بقلم: محمود علياء لا مسافة بين الاستجابة الذاتية والوازع الموضوعي للعمل الاعلامي, واجتماع الذاتية مع الموضوعية هو التقاء الفكر بالفن لايصال الخطاب الاعلامي بالشكل المناسب الذي يخدم الهدف المنشود, والذي يصب بالتالي في خدمة المجتمع بمعاناته وقضاياه وتطلعاته ويرفض تهميشه في عالم تحكمه المصالح. فالخبر جوهره الصدق ودقة الرواية, والرأي يسمو بالموضوعية والتجرد, والخبر والرأي كلاهما من الحقيقة والى الحقيقة ينسجان واجب الرسالة الاعلامية, في الرصد, وفي التكريس او في التغيير والمهم هو جلاء الرؤية ووضوح القصد... وفي هذه القرية الكونية الصغيرة التي نعيش اليوم بفضل ثورة الاتصالات التي الغت المسافات, واختزلت الخرائط الجغرافية, وكثفت الزخم في المساومة والتحليل والاجتهاد, ما أحوج الاعلام العربي الى اعادة النظر في الكثير من الطروحات الاقليمية الضيقة, الى صياغة تتلاءم مع عالم بلا حدود, عالم يحترم المجتهد, ويقدر المبدع, ليكون لامتنا العربية مكانها اللائق تحت الشمس في القرن الجديد, المكان الذي يتجذر في اعماق التاريخ, وتعاليم العقيدة, والتفكير الوحدوي الخلاق بالقناعة والمنهجية والهدف, الأمر الذي يفرض على الاعلامي ان يجمع بين الخاص والعام, برسم بياني يرسخ في رسالته الاعلامية ويرقى بمواهبه وخبراته, وتطلعاته. فالموهبة تحتاج الى مناخ صحي تنمو فيه وتترعرع, والفكر يحتاج الى قراءة ودراسة وبحث دؤوب ليلمع ويسطع, وتضاف الى الموهبة والفكر مدارج الممارسة, واطر العلاقات ودوائر المصادر الاخبارية والمعلوماتية وخطوط التمويل السليمة, والاهداف الواضحة والمحددة. فالاعلام تكامل وتفاضل, في التكامل مقومات العمل, وفي التفاضل مستويات الأداء, ثم القواسم المشتركة بين الاجهزة الاعلامية, مع مراعاة اعتبارات الخصوصية والحس الابداعي المسكون بقضايا المجتمع, وهموم الامة, ووحدة التطلعات, عارضا وشارحا, او مدافعا وداحضا, او مستكشفا وساعيا الى تحقيق الافضل, في غمار البحث اليومي الدؤوب عن الحقيقة, من اجل الحقيقة, وخدمة المجتمع. وديننا الحنيف كرس البينة ديدن الحقيقة, وخدمة للحق والخير, واستجابة للاهتمام الالزامي بالشأن العام قولا وعملا وقلبا وهذا اضعف الايمان, وبالتالي الحوار واحترام الرأي الآخر, بمناخ الشمولية, والتزام التجرد, وافق الجماعة.. ومن هنا يبرز الاعلام موهبة وممارسة وحرفة ورسالة, تحتاج الى الفكر بقدر ما تحتاج الى الفن, ليأتي الاسلوب بالخطاب الاعلامي هادفا وبناء وواضحا ومؤثرا. فالاعلام خلاصة هو الخبر الصادق الامين, والرأي الموضوعي الهادف والبناء, والغاية السامية لخير المجموع, والاعلامي من على عاتقه يقع عبء ذلك, ليرقى بالكلمة ويتطور بالابداع ويتفهم معاني التفاضل والتكامل, التفاضل بالاجتهاد والتكامل في مصداقيته لخدمة المجتمع مع الجماعة... ان الملاحقة اليومية للاحداث, وخريطة العلاقات والاتصالات, والقراءات والمقارنة بينها وإعمال الحاسة السادسة في خضم المقروء والمسموع, تذكي الهمة للتدرج في سلم التفاضل والتكامل, فتنمو الموهبة, ويتسع إطار الفكر, وتبدو الرؤية لتحقيق الهدف اكثر وضوحا, لا سيما ونحن نواجه تحديات ثقافية وسياسية وتقنية على مختلف الصعد, اضافة الى مسئولياتنا الالزامية امام اجيالنا الجديدة, لتتفهم موقعها تحت الشمس, وتعرف كيف تحافظ على شخصيتها, وسط صخب الاخذ وإلحاح العطاء, لتبرز الحقائق وترسخ المعتقدات, ويتفاعل الحوار الصحي, وتقف بقوة أمام التحديات وإلا تاهت الرسالة الاعلامية بين التنظير والتفعيل, والحقيقة ونصفها, والاكفاء والادعياء, وما ذنب عين الشمس اذا لم تبصر عين الخفاش في وضح النهار؟! أخيرا.. لعلي أضفت جديدا الى دعوة الحوار التي اطلقها الزميل فؤاد زيدان في مقاله بصفحة قضايا تحت المجهر يوم الاثنين الماضي تحت عنوان (الإعلام بين الفن والفكرة) ويسعدني أن اطالع المزيد من الآراء في هذا المجال من قبل الزملاء الإعلاميين وكل المهتمين بالحوار الفعال حول القضايا الفكرية وهمومنا اليومية.