إلى أين تدفع الولايات المتحدة بالمنطقة العربية من أجل اسرائيل؟ وهل هي لم تعد تبالي بتوليد المزيد من التناقضات العربية ـ العربية طالما يتم تثبيت حليفتها الصهيونية في المنطقة وتتويجها سيدة ومهيمنة عليها؟ ثم ألا تخشى ان ينقلب السحر على الساحر؟ هذه الأسئلة مشروعة, وتجد ما يبررها في كل سلوك أمريكي تجاه الوطن العربي, وآخر ما ظهر في هذا المجال تلك التصريحات المستفزة التي أطلقها أمس (جيمس روبن) المتحدث باسم الخارجية الأمريكية, وقال فيها: (على الدول العربية اقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل عاجلا لا آجلا حتى قبل سلام شامل بين اسرائيل وجيرانها) !! والواقع ان اصرار واشنطن على محاولة فرض التطبيع على الدول العربية في الوقت الذي يتعاظم فيه التعنت الاسرائيلي المعادي للسلام العادل على كل المسارات لا يهدف في النهاية إلا إلى محاولة الوقيعة بين الدول العربية. ففي كل لقاء أمريكي مع أي مسئول عربي أو اسلامي بات (التطبيع) من أهم بنود جدول الأعمال الأمريكي, حتى بات الكثيرون يعتقدون ان مفتاح أمريكا هو في (القدس اليهودية) !! ونيويورك وليس في واشنطن, وأخذ البعض بالفعل يتصرفون على هذا الأساس بمعزل عن متطلبات المصلحة القومية العليا والاخطار التي يواجهها المصير العربي والاسلامي في مواجهة الصهيونية, بينما تزداد اسرائيل غطرسة وعدوانية مع شعورها بانحياز أكبر قوة عالمية إليها دائما. في المقابل فإن الانسان العربي الذي كثيرا ما تمنى صداقة أمريكا وانصافها لقضاياه بات على قناعة كاملة بأن واشنطن لا تكتفي بالانحياز ضده ولصالح اسرائيل عسكريا وسياسيا, وانما هي باتت تزدريه وتعبث بمصيره وهي تعمل بكل الأساليب على فرض التطبيع عليه قبل السلام العادل, بل وتتغافل واشنطن عن كل دروس التاريخ التي تفرض عليها احترام الأمة العربية ذات الحضارة والتي تستمد واشنطن من علاقاتها بها ومصالحها معها جزءًا مهما من قوتها ومكانتها الدولية. وهذه الحقيقة هي التي أخذت تدفع بالشعوب العربية إلى أخذ زمام المبادرة في مواجهة التطبيع على غرار مؤتمر الكويت الناجح الذي جسد ارادة الشعب العربي في منطقة الخليج وعبر عن مشاعر كل عربي في كل مكان, وحيث تقول لواشنطن بلسان عربي مبين ان هناك حدودا للضغوط وللانحياز والاستهتار بالرأي العام العربي, وان الأمة مازالت حية وقادرة على احترام نفسها ومصالحها وحقوقها وفرضها على المستهترين بها. وإذا كان من المأمول ان تعي واشنطن هذه الرسالة فإن عليها ان تدرك أيضا ان اصرارها على سياستها الراهنة لن تكون على الاطلاق في مصلحة السلام أو في مصلحة العلاقات الأمريكية ـ العربية على المدى الطويل.