بقلم: عمران سلمان مذكرة النفط مقابل الغذاء التي وقعها العراق مع الامم المتحدة في 30 مارس 1995, ودخلت حيز التنفيذ في ديسمبر 1996, يقترب عمرها الآن من ثلاث سنوات ونصف. ومع ذلك فالمتتبع لنتائج هذه المذكرة, وانعكاساتها على معيشة العراقيين, يصاب بالاحباط والشعور بالمرارة. ربما ينبغي ان نتذكر هنا ان الهدف منها كان تخفيف معاناة الشعب العراقي جراء الحصار الظالم المفروض عليه باعتبارها اجراء استثنائيا ومؤقتا فإذا هي لم تخفف شيئا من هذه المعاناة, وأن هناك من يسعى لتحويلها الى اجراء دائم, ومعبر لفرض الوصاية الاستعمارية على العراق. المستفيد الاكبر من تلك المذكرة هو لجان الامم المتحدة وطالبو التعويضات وبعض المتسببين في ايذاء العراق والاضرار به. ولذلك لن استغرب شخصيا ان أعادت السلطات العراقية النظر في هذه المذكرة, أو امتنعت عن تجديدها, أو بالاحرى امتنعت عن تجديد التزييف والتزوير الذي يتم بأسمها ويتدثر بغطاء الامم المتحدة ومعاناة الشعب العراقي. وقد يكون من المفيد هنا أن نستعرض بعض الحقائق التي رافقت العمل بمذكرة التفاهم. أولا, طوال الفترة الماضية عملت الولايات المتحدة وبريطانيا (ومن خلال عضويتهما في لجنة العقوبات 661), بدأب لا يلين على عرقلة عقود المواد الانسانية المصدرة الى العراق تحت حجج وذرائع واهية ولغاية الشهر الماضي وصل عدد هذه العقود الى (ألف) عقد معلق بلغت قيمتها الاجمالية مليارا و762 مليون دولار. والملفت أن هذه الحجج تصل في احيان كثيرة الى حد السخف وذلك من خلال الاشارة المستمرة الى اصطلاح (الاستخدام المزدوج). والمقصود به هو امكانية استخدام المواد لاغراض مدنية وعسكرية. والسؤال هنا هو: أليست جميع المواد التي يستخدمها الانسان يمكن ان تكون (مزدوجة)؟ أليست الطرق وأنظمة الاتصالات والادوية والاغذية والمختبرات الطبية والمياه النظيفة.. الخ, هي مما يستخدمها المدني والعسكري؟ ثانيا, منذ بدء العمل في البرنامج تؤيد تقارير الامين العام للامم المتحدة الدورية عن تنفيذه بأن الموظفين الدوليين اجروا مئات الآلاف من الزيارات الميدانية للتحقق من ان جميع المواد التي اشتريت ضمن البرنامج وزعت بشكل عادل. واستخدمت للغرض الذي استوردت من أجله. وآخر هذه التقارير تقرير الامين العام الصادر في 22 يناير 1999, والذي جاء فيه انه (وخلال الفترة المشمولة بالتقرير (180) يوما اجرت وحدة المراقبة الجغرافية ما مجموعه (5759) زيارة للمراقبة شملت جميع قطاعات البرنامج في جميع انحاء العراق) . كما قام ملاحظو برنامج الغذاء العالمي بما مجموعه (79120) زيارة (خلال الفترة المشمولة بالتقرير) ولم يؤشر اي من تقارير الامين العام من أي من المواد المستوردة قد استخدمت لغير الغرض الذي استوردت من اجله. وهو ما يفند ادعاءات مندوبي الولايات المتