بقلم : نايف حواتمه كل اوجاع الشعوب العربية تستدعي اليوم قبل الغد عقد القمة العربية الشاملة بروح المصالحة النقدية الشجاعة, فمن أخطأ عليه ان يعترف بالخطأ و(الاعتراف بالخطأ فضيلة) وصولا للمصالحة العربية المشتركة. الجميع يتلمس في بلادنا العربية ان العشرية الاخيرة من السنوات حملت من التشققات والانهيارات والتنازلات الفلسطينية والعربية الكثير والكثير, بينما حقق المشروع الصهيوني الامبريالي الكثير من مخططاته التوسعية. فرئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك بنى من وحدات المستوطنات في القدس والضفة وجنوب قطاع غزة (6500) وحدة سكنية اكثر مما بنى خلال ثمانية شهور رئيس الوزراء اليميني السابق بنيامين نتانياهو طيلة ثلاث سنوات فقد بنى (5000) وحدة سكنية, وباراك يلبس (القفازات الحريرية) التي يلوح بها, كما واصل تدمير البنية التحتية في لبنان وحول نور بيروت الى ظلام, وفي الوقت نفسه يواصل الكلام المعسول حول السلام. بينما لم ترتفع ردود الفعل العربية ومنسوبها الى الحدود الدنيا مما هو مطلوب. وبصراحة وشفافية استطيع القول من خلال المعروفة والمعلومة بأن من يمانع عقد القمة العربية اولا هو الادارة الامريكية التي تضع كامل قواها الضاغطة على العرب لمنع عقد قمة. ان هذه الادارة استخلصت من تجاربها سهولة التعاطي مع كل عاصمة عربية وحدها, بينما تجد صعوبة في التعاطي مع كتلة عربية واحدة, حيث تضع القمم القرارات المشتركة التي تراعي المصالح الوطنية لكل بلد وكذلك القضايا القومية المشتركة, فالادارة الامريكية اتبعت هذا الاسلوب منذ حرب 73 وفك الاشتباك على الجبهتين المصرية والسورية الى ان تم انهيار التضامن العربي بإحتلال الكويت وحرب الخليج الثانية. والسبب الثاني لتعطيل القمة برغم شكاوى ومطالبات النخب السياسية والاجتماعية هو (الموروث الاجتماعي العربي) وما يتولد عنه من سيكولوجية ومن خصومات عربية تطغى فيها العلاقات الشخصية والفردية على المصالح الكبرى للاقطار والانظمة والشعوب, ولهذا نجد انفسنا في خصومات عبثية تهدر الطاقات الكبيرة للامة العربية, لذا ليس من المصادفة ان نسمع حديثا متكررا عن تحفظات لهذه العاصمة او تلك على القمة العربية من موقع الخصومات الشخصية والعلاقات بين الافراد. ان حجم المناورات الامريكية وحجم الصراعات العربية التي لا تنبع من المصالح الوثيقة للامة مكنت المشروع الصهيوني من العربدة, ومكنت الادارة الامريكية من ادارة لعبة الضغوط والتوازنات بما يخدم المصالح الاستراتيجية العليا لواشنطن, وهو الامر الذي تستثمره الدولة العبرية في مشروعها التوسعي الاستيطاني في سياق مفاوضات طويلة تجرجر نفسها منذ عشر سنوات مع الطرف الفلسطيني وباقي الاطراف العربية. تداعيات الحالة الشعبية العربية من مظاهرات في الجامعات في مصر وفلسطين ولبنان, عقب القصف الاسرائيلي لمحطات الكهرباء اللبنانية اوائل فبراير 2000, دقت اجراس الخطر امام الجميع وبدأت معها خطوات تتفاعل ممثلة بزيارة الرئيس المصري حسني مبارك الى بيروت وكذلك زيارتا الامير عبدالله ولي العهد السعودي ووزير خارجية الكويت والدعوات المستمرة للاردن والجزائر وتونس وللشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات لعقد قمة عربية شاملة. كل هذا يؤشر الى تلمس العديد من العواصم العربية وخاصة الفاعلة في الخليج والشرق الاوسط ضرورة السير في التضامن العربي. هذه التحركات تفرح شعبنا الفلسطني والعربي, وتعطينا الامل في الانطلاق وشمولية التجمع لعقد قمة عربية. فمهما كانت ضغوط الادارة الامريكية فإنها لا تستطيع تفكيك القاعدة الشعبية العربية ولجم عملية الوقوف العربي ـ كتفا الى كتف والدفع العربي نحو تسوية سياسية