والتقدم, والسياسة الخارجية التي تحقق التوازن مع الخارج من معاملات منظورة وغير منظورة, بحيث تمنع العجز الشديد والفائض الكبير, لان كليهما غير مطلوب وينعكس سلبيا على سياسات داخلية وعلى سعر العملة. ولكي تحقق السوق المالية الجديدة هذه الأهداف, فإن هناك عوامل يتعين أن تؤخذ في الاعتبار في مجال النشاط الجاري للبورصة أو متابعة عملياتها المستقبلية, ومن بينها: أولا - بدأت السوق بتعاملات ثماني شركات في اليوم الأول, ثم ارتفع في اليومين التاليين إلى عدد أكبر من الشركات, ووصلت قيمة تداولها إلى 20 ألف سهم في اليوم الثالث, كما توقعت مصادر من الوسطاء أن تشهد السوق تحسنا ملحوظا خلال الفترة المقبلة, سواء على صعيد فتح الحسابات أو في عدد الشركات المدرجة. وإذا كانت الشركات تتزايد في طلب الادراج بالسوق بهذا الشكل الكبير, فإنه لا يتعين أن يفتح الباب لها دون ضوابط, حيث لابد من التأكد من المسيرة الاصلاحية لكل شركة تطلب الادراج, وتقييم دراسة الجدوى لكافة عملياتها الماضية, وعلى أن تبنى هذه الدراسة على النتائج المحاسبية ونتائج المعاملات مع العملاء ومدى القيام بتحقيق الأهداف التي نشأت من أجلها, مع إلقاء نظرة تقييمية سريعة على الذين يديرون الشركة وتاريخهم الإداري والفني. ثانيا - التركيز على توافر مركز معلومات مالي يضم كل ما يتعلق بالأوضاع المالية للشركات المدرجة بالسوق لخدمة المستثمرين والراغبين في الشراء بحيث يمكنهم الحصول على المعلومات الضرورية عن أي شركة فورا ودون تأخير, خاصة ان المعلومات اليوم أصبحت جوهرية لكل من يتخذ قرارا سليما. وفي السنوات السابقة رأينا في بعض البورصات العربية ان بعض المستثمرين يأخذون قرارهم بطريقة عشوائية واعتمادا على الشائعات, وهو ما أدى إلى ضعف هذه البورصات وإلى زعزعة الأوضاع المالية في الدول التي تعمل بها, ومن هنا كانت أهمية مراكز المعلومات المالية حيث توفر البيانات الرقمية والمحاسبية لكل شركة مدرجة مما يساعد على إقبال المستثمرين على استثمار أموالهم في شراء أسهم الشركات الناجحة. ثالثا - ومن تجارب دول جنوب شرق آسيا التي سقطت بورصات الأوراق المالية في بعضها, فإنه يتعين أن ننظر بعين حذرة إلى الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة التي تتركز في عمليات السوق وشراء الأسهم والسندات, ولا نعتبر ان زيادة هذه الاستثمارات انجاز ما لم يساعد على تحقيق الأهداف التي تسعى إليها الدولة في دعم وزيادة الانتاج السلعي الذي يقف أمام المنافسة الأجنبية. وفي هذا الصدد فإنه يتعين وضع الضوابط اللازمة لحركة رؤوس الأموال الأجنبية والتي تساعد على الوصول إلى أقصى استفادة منها, علما بأن ذلك لا يتعارض مع تملك المستثمرين الأجانب حصصا في أسهم الشركات المدرجة, كما لا يتعارض مع الالتزام بتحرير الأسواق وتعزيز تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى الدولة, لانها مبادئ أصبحت عالمية وتسود كافة المجتمعات الحرة خاصة في ظل نظام (العولمة) . رابعا - تلجأ بعض البورصات إلى وضع حدود أعلى وحدود دنيا لتقلبات أسعار الأسهم, فلا تسمح بزيادة سعر السهم إلا في حدود 5% على سبيل المثال, أو بانخفاضه في حدود هذه النسبة, وذلك حتى لا تؤدي التحركات الواسعة في الأسعار إلى التأثير السلبي على أوضاع بعض الشركات, أو إلى انهيار كامل لسوق الأوراق المالية كما حدث في يوم الاثنين الأسود بالولايات المتحدة الأمريكية حيث وصلت خسارة بعض المليونيرات فيه إلى أكثر من مليار دولار خلال دقيقة واحدة. ولا شك ان وضع هذه الحدود لا يتم إلا في ضوء دراسات واسعة, وان كانت هناك ضرورة في الاستفادة منها, وقد تمت من قبل في بعض بورصات الأوراق