بقلم صلاح عيسى أعادتني حكايات (مصطفى بهجت بدوي) عن سبتمبر 1942, إلى الوراء حوالي عشرين عاما, لا تذكر حكايات سبتمبر 1971 وما بعده, وهو التاريخ الذي عرفته فيه, وعملت تحت رئاسته حين كان رئيسا لمجلس إدارة وتحرير جريدة (الجمهورية) القاهرية. والحقيقة أن عنوان الكتاب قد أثار فضولي, ذلك أن شهر سبتمبر 1942, لا يرتبط في الذهن بأي حدث عام, يمكن أن تكون له حكايات تستحق ان تروى في كتاب, فلم تنشب فيه حرب, ولم تقم فيه ثورة , ولم تحدث فيه لا نكبة ولا نكسة, فما الذي يدعو رجلا عاقلا حصيفا مثل مصطفى بهجت بدوي الى تأليف كتاب عنه؟! وهو سؤال تكلفت صفحات الكتاب الأولى بالاجابة عنه, فالحدث الذي دفع إلى تأليف كتاب عن حكاياته, قد لا يبدو ـ للوهلة الأولى ـ مهما لأحد, إلا له, ولمئة وتسعين آخرين من خريجي الكلية الحربية الملكية المصرية, تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول, ملك مصر, فمنحهم رتبة ملازم ثان, وعين حضرات الأفندية المذكورين ضباطا في الجيش المصري.. ومن محاسن الصدف أن كان من بينهم حضرة الملازم ثاني مصطفى رياض بهجت بدوي, الذي لابد انه يتابع ذلك التجديد المذهل في الكتابة التاريخية, التي اتسعت في السنوات الاخيرة المجالات التي تهتم بها, وازدادات تخصصا, فلم تعد تقتصر على التأريخ للعظماء والصعاليك, بل اصبحت تؤرخ لكل شيء, من كرة القدم, الى طوابع البريد, ومن التأريخ لشباك الصيد, الى التأريخ لملابس الرقص, فما الذي يحول دون التأريخ لدفعة سبتمبر 1942 من خريجي الكلية الحربية المصرية؟! فكرة فنية باهرة رغم بساطتها الظاهرة.. اوحى بها خيال يملك فضولا لاحد له للتأمل في تلك العلاقة المعقدة بين الانسان والانسان, وبين الانسان والزمن, لذلك اختيار عينة من البشر تبدو لمن لا يعرف أحدا من افرادها, عينة عشوائية مطلقة فهي دفعة: مجرد صف في مدرسة او جامعة يضم 191 شابا قضت ظروف دراستهم بأن يقيموا داخل معهدهم طوال سنوات الدراسة, فنشأت بينهم علاقات زمالة وصداقة ومودة على امتداد شهور دراستهم, ثم ودع كل منهم حياة الطلب, وودع الآخر, وتعاهدوا على اللقاء ثم انطلقوا الى رحاب الدنيا, اذ الزمن اربعينيات القرن, وكانت سنوات حرب, وسنوات مخاض وسنوات احلام عظيمة. وتأتي الخمسينيات ثم الستينيات.. وتتعاقب العقود, وتتتابع الندوب, فإذا بعمرالدفعة يقترب من الخمسين, وإذا بأعمار افرادها تقترب من السبعين, إذ ذاك, قرر مصطفى بهجت بدوي ان يسرح وراءهم في نصف القرن الذي انقضى, باحثا كيف توزعت بينهم الحظوظ, وكيف اشتبكت بينهم الخيوط, وماذا فعلوا بالزمن.. وفعل فيهم الزمن؟! فكرة فنية باهرة تصلح لرواية ملحمية, وبطلها الثابت هو الزمان في المكان, وابطالها المتغيرون هم البشر, بما يتفقون فيه, وما يختلفون حوله, بصدقهم وكذبهم.. وبنبالتهم ونذالتهم.. أما الذي سوف يثير فضولك اكثر في هذه الرواية, فهو ان الدفعة التي يترجم لها مصطفى بهجت بدوي من دفعات الكلية الحربية الملكية المصرية, هي واحدة من الدفعات التي شكلت فيما بعد عسكريتاريا الاربعينيات العربية وذلك الجيل العربي الذي أتيح له بعد ذلك التاريخ بعشر سنوات, ان يشارك في رسم تاريخ الوطن والامة فيقوم بثورات, ويحدث انقلابات ويكتب صفحات جديدة من التاريخ. وسوف تلهث بالقطع وانت تجري بين صفحات الكتاب, لتتعرف