بقلم: جيمس زغبي اتخذ نائب الرئيس الامريكي آل جور, مؤخرا موقفين مثيرين بخصوص قضيتين, هما اصلاحات التمويل الانتخابية, والمعركة الدائرة حول حق حضانة إليان جونزاليس, الصبي الكوبي ابن الخمس سنوات الذي تحطم القارب الذي كان يقله امام شواطىء فلوريدا, في نوفمبر 1999 قبل انقاذه من الغرق. ويرى بعض الناخبين ان من سوء حظ نائب الرئيس الامريكي ان نتائج الخطوتين الاخيرتين قد ألغى بعضها البعض الآخر, وأضرت عجلته الانتخابية الرئاسية اكثر مما افادتها. وفي حيثيات معالجاته للتمويل الانتخابي كان جور يحاول تحقيق عدد من الاهداف. فعلى الرغم من التجاوزات التي شابت حملة كلينتون ـ جور 1996, فإن جور كان فعلا من الانصار القدامى لاصلاح التمويل الانتخابي. وقد هددت مشكلات 1996, خصوصا زيارته المعبد البوذي في كاليفورنيا لجمع التبرعات, والمكالمات الهاتفية لجمع التبرعات التي اجراها من البيت الابيض, بزعزعة حملته عام 2000. فعمد جور للإعلان عن مجموعة من الاقتراحات القوية للاصلاح التمويلي الانتخابي, لينأى بنفسه عن هذه الاتهامات, وليرسم لنفسه صورة البطل الاصلاحي. وتعتمد اقتراحات جور في جوهرها على تخصيص 7.1 مليارات دولار كمنح لتمويل الانتخابات الاتحادية. والهدف من ذلك هو انهاء جمع التبرعات, باعتبارها جزءا من العملية السياسية, وبالتالي التخلص من التجاوزات والفضائح الموجودة في صلب النظام الحالي. ووفق كل الاعتبارات فإن اقتراحات جور مثيرة ومزعجة بالنسبة للكثير من اصحاب المصالح بحيث لا يمكن تطبيقها. وستواجه على سبيل المثال معارضة قوية جدا من جماعات الضغط التي تمول السياسيين والتي تهدف اقتراحاته للتخلص منها. لكن هذا لا يمنع ان اقتراحات نائب الرئيس الامريكي وافكاره ستصبح منارا للجدل وتقدم مزيدا من الدعم لتحدي النظام القائم. كما انها ستمكن جور من ابعاد انتباه العامة عن مشكلاته عام 1996, والمساءلة فيما يتعلق بأمانته, ليركز انتباههم على السبب الذي يدفع معارضيه الجمهوريين الذين يرفضون اقتراحاته بتغيير النظام الحالي برمته الى تبني موقفهم هذا. وعلى الجانب الآخر, نجح المرشح الجمهوري الرسمي للانتخابات الرئاسية جورج بوش الذي تجاهل الحدود القائمة للتمويل الانتخابي في جمع مبالغ لم يسبق لها مثيل لتمويل حملته 2000. ولذلك فهو ربما يبدو عرضة للهجوم بخصوص هذه القضية. وكانت ردة فعل بوش الأولية على اقتراح نائب الرئيس جافة ومقتضبة: (انه سيفعل أي شيء مقابل انتخابه) وبدت ردة الفعل هذه للكثيرين ضعيفة ومتسرعة. لكن فيما ظهر نائب الرئيس الامريكي وقد اكتسب مزيدا من القوة بالتغطية الاعلامية لاقتراحاته الاصلاحية, تبين انه اضر بنفسه بإجراء آخر قام به بخصوص قضية اخرى غير ذات علاقة. وإذا كان قد سعى لتعزيز مصداقيته, فإن هذا لم يتحقق حينما علق على قضية إليان جونزاليس. لأكثر من اربعة اشهر حتى الآن ظل الامريكيون يتجادلون حول مسألة إليان الصغير, وهو صبي كوبي عمره خمس سنوات غرقت امه وزوجها في البحر حينما كانا يحاولان الهرب من كوبا الى الولايات المتحدة مصطحبين معهما إليان. تم انقاذ إليان بعد ان ظل طافيا على وجه الماء 40 ساعة, وسرعان ما اصبح ذائع الصيت بين الجالية الكوبية المهاجرة في فلوريدا والتي يبلغ تعدادها مليون نسمة والعديد منها ناشطون في الحركة المناوئة لكاسترو. ذهب إليان لمنزل خاله الذي اقسم على ان الصغير لن يعود الى كوبا ابدا. لكن والد إليان في كوبا طالب باستعادة الصبي, فيما أخذ فيدل كاسترو يحرك الكوبيين للمطالبة بأن تعيده الولايات المتحدة, وهكذا أصبحت قضية إليان قضية متفجرة في الولايات المتحدة. ومن جانبها تصرفت ادارة الرئيس كلينتون بحذر. واصرت وزارة العدل والرئيس على القول بأن الامر هو بين يدي القضاء الذي يعمل وفق قوانين الهجرة, الحالية لكن المحاكم, وفي مرتين منفصلتين قضت بضرورة اعادة الصبي الى والده. (بالطريقة نفسها التي حكمت احدى محاكم فلوريدا الاسبوع الماضي بإعادة صبي اردني الى والده الامريكي الاردني, وسمحت للاثنين بالعودة للأردن) لكن هذين القرارين اغضبا الجالية الامريكية الكوبية واستمرت عائلة إليان بالقضية لتستأنف أمام المحاكم الاعلى. وخلال الانتخابات الاولية استغل المرشحون الجمهوريون القضية ليصعدوا انتقاداتهم للادارة وتعهدوا