المالية العربية ولكنها تغيرت حاليا على ما أعتقد, وهو ما يتطلب من إدارة السوق اجراء دراسة عن ايجابيات وسلبيات هذا النظام. خامسا - منذ سنوات جرى ربط بين بورصات الأوراق المالية في كل من الكويت ولبنان والقاهرة, وهناك اتجاه حالي للتوسع في هذا الربط حتى يضم الكثير من بورصات الأوراق المالية العربية, وهو ما يمكن أن يساعد على زيادة رؤوس الأموال المباشرة وغير المباشرة بين الدول العربية والتي لا تزيد حاليا على حوالي 8% فقط, كما يدرس حاليا الربط بين بورصات الدول العربية والخارج, وهو ما يتطلب أيضا دراسة توضح سلبيات وايجابيات هذا الربط بالاستفادة من تجارب بورصات دول جنوب شرق آسيا التي انهارت في لحظات, وعلى ان توضح هذه الدراسة كيفية الاستفادة من هذا الربط وأثره على استرداد الأموال العربية المستثمرة في الخارج, خاصة وقد أصبحت الأموال تنتقل من دولة إلى أخرى في ضوء مصالح شخصية وبعيدا عن الاهتمام بالمصالح القومية. سادسا - يتعين أيضا أن نستفيد من تجارب دول جنوب شرق آسيا في الحد من المضاربات ومحاولة منعها, لانها كانت العامل الرئيسي في أزمات هذه الدول, وكما أوضح الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا, فإن المضاربات الواسعة التي كان وراءها (جورج سوروس) أكبر مضارب في العالم, والذي قيل انه يستطيع أن يسقط دولا بالكامل, هذه المضاربات يتعين منعها وبكافة الطرق والوسائل الممكنة, وهو ما يتم حاليا في أغلب الأسواق المالية العاملة في المنطقة العربية, ولا شك ان ذلك يقتضي تشكيل مجموعة خبراء عرب يدرسون ويضعون خطة لمنع المضاربات الخطيرة في أسواق الدول العربية, ولكي تعمل هذه البورصات بعيدا عن المضاربات وفي ظل أوضاع نظيفة وبشفافية كاملة, ويمكن أن يقود هذه المجموعة صندوق النقد العربي. سابعا - هناك هدفان أعتقد انهما لن يغيبا عن المخططين للسوق الجديد: الهدف الأول هو تشجيع الاستثمارات المحلية بتوجيه المدخرات اليها في اقامة مشروعات ومصانع وشركات كبيرة وقوية تؤدي إلى عدم لجوء المستثمرين المحليين للاستثمار في الخارج, وذلك بتوفير المزايا التي يحصلون عليها في الدول الأجنبية, والهدف الثاني هو تشجيع المستثمرين المواطنين على استرداد أموالهم من الخارج واستثمارها داخليا في المشروعات المحلية والعربية, وهو ما يساعد على تكوين كتلة عربية اقتصادية موحدة تؤدي إلى تنمية الأقاليم العربية الفقيرة ودعم التنمية في الأقاليم العربية الغنية, وبالتالي تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في كافة أنحاء المنطقة العربية. ثامنا - وأخيرا أقول انه يتعين أن تكون هناك لجنة دائمة لمتابعة عمليات السوق وأوضاع الشركات المدرجة, وعلى أن تقوم هذه اللجنة بوضع تقرير يومي عن عمليات المتابعة مدعما باقتراحات بشأن اجراء أية تعديلات في لوائح وأنشطة السوق, مع بيان بالايجابيات والسلبيات التي تظهرها عمليات السوق ليكون أمام المسئولين ويساعدهم في اتخاذ القرارات المناسبة لانجاح هذه العمليات والتخلص من السلبيات, ومع التركيز على متابعة حركة رؤوس الأموال الأجنبية غير المباشرة التي تأتي للربح السريع والكبيرة والتي يمكن أن تخرج إذا لم تحقق ذلك, وبصرف النظر عن الأضرار التي قد تواجه السوق في حالة التكالب على الخروج منها. إننا نعيش اليوم في عالم (العولمة) وفي ظل تغيرات دولية حديثة, قد تجلب السعادة للجميع, وقد تجلب العكس, وهو ما يدعو إلى اليقظة والحيطة, مع الحذر الشديد, والتمسك بمبادئ الانطلاق والتحرر المنظم, وعلى ألا ننسى ضرورة التنسيق المستقبلي مع الأسواق المالية العربية تمهيدا للدمج العربي الشامل الذي يمليه عصر الكيانات الاقتصادية الكبرى.