بقلم د. محمد خالد الأزعر على مسافة من عمليات التجاذب وعض الأصابع التي تدور حول مآل مسيرة التسوية العربية الاسرائيلية, هناك حالة من التشادّ والحرب الباردة تتعلق بانتاج النفط وأسعاره. وبشيء من المبالغة, لنا ان نفترض صلة ما بين هاتين الحالتين. مسيرة التسوية تخص حقوق بعض العرب ومستقبلهم على الصعيد السياسي, ومسيرة النفط الانتاجية والسعرية تخص أيضا بعض العرب من زاوية حياتهم الاقتصادية. هذه الملاحظة تكفي وحدها لتلمس الصلة بين ما يجري على ضفتي السياسة والاقتصاد العربيين.. غير ان ثمة ما يغري بمزيد من التأمل في هذا الاطار, أبرزه, ان الولايات المتحدة الأمريكية طرف أصيل وفاعل على هاتين الضفتين. فأينما ولينا وجوهنا وجدنا بصمات السياسة الأمريكية وآثارها. هي في عملية التسوية وسيط وراع ومصمم للمشروعات والأفكار, ومن المؤكد أنها ليست محايدة تماما ولا نزيهة القصد بين العرب واسرائيل. وهي في معركة أسعار النفط الباردة عنصر نشط الى أقصى الحدود, يسعى حثيثا الى نتيجة تتسق ورؤاه الذاتية, بمعزل عن تداعيات ذلك على اقتصادات المنتجين, لاسيما العرب منهم. والواقع أنه جاء حين من الدهر, كان يتم فيه الربط تلقائيا بين قضيتي النفط والحقوق السياسية العربية, لكن هذا الزمن العربي مضى وانتهى فيما يبدو تماما. وليس أدل على ذلك, من ان أحداً لم يلتفت, ناهيك عن ان يربط بين هاتين القضيتين في الوقت الراهن. بصيغة أخرى, فإنه لم يخطر ببال أحد على المستويات الرسمية والشعبية العربية وغير العربية, مجرد تصور وجود علاقة بين ارتفاع أسعار النفط بشكل معقول مؤخرا (لأكثر من 25 دولارا للبرميل) وبين توظيف النفط لخدمة القضية السياسية العربية في غمرة التسوية. لقد ذهب الزمن الذي عرف النداء الشهير حول (النفط في خدمة المعركة) , والآن لايجرؤ أحد على رفع نداء بديل ولو في حدود شعار (النفط في خدمة التسوية العادلة) , وبذلك يحق القول أو الادعاء بأننا نعيش عهد الانفصال الكامل بين مساري النفط والسياسة في الحياة العربية الدولية وعلائق العرب بالآخرين في زمني الحرب والسلم. مؤدى ذلك, أنه ليس ثمة شبهة في استدعاء النفط لساحة السياسة العربية, وان ارتفاع أسعار النفط حدث يجري على خلفية حسابات اقتصادية صرفة. ويدخل في تحديد هذه الحسابات أطراف مستفيدة غير عربية, كبقية دول الأوبك والدول المنتجة خارج الأوبك فضلا عن الشركات الأمريكية والأوروبية.. الخ. ومع ذلك فإن التصرفات الأمريكية حيال ما تدعوه واشنطن بأزمة الانتاج والأسعار تكاد تحاكي سوابق سلوكها حين كان النفط العربي أميل الى التسييس. فالذي يفهم من رد الفعل الأمريكي المحموم في التعامل مع مستجدات أسعار النفط, ان واشنطن تتطلع الى اخراج النفط العربي من حقل الاقتصاد ذاته, بعدما أفلحت جهود عزله عن السياسة. وهكذا يقول الأمريكيون مالايفعلون في الاقتصاد كما هو شأنهم مع السياسة, إذ ان تحديد الانتاج للتأثير في الأسعار بما يخدم اقتصاديات المنتجين مسألة تقتضيها أبسط قواعد السوق الحرة. وتنسيق المنتجين للنفط, داخل أوبك وخارجها, ينسجم وما يحدث بالنسبة لسلع أخرى كثيرة, لكن السياسة الأمريكية لها رأي آخر. إنها تتطلع الي تغذية عجلة انتاجها بنفط منخفض السعر وحينما يتم لها ذلك, تذهب الى تعزيز احتياطها ومخزونها الاستراتيجي بالشرط ذاته. وبذلك يكون المنتجون مسؤولين ليس فقط عن الاحتياجات الحقيقية الأمريكية من النفط, وإنما أيضا عن تموين المخزون الاستراتيجي الأمريكي النفطي, وبالتداعي, فإنه بدلا من ان يتحكم المنتجون في تسعير النفط, يصبح الأمر بيد السياسة الأمركية. وذلك بأن تلجأ واشنطن للاحتياطي المخزون والتخفيض المؤقت لمستوى الاستيراد, حين تود إجبار المنتجين على خفض الأسعار. لقد نجح هذا التكتيك مطولا. وكان أساس نجاحه حالة التنافس بين منتجي النفط داخل الأوبك وخارجها, الأمر الذي لم يمكنهم من استخدام آلية خفض الانتاج عند هبوط الأسعار. غير ان اتفاق بعض كبار المنتجين كايران والسعودية على خفض الانتاج العام الماضي, أحبط الأسلوب الأمريكي, وقاد الى استنزاف جانب كبير من المخزون النفطي الأمريكي وارتفاع الأسعار الى ثلاثة أمثالها وهو مالم يحدث منذ أكثر من عشر سنوات. وهنا, فإنه بدلا من ان تنصاع واشنطن لقواعد السوق التي تدافع عنها ليل نهار, اتجهت الى الاجراءات اللاإقتصادية. فنشطت ضغوطها على بعض الدول المنتجة للنفط (الحليفة) وادعت ان خفض الانتاج ورفع الأسعار يهدد الاستقرار والاقتصادي العالمي (كذا..), واستنفرت المستهلكين الآخرين في أوروبا واليابان لمظاهرتها وصولا الي استصدار قوانين أمريكية تجرم عمليات رفع الاسعار وتلوح بفرض عقوبات على المنتجين. وتتوقف جدوى هذه الضغوط التي تضرب تحت حزام الاقتصاد, على مدى تماسك المنتجين, وقدرتهم على مجابهتها, وهو ما يمكن التشكيك فيه, بحكم المداخل التي تربط بعضهم بواشنطن في ما يتعدى العلاقات الاقتصادية والسياسية المعتادة, وقد ظهرت تجليات هذه الحقيقة سريعا, حين انشطرت الدول المنتجة بين من يفضلون رفع الانتاج لخوض الأسعار بحسب الرغبة الأمريكية, ومن يعارضون ذلك. تعلم واشنطن ان النفط العربي بات خارج دائرة التوظيف السياسي. وتدرك انه مهما بلغت ايرادات النفط العربي من ارتفاع, فانها ما عادت تفي بمتطلبات تنمية حقيقية في العالم العربي, ومع ذلك مازالت السياسة الأمريكية حريصة على ادارة النفط انتاجا وتسعيرا, على نحو يرسخ القناعة بأن الطاقة النفطية سلعة لايقع قرار استخدامها في السياسة أو الاقتصاد خارج الادارة الأمريكية.