على صلة دفعة سبتمبر 1942 بالساسة والسياسة, ودورها فيماجرى وما كان, وبسبب انشغالك بذلك, فلن تنتبه الى ان المؤلف قد اوهمك في البداية انك مجرد قارىء لحكايات سبتمبر 1942, فإذا بك تكتشف عند وصولك الى نقطة النهاية, أنك تحولت من أحد قراء الملحمة, الى احد ابطالها, واذا بك تخرج من الكتاب على صورة غير التي دخلت بها بين دفتيه في قلبك ندوب, وعلى وجهك جروح, وفي روحك قروح! في البداية نحن امام 150 شابا تدور اعمارهم حول العشرين, تتعالى ضحكاتهم في قاعات الدرس وفي طوابير التدريب, وتتوالى مشاغباتهم مع زملائهم واساتذتهم وقادة صفوفهم من الدفعة الاقدم.. ثم يتخرجون من الكلية الحربية, ليبدأوا حياتهم العملية كضباط في الجيش المصري, ويتوزعون بين اسلحته واداراته متخمين بآمال لاحد لها لانفسهم وللوطن, يقتحمون بجسارة, مستقلا لم يكن أحد يعرف ملامحه وان كان الجميع يثقون انه سيختلف بالقطع عن الماضي. اما عند النهاية, فقد توزع افراد الدفعة بين مصائر لاحبة لتنوعها فكان من بينهم شهداء خاضوا الحرب العربية الفلسطينية الاولى, وماتوا في اول فصول المأساة, وكان بينهم ثوار شاركوا في الاعداد لثورة 23 يوليو 1952, وفي الحكم باسمها, وساهموا في تغيير الواقع المصري والعربي, ثم اختلف بعضهم مع بعضهم, فانتقلوا من خانة الثوار الأبرار الى خانة المتآمرين الفجار, وتحولوا من حكام الى متهمين واصبح قضاتهم هم زملاءهم السابقين, وعانوا مذلة التجريد من السلطة والسلطان, ومع تعاقب الفصول وتعاقب الازمان, اختلف بعضهم في انفسهم, فحاربوا ما كانوه: شاركوا في الثورة بحماس.. وشاركوا ـ بعد ذلك في القضاء على انجازاتها بالحماس ذاته.. عينة عشوائية, توهمك ان عشوائيتها مطلقة, وكأن المؤلف قد وقف على ناصية الزمان, ثم احتجز اول 151 انسانا يمرون عليه وادخلهم الى معمله يجري عليهم فحوصه الاكلينكية المعقدة, يحللهم سيكولوجيا ويشرحهم سياسيا ويفسرهم تاريخيا. وسوف يدهشك ان أداته الوحيدة في اجراء كل هذه التحاليل والفحوص هي الحكي.. فهو لا يضع في اذنيه سماعة طبية, وليس في معمله وحده للأشعة فوق الصوتية ولكنه يمارس التحليل استنادا الى الحكي.. فهو يحكي والمفحوص يحكي والزمن حولهما يحكي.. وهذا الحكي لايسير في سياق واحد, ولا يلتزم بموضوع واحد ولكنه يتبع اسلوب تيار الوعي, وينتقل من الحكي عن احد افراد الدفعة الى الحكي عن استاذ من اساتذتها ويتقافز بين الازمنة والامكنة والانفعالات فهو يضحك ويبكي او هو يضحك كي يبكي وهو يغزل من الاشخاص والاحداث بردة متداخلة الالوان يتيه فيهايصرك ويذوب معها قلبك وهو قد جمع دون قصد, بين المواويل والتواشيح والتقاسيم والقصائد والادوار والطقاطيق والملاحم البطولية والاغنية القصيدة والخاطفة.. لكنه يلف ويدور ثم يعود الى ذكريات 5 يونيو 1967, وكأن كل الطرق تقوده الى هذا التاريخ وكأنه جوهر تاريخ دفعة سبتمبر 1942 وجوهر تاريخ العسكريتاريا العربية.. وكأن المؤلف لا يريد للاجيال التالية من العسكريين العرب ان تنساه.. من بين السعداء الذين استشهدوا في احد الفصول التمهيدية فلم يشاهدوا الستارة وهي ترتفع عن فصول المجد والصعود, ولم يتجرعوا آلام السقوط من بين اشعة الشمس, كان (سعد حنفي حسن) أذكى ابناء دفعة سبتمبر 1942 اللماح الحاضر الذهن المرح البسيط الجسور المعتز