بقلم: نجيب عبدالله الشامسي تناولنا في الحلقات الماضية ميزان المدفوعات الذي يعكس التطورات المستجدة في القطاع الخارجي لدولة الامارات, واشرنا في الحلقة الماضية الى اهمية الصادرات في التجارة الخارجية للامارات, واكدنا على اهمية الدور الذي يلعبه القطاع الخارجي في اقتصاد مفتوع ويتسم بالمرونة العالية كاقتصاد الامارات, حيث تنعكس التطورات الاقتصادية المستجدة في الساحة العالمية عليه سلبا وايجابا, ولعل ازمة دول شرق آسيا التي حدثت في عام 1997 دليل واضح على مدى الانعكاسات والتأثيرات للقطاع الخارجي للدولة على الاقتصاد الوطني. ونتناول في هذه الحلقة البعد الآخر في التجارة الخارجية (القطاع الخارجي) وهو جانب الاستيراد. حجم كبير اذا كان جانب التصدير يشكل اهمية كبيرة للاقتصاد لما له من تأثير في الناتج المحلي الاجمالي والميزانية العامة وميزان المدفوعات, فإن الدور الذي يلعبه جانب الاستيراد هو الدور الاكبر والاهم في حركة التجارة الخارجية للدولة, فالامارات تعتمد على صادراتها من النفط الخام وبعض المنتجات البسيطة ولكن جانب الاستيراد لعب دورا هاما وكبيرا لاسيما خلال السنوات الاولى من عمر الدولة حيث اعتمدت الدولة وبشكل كلي على حجم الاستيراد من الخارج من سلع غذائية واستهلاكية الى صناعات وسيطة ورأسمالية, وعلى الاخص الصناعات والآليات والمواد الغذائية. وشكلت الواردات من الآلات ووسائل النقل المصنعة ما نسبته 70 في المئة من اجمالي الواردات ويعزى ذلك إلى الرغبة من قبل الحكومات المحلية, والحكومة الاتحادية في تحقيق مشاريع البنية التحتية من طرق ومواصلات, ومن موانىء ومطارات ومن تمديدات الماء والكهرباء ومشاريع الاسكان والتعمير, وذلك بهدف تحقيق تنمية اجتماعية واقتصادية للايفاء بمتطلبات السكان, حيث سجلت الامارات خلال السنوات الاولى من عمرها زيادة في الكثافة السكانية الناجمة عن الهجرة الخارجية الوافدة وانعكس ذلك في زيادة حجم الاستهلاك ثم لعامل آخر وهو زيادة حركة تجارة اعادة التصدير حيث تعتبر موانىء الامارات شريان النشاط التجاري في حركة اعادة التصدير الى مختلف الاسواق الخليجية والعربية وبعض الاسواق الآسيوية المجاورة, ثم لاهمية حركة اعادة التصدير في دخل الحكومات المحلية ولاسيما امارة دبي حيث تشكل تجارة اعادة التصدير (الترانزيت) اهمية كبيرة في دخلها السنوي. انفتاح السوق وبسبب تلك العوامل فإن حركة التجارة الخارجية للامارات ولاسيما خلال السنوات الاولى قد شهدت تسارعا كبيرا تؤكده الارقام القياسية والمبالغ الضخمة التي انفقتها الدولة من اجل الايفاء بمتطلبات السوق من السلع والمواد على مختلف اشكالها وطبيعتها, وقد ساعد على ذلك الانفتاح الكبير لسوق الامارات امام السلع وزيادة الدخل القومي الناجم عن ارتفاع أسعار البترول خاصة في سنوات الطفرة التي امتدت حتى منتصف الثمانينيات, ثم زيادة دخل الفرد وانعكاس ذلك في الطلب الخاص على السلع والخدمات بهدف الانتقال من المجتمع التقليدي البسيط الى المجتمع المدني. لقد لعبت تلك العوامل دورا في جعل الامارات مركزا تجاريا كبيرا في العالم, وامتد ذراعها التجاري الى مختلف قارات المعالم سواء للاستيراد منها او اعادة التصدير اليها, وقد مكن الامارات من ان تلعب هذا الدور وان تشكل هذه الاهمية التجارية وجود موانىء ضخمة ومطارات كبيرة تستقبل اكبر الطائرات واضخمها, ثم التسهيلات الكبيرة والمرونة العالية في حركة التجارة الداخلية والخارجية ثم القوانين والتشريعات المشجعة على وجود حركة تجارية حرة, وكذلك غرف تجارية ودوائر جمارك ساعدت على احداث نقلة كبيرة في حركة التجارة الخارجية لاسيما في جانب الاستيراد. ان مرور السنوات اكد اعتماد الامارات على الاستيراد من الخارج في تلبية متطلبات السوق المحلية, وظل الاعتماد يتزايد سواد كان حجم الاستيراد هذا بقصد تلبية احتياجات السوق المحلية او لاعادة التصدير, الامر الذي جعل جانب الاستيراد