بأنهم لو كانوا في السلطة لاعطوا إليان الجنسية الامريكية فورا وسمحوا له بالبقاء في الولايات المتحدة. وحينما وجد هؤلاء بأنهم اصبحوا يناقضون دعمهم القوي (لقيم العدالة) استطردوا بأنهم يجب ان يعطوا الجنسية الامريكية لوالد إليان ايضا ويسمحوا له بالمجيء للولايات المتحدة. كان استغلال قضية إليان على هذا النحو أمرا معيبا, ولا يمكن تبرئة الإعلام الامريكي والامريكيين الكوبيين والسياسيين والحكومة الكوبية من اللوم. وتعرض امام الكونجرس الآن مسودة قانون يطالب بتجاهل قرارات المحاكم واعطاء إليان الجنسية الامريكية. لكن المسودة هذه لا تتمتع بفرص طيبة للنجاح بسبب المعارضة الواسعة للافراط في تسييس قضية إليان بين صفوف المشرعين الاكثر تعقلا على كلا الجانبين الحزبين. لكن حينما اعلن نائب الرئيس جور الاسبوع الماضي انه سيصطدم مع ادارته وانه سيؤيد الآن مسودة القانون امام الكونجرس لاعطاء إليان الجنسية شعر العديد من الديمقراطيين بالصدمة, ونظر البعض لهذه الخطوة على انها محاولة لمغازلة الناخبين الامريكيين الكوبيين وهم الكتلة الانتخابية التي قد تكون حاسمة لكسب الانتخابات في فلوريدا (وهي رابع أكبر ولاية امريكية). وقال أحد انصار جور هو خوسيه سيرانو عضو الكونجرس عن نيويورك: (ان افهم بأنه يحاول الحصول على الناخبين في ميامي, لكن يجب ألا يفعل ذلك على حساب الصبي) وهدد سيرانو بعدم حضور المؤتمر الديمقراطي. كذلك فقد هددت عضوة اخرى في الكونجرس هي ماكسين وتررز, وهي ديمقراطية عن كاليفورنيا بأنها (ستعيد التفكير في دعمها لجور اذا ما اتخذ هذا الموقف السياسي) . لكنها تراجعت لاحقا عن هذا التهديد مع استمرارها في التعبير عن استيائها من موقف نائب الرئيس. وما اغضب هؤلاء الديمقراطيين هو ان المجموعات العرقية الأخرى لا تحظى بمثل هذه المعاملة التفضيلية, التي حصل عليها الكوبيون, وأن الامريكيين الكوبيين على الرغم من قرار جور سيصوتون كالمعتاد للجمهوريين. وبعد اليوم الأول من التغطية الاعلامية السلبية لاعلان جور, حاول نائب الرئيس ان يوضح وجهات نظره, فأولا ادعى بأنه لم يغير موقفه, وانه أصر دائما على ان حل القضية يجب الا يكون في المحاكم الفيدرالية. وأضاف: (إذا ما قال الأب على ارض حرة بأن ابنه يجب ان يعود الى كوبا, حينها يجب السماح له باستعادته) . ولم يذكر جور القانون المقترح ابدا. وهذا ما اضاف بعض الاضطراب بالنسبة للمحللين وليس التوضيح للمسألة. يذكر ان وزارة العدل الامريكية وبعد اصدار المحاكم لآخر قراراتها طالبت عائلة جونزاليس بالالتزام طوعا بتسليم الصبي للمسئولين اذا ما خسروا الاستئناف. لكن العائلة لم ترفض الالتزام بذلك فحسب, بل ان آلافا من الامريكيين الكوبيين خرجوا الى الشوارع واحاطوا بمنزل جونزاليس. وتعهد هؤلاء بحرق القانون ومنع اي مسئول من الوصول الى الصبي ولزيادة الطين بلة, قال محافظ ميامي الامريكي الكوبي داديه كونتي بأنه لن يأمر شرطة ميامي بفرض القانون وايقاف المتظاهرين وهذا عمليا وضع لميامي والجالية الامريكية الكوبية خارج النطاق القضائي للحكومة الاتحادية وهي حالة حرجة مفعمة بالمضامين الخطرة. وفي هذا السياق فإن قرار نائب الرئيس جور بالانشقاق عن ادارته ومساندة الامريكيين الكوبيين قد زاد من التعقيدات لخططه الانتخابية في نوفمبر المقبل. ويعترف مديرو حملة جور بأن ذلك يوحي بتوقه لمنافسة جورج بوش على اصوات فلوريدا. لكن المحللين يتشككون على كل حال بأن خطوة جور ستدفع بالعديد من الامريكيين الكوبيين فعلا للتصويت له, هذا ان لم تكلفه خسارة بعض الانصار الآخرين. على كل حال فمن المحتمل على نحو اكبر أن حملة بوش لن تبذل المزيد من الجهود في فلوريدا وهي الولاية التي يأمل مديرو حملته ان يكسبوها بسهولة باعتبار ان جيب بوش شقيق جورج هو الحاكم الحالي لها. ثم ما من شك بأن موقف جور المضطرب بشأن قضية جونزاليس قد اربك العديد من اقوى انصاره الديمقراطيين وابعدهم عنه, كما أن الجمهوريين قد نعوا عليه محاولاته التودد للناخبين الامريكيين الكوبيين. فهل جعلت هذه العملية جور عرضة للتهمة ذاتها التي حاول التهرب منها وهي أنه (سيفعل اي شيء مقابل انتخابه) هذا هو ما قاله منافس جور الديمقراطي بيل برادلي خلال الانتخابات الاولية. وهو ما يقوله الجمهوريون الآن.