بكرامته الذي استشهد في 2 يناير 1949 في واحدة من عمليات الحرب العربية الاسرائيلية الاولى.. وهو يقود دبابة خفيفة لا تصمد أمام عدو.. يقول مؤرخ دفعة سبتمبر 1942 متحسرا ان بريطانيا عرضت على مصر ان تشتري مائة دبابة عام 1946 فاعتذرت بعجز الميزانية ولو كانت قد اشترتها لما قامت دولة اسرائيل! ولو ان ذلك قد حدث فلربما عاد سعد حنفي من مهمته في حرب 1948 منصورا وليس شهيدا.. لكنه على اي الاحوال مات شهيدا وسعيدا, لأنه لم يعش حتى يرى 5 يونيو 1967 وما جرى بعده, فذلك هو القانون الذي يستند اليه مصطفى بهجت بدوي في تفسير التاريخ, تاريخ دفعته وتاريخ كل دفعة بعد ذلك تخرجت من الكلية الحربية أو من اي كلية او لم تتخرج على الاطلاق. لذلك قاد الحكي مصطفي بهجت بدوي الى حكاية لا تتعلق بأحد افراد دفعته, فذات يوم من يوليو 1967 مر علي صبري امام منزل المرحوم مصطفى المستكاوي, الذي كان زميلا له شاء حسن حظه ان يموت في ابريل فقال معلقا: لقد حسدته لانه مات قبل ان يشهد الكارثة التي نعيشها. ويعلق مصطفى بهجت بدوي قائلا ان هذه الحكاية على سلبيتها من اشد ما قدرته لعلي صبري.. ربما لكونه في هذه الحكاية قد شاركني همومي وهموم المصريين بصورة صريحة ومأساوية. وهو يتذكر يوما من اكتوبر 1948 واثناء الهدنة الاولى في الحرب الاولى يسميه 5 يونيو الاول مصغرا, كان مقررا ان تزور جبهة القتال فيه (الفريق فوزية) ـ شقيقة الملك فاروق وامبراطورة ايران السابقة ـ على رأس مجموعة من اللواءات والفريقات من بنات الذوات اللاتي تطوعن للخدمة العسكرية الطبية واردتين سترة كاكية وجوب كاكي وحصلن على رتب عسكرية شرفية, واستعد الجيش للاحتفال بمقدم الفريق فوزية واركان حربها بالطريقة المصرية والعربية التي ما زالت سائدة الى اليوم. وقبل الاحتفال بيوم واحد, وفي عز البروفة ظهرت في سماء الحفل اسراب من طائرات الداكوتا فظن الذين يقومون بالبروفة انها طائرات مصرية وانها جاءت لتقوم هي الأخرى ببروفة نهائية على دورها في الاحتفال فإذا بالطائرات تلقي قنابلها على مسرح البروفة مع ان الهدنة كانت معلنة, ومع ان العرب قبلوها بعد رجماءات وضغوط, ومع اسرائيل لم تكن تملك قبل هذه الهدنة سوى عدد من الطائرات شبه الورقية. وكان هذا الهجوم هو اول خرق اسرائيلي لقرار الهدنة.. وترتب عليه قطع الطريق بين أسدود والمجدل من ناحية وبين غزة من الناحية الاخرى.. مما فرض على القوات المصرية ان تنسحب الى غزة. لكن تقاليد الاحتفالات قبيل العدوانات الاسرائيلية او بعدها لم تتوقف.. ففي 4 يونيو 1967 كانت حفلة الطيران الشهيرة التي سبقت العدوان بساعات, وذات يوم من عام 1974 دعي مصطفى بهجت بدوي, وغيره من رؤساء تحريرالصحف المصرية, الى لقاء عاجل مع رئيس الجمهورية, واقتيدوا الى غرفة عمليات القوات المسحلة وتركوا هناك ساعات, عرفوا بعدها ان الرئيس السادات, كان مشغولا بتمثيل ما وقع في اكتوبر 1973, امام التلفزيون الامريكي, الذي كان يسجل برنامجا حول حرب اكتوبر, وطلب من السادات, ان يعيد تمثيل اجتماعه مع قادة القوات المسلحة قبل لحظات من الحرب, فقبل.. وبعد ان أدى دوره في البرنامج الأمريكي, استدعى رؤساء التحرير, ليروي لهم ما جرى. وفي 6 اكتوبر 1978, وأثناء الاحتفال بالعيد الخامس لنصر اكتوبر ظهر السادات لأول مرة, بذلك الزي