يشكل اهمية كبيرة في حركة التجارة, وسجلت أرقام قياسية في ظل الاستمرار في اتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي مع التزايد في الكثافة السكانية ولاسيما الوافدة, اذ تشير البيانات الى ان اجمالي الواردات قد بلغت قيمتها في عام 1995 الى نحو 77.31 مليون درهم كان نصيب الدول الاسيوية منها ما نسبته 44.7%. وخلال السنوات التالية سجلت الواردات تزايدا حتى بلغت في نهاية عام 1998 الى نحو 88.348 مليون درهم كان نصيب الدول الآسيوية منها هو الاكبر حيث بلغت نسبة الواردات من هذه الدول 43.7% وبقيمة بلغت 38.607 مليون درهم, تليها الدول الاوروبية التي بلغ حجم الواردات الاماراتية منها نحو 31.929 مليون درهم وما نسبته 36.1% فيما لم تتجاوز نسبة الواردات من الدول العربية 6.5% وبقيمة 5.699 مليون درهم. ويعزى تزايد ورادات الدولة من الدول الآسيوية خلال السنوات الاخيرة الى انخفاض اسعار السلع في هذه الدول بسبب المنافسة فيها بينها, ولانخفاض عملاتها مقابل درهم الامارات. وبعد.. من خلال تناولنا لطبيعة الاستيراد وحجم الواردات فإنه يتأكد لنا مدى اعتماد اقتصاد الامارات على الخارج وعلى الاسواق العالمية, وعلى الرغم من ان ذلك يؤكد سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تعززها الدولة وتؤكد عليها فإنه يشير في الوقت نفسه الى مدى اهمية التجارة الخارجية في الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية على السواء, خاصة اذا علممنا ان نسبة التجارة الخارجية في الناتج المحلي الاجمالي قد تجاوزت 123% وذلك كما كان عليه الوضع في عام 1997, الا انه وعلى الرغم من ذلك وفي ضوء الاعتبارات المستقبلية فإن معطيات التجارة الخارجية هذه ولا سيما في جانب الاستيراد تؤكد على ضروة مراجعة حقيقية وواقعية لطبيعة الاقتصاد الوطني وللبنية الاقتصادية, ذلك ان الاعتماد على السوق الخارجية في تلبية متطلبات السوق المحلية من السلع والخدمات رغم مرور ثمانية وعشرين عاما ونيف على قيام الدولة. كما تؤكد ارقام الاستيراد بأنها تصاعدية واهمية التجارة الخارجية عالية في الناتج المحلي الاجمالي. وفي ضوء مراجعتنا لهذه الحقيقة والمعطيات فإن الامر يتطلب ويؤكد على: * حقيقة التنمية الاقتصادية في الامارات, حيث تؤكد تلك البيانات على مدى ضعف البناء الاقتصادي الذي لا يحقق جزءا من متطلبات السوق المحلية من السلع والخدمات على الرغم من مرور فترة ثمانية وعشرين عاما. * ان سياسة الباب المفتوح على السوق العالمية لا تعني ابدا الاعتماد شبه الكلي على الواردات العالمية فيما لا تصدر الامارات سوى سلعة رئيسية واحدة هي البترول الخام. * ان الحرية الاقتصادية وسياسة الباب المفتوح لا تعني عدم التحول الى التصنيع والانتاج المحلي لما لهذا الانتاج من اهمية, ليس في الناتج المحلي الاجمالي فحسب وانما في التركيبة السلعية للصادرات والتخفيف من حدة الواردات. * ان تفاقم او تزايد ارقام الواردات من الخارج يشير دون شك الى ان هناك خللا فعليا في السياسات الاقتصادية التي تتبعها الدولة سواء في علاقاتها الانتاجية الداخلية, او سياساتها الخارجية التي تعتمد على الواردات. * انه لو تم استبعاد صادرات الدولة من النفط فإنه سوف يبرز عجز رهيب في الميزان التجاري للدولة حيث الاعتماد الكلي على السوق الخارجية. * يجب ان نؤكد بأن (اعادة الصادرات) على الرغم من حجمها الا انها لا تساهم فعليا في الاقتصاد الوطني اذ لا تفيد الا جزءا بسيطا هو الرسوم التي تتحصل من تلك الواردات المعاد تصديرها نظير خدمات وتسهيلات كبيرة قد انفقت عليها الدولة الكثير من المال كالموانىء والمطارات. * ان الاعتماد الكلي او شبه الكلي على الخارج ليس له ما يبرره في ظل توفر الامكانيات والموارد الطبيعية التي تجعل من الامارات دولة مصدرة بدلا من ان تكون دولة مستوردة, وفيما اذا بقي الوضع على ما هو عليه الآن فإن ذلك يعني تبعية اقتصادية واضحة, وغياب المشاريع الانتاجية, او عدم وجود اقتصاد انتاجي فعلي!! اعتبارات اساسية في ضوء هذه المعطيات يجب التحرك في بناء سياسة للتجارة الخارجية وللاقتصاد عامة تستند إلى الاعتبارات التالية: 1) يجب الاستعجال بوضع خطة او استراتيجية للتنمية الاقتصادية طويلة الاجل تحقق الاكتفاء الذاتي في جانب من متطلبات المجتمع واحتياجاته. 