كاملة تقوم على قرارات الشرعية الدولية بالعودة الى حدود 67 على كل الجبهات وضمان عودة اللاجئين. وعلى المسار الفلسطيني يأتي في السياق ذاته ضرورة استئناف الحوار الوطني الشامل الذي كان قد قطع خطوات أولية في القاهرة (23 اغسطس 1999) وفي دورتي المجلس المركزي لمنظمة التحرير (غزة, ابريل 1999, فبراير 2000) كذلك اعادة بناء ائتلاف منظمة التحرير لانها اوسع بكثير من السلطة الفلسطينية (التي تشكل فريقا من الشعب على جزء من الارض بينما منظمة التحرير هي الائتلاف العريض والمرجعية لكل شعبنا في الوطن والشتات, لتولي شئون المفاوضات في اطار حلول شاملة عبر قرارات الشرعية الدولية) . بكل الاحوال المفاوضات على المسار الفلسطيني هي الاكثر تعقيدا من أي جبهة عربية اخرى, لانها تجري بينما الصف الفلسطيني غير موحد على برنامج سياسي جديد مما يترك المفاوض الفلسطيني ضعيفا امام الدولة العبرية الاسرائيلية. وطالما الوضع الفلسطيني هكذا, فالوضع سيظل معقدا تجاه القضايا الكبرى التي لا تتعاطى معها اتفاقات اوسلو ووضعتها في المجهول (القدس ـ اللاجئون ـ المستوطنات الحدود والمياه....). ان القضايا الكبرى هي التي تمثل اعمدة وجوهر القضية الفلسطينية, فقد تم منذ بدء مفاوضات الوضع الدائمة في 13 ايلول 1999 حتى الآن عقد اكثر من 40 جولة من المفاوضات لم تكن مثمرة. واجتماع ياسر عرفات وباراك الشهر الماضي فشل لأن المفاوض الاسرائيلي طرح مشاريع توسعية كبرى, مثل القدس الكبرى وضم المستوطنات بمايتجاوز 40 بالمئة من اراضي الضفة الفلسطينية, ويرفض وقف الاستيطان كما يرفض ان تكون هناك حدود فلسطينية مع الاردن ومصر ويطرح في خرائطه الاحتفاظ بشريطين حدوديين مع هاتين الدولتين, بالاضافة الى رفض عودة ولو لاجىء واحد. ان باراك طرح على ابو عمار بأن الوصول الى اتفاق في سبتمبر المقبل غير ممكن واقترح تأجيل الاتفاق الى سبتمر العام 2001 مضيفا ان التوصل الى اتفاق على اطار مبادىء سيتطلب تنفيذه حوالي خمس سنوات خطوة خطوة (عودة لسياسة اوسلو) اما قضية القدس واللاجئين فتحتاج الى ما بين 10 و 20 سنة. وعندما طالب عرفات بوقف الاستيطان حتى تبقى الأرض التي يجري التفاوض, عليها أجاب باراك بوضوح ان الاستيطان في القدس خارج البحث, والاستيطان في الضفة لن يتوقف ولهذا السبب انتهى بالفشل اجتماع (ايريز) يوم 2 فبراير الماضي. والآن تتكرر حالة الهروب الى امام باتفاق عرفات ـ باراك ـ دنيس روس (رام الله 8/3/2000) بنقل المفاوضات الى واشنطن بعد عيد الاضحى, فقط اعلن روس باسم الاطراف الثلاثة ان هدف مفاوضات واشنطن الوصول الى اتفاق الاطار (اعلان مبادىء آخر) بسقف ايار المقبل وبعدها يبدأ التفاوض على المرحلة الثالثة من اعادة الانتشار التي نص عليها اتفاق اوسلو والتي كان تاريخ تنفيذها بسقف عام 1996 ودخل الآن الالفية الثالثة. وبمقاربة بسيطة نستطيع القول بأن الامور اسهل على الجبهتين السورية واللبنانية وانه مهما اصاب المفاوضات من تقطع ومن عدوان على لبنان الصامد ومقاومته الشجاعة, فإن المفاوضات ستستأنف خلال اسابيع, وتحقيق اتفاق خلال العام الحالي امر ممكن لان حجم الاطماع الاسرائيلية في الاراضي السورية يمكن لجمها بالصمود السوري, ولأن طريقة المفاوض السوري مختلفة حيث انها تقوم على مرحلة واحدة مع تمسك سوري بضرورة رحيل المحتلين والمستوطنين من الجولان الى ما وراء خطوط 4 يونيو 1967. ان نجاح الموقف العربي والفلسطيني يعتمد على اعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية من جانب واعادة بناء الحالة العربية بقمة شاملة والتضامن العربي من جانب آخر, وبدون هذا فدهليز تداعيات وتنازلات اوسلو يتواصل بينما نهب الارض والاستيطان لا يتوقف.