الذي اقتبسه من الأزياء العسكرية البروسية الألمانية, وهو يسير بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة ـ مشية الأوزة ـ ليتلقى تحية قائد طابور العرض, وعلى حين غرة, شاهد مؤرخ الدفعة أحد أبنائها.. رجلا ذا لحية, ارتدى الزي العسكري برتبة فريق, يخطو معهم بخطوة الأوزة, ولم يكن الغريب ان الرجل قد ترك لحيته تسترسل, وهو تقليد غير معمول به في القوات المسلحة المصرية, لكن الغريب ان الرجل كان قد ترك القوات المسلحة من قديم الأزل, وبرتبة رائد لا برتبة فريق. كان الرجل هو (حسن التهامي) الذي كان واحدا من (تقاليع) دفعة سبتمبر 1942, ومن أعجب ألغاز ثورة يوليو 1952, ولم يكن ممكنا ان تفوته تقليعة مثل تلك دون ان يشارك فيها. وقد يقول قائل: هذا ما انتهت إليه ثورة 23 يوليو بشكل عام, وإذا كانت الثورات يدبرها الدهاة, وينفذها الشجعان, و يكسبها الذين ليسوا من هؤلاء ولا أولئك, فإن ثورة 23 يوليو, قد انتهت بأن كسبها السادات وحسن التهامي واضرابهما. لكن مصطفى بهجت بدوي لا يقول ذلك, لذلك يحكي لك عشرات الحكايات عن دفعة سبتمبر 1942, لتكشف جانبا من قصة الوطن في جانب من قصة هذه الدفعة, التي ضمت رجالا كثيرين لعبوا أدوارا هامة في تاريخ الوطن, وتوزعوا بين الجيش وبين ادارات الدولة السياسية والمدنية ومؤسساتها الاقتصادية والاعلامية وسلكها الدبلوماسي, نجحوا وفشلوا, وانجزوا ودمروا, وصعدوا إلى جوار النجوم, واحترقوا مع الشهب, وكانوا كالعاصفة التي صنعت مجد الوطن, وصنعت هزيمته, ومنحته افراحا لا تحصى ودموعا لا تكف. وبين هذه الحكايات, يبدو الزمن وغدا حقا, فهو لا يعطيك الفرح إلا بفادح الألم, ولا يتركك تعرف مصيرك من أول سطر, لذلك تتقلب الدنيا بأبناء دفعة سبتمبر 1942, وتتوزع بينهم الحظوظ, فتستقيم حياة بعضهم, وتضطرب حياة الآخرين, وينتهي رئيس هيئة الامدادات العسكرية إلى صاحب بوتيك, ويقرر واحد نظيف الضمير والجيب, ان يعمل سائقا للتاكسي لأن معاشه لا يكفيه وتنتهي الحياة بأحدهم وهو صاحب مقهى بلدي في ميدان باب اللوق. وبينها ايضا ستكتشف نوع مصطفى بهجت بدوي, هذا النوع الذي تكمن عظمته الحقيقية, في قدرته على ان يظل شريفا, مهما كانت الظروف التي تحيط به صعبة وداعية لغير ذلك. لذلك لم يدهشني ان السادات قرر في 11 مارس 1975 واثناء مفاوضاته مع هنري كسينجر بشأن توقيع فض الاشتباك الثاني, ان ينقله من رئاسة تحرير وادارة الجمهورية الى الاهرام كاتبا متفرغا, وقال لمحمد حسنين هيكل, الذي كان قد ترك الاهرام هو الاخر مفسرا: ـ مصطفى بهجت ما ينفعنيش.. لا هو.. ولا الشيوعيون الذين معه.. انا داخل معركة مع منظمة التحرير الفلسطينية ومع سوريا.. وليبيا. ولم يدهشني انني وجدت اسمه في طليعة اسماء الصحفيين الذين نقلهم السادات في اعصار سبتمبر 1981 الى العمل في وظائف غير صحفية.. وكان منطقيا تماما ان يقول لزوجته معبرا عن سعادته البالغة بهذا القرار: لو خلت القوائم من اسمي.. كنت سأشعر بالمهانة.. وذلك هو مصطفى بهجت بدوي الذي عرفته في تلك السنوات. اما الذي يسعدني في هذه الملحمة الحزينة الشجية, فهو ان ظل 5 يونيو 1967, لم يغادر ذاكرة هذا الجيل من عسكريتاريا الاربعينيات العرب, وانه لا يزال ينز ألما ومرارة, إذ معنى ذلك ان محو عاره مازال أملا مودعا في جدول أعمال المستقبل.