2) حتمية مراجعة السياسات الاقتصادية المتعلقة بالتجارة الخارجية ولاسيما جانب الاستيراد, لما لهذا الجانب من اهمية كبيرة في التجارة الخارجية. ويتم ذلك بالتخفيف من حجم الواردات ولاسيما الواردات التي لها صناعات او انتاج مماثل في سوق الامارات (الانتاج الوطني تحديدا). 3) لابد من العمل على تخفيف النزعة الاستهلاكية في مجتمع الامارات لتخفيف الضغط على حجم الواردات المتزايد عاما بعد عام, مع العمل على الحد من تفاقم الهجرة الوافدة التي تشكل زيادة في الطلب المحلي على السلع والخدمات المستوردة. 4) دعم الصناعات والانتاج الوطني سواء بتوجيه الائتمان نحو القطاعات الانتاجية التي تتوفر لها الموارد الطبيعية, او بتمويل الانتاج المحلي من خلال المؤسسات المتخصصة كالمصرف الصناعي او العقاري او الزراعي ان امكن وذلك بهدف تنمية القطاعات الاقتصادية وتوفير سلع منتجة محليا وعدم الاستمرار في الاعتماد على الخارج. 5) ان الاعتماد على الخارج بهذه الوضعية لتحقيق متطلبات السوق يعني استمرار التبعية الاقتصادية للاسواق العالمية وعدم وجود استقلال اقتصادي, وتكشف مدى تواضع اقتصاد الامارات وعدم قدرته على مواكبة التطورات العالمية. 6) ان الميزان التجاري وبالتالي ميزان المدفوعات سوف يعاني من استمرار العجز المزمن وقد يتفاقم مع الزمن بحكم التطورات الاقتصادية المستجدة في السوق العالمية, اي في ظل اتفاقية منظمة التجارة العالمية والولمة الاقتصادية, الامر الذي يتطلب التخفيف من الاعتماد على الخارج والتمويل بالانتاج المحلي نحو انتاج سلع وخدمات تحل محل الواردات ثم التوجه نحو تصدير سلع وخدمات في اطار خطة تنموية فعلية. 7) يجب ادراك ان تزايد حجم الواردات من الخارج يعني تآكل السيولة والاصول الاجنبية للدولة من العملات, حيث يعني ذلك استنزافا للعملات الاجنبية من الدولة لصالح الدول المصدرة, الامر الذي ينعكس على الاوضاع الاقتصادية وعلى سعر صرف العملة. لذا فإن الامر يتطلب تكثيف الصادرات المنتجة محليا لتقليص العجز الذي يمكن ان يحدث في الاصول الاجنبية للدولة. 8) ان الاتفاق الحكومي اصبح يتزيد في موازنة الدولة ويتجه معظمه الى الانفاق الاستهلاكي مما ادى الى تزايد العجز خلال السنوات الماضية, وهذا الانفاق يتجه في جزء منه لشراء سلع وخدمات استهلاكية لتوفيرها في السوق المحلية لذا فإن وجود ضربية على الاستهلاك من شأنه ان يشكل ايرادا وكذلك يخفف من النزعة الاستهلاكية في المجتمع من خلال تخفيف الطلب على الخدمات الحكومية التي تكلف الدولة الكثير وتقدمها بسعر اقل. في ضوء ما تقدم فإن الدولة ومن خلال اجهزتها ومؤسساتها المختلفة ومنها وزارة الاقتصاد, ووزارة التخطيط ودوائر الجمارك والمؤسسات الاخرى, مطالبة بأن تعي طبيعة المتغيرات العالمية في الساحة الاقتصادية وأن تعمل على تحقيق اصلاحات اساسية في هيكل الاقتصاد الوطني سواء في القطاع الانتاجي التنموي أو القطاع الخارجي اذ ان الاعتماد على مصدر انتاجي واحد وهو النفط سواء في الانتاج او التصدير وفي هيئته الاولية لن يحقق الحضور الفعلي للامارات في الساحة الاقتصادية العالمية في ظل التطورات المتسارعة والتي تؤكد اهمية التحول بالاقتصاد من مرحلة الاستهلاك الى مرحلة الانتاج ومن مرحلة الاستيراد الى مرحلة التصدير, ومن مرحلة الاعتماد على الخارج الى الاعتماد على الذات وتنمية الاقتصاد الوطني في اطار من التنمية الاقتصادية والتخطيط السليم والدقيق لمستقبل الاقتصاد والتنمية وصولا إلى المحافظة على معدلات النمو والازدهار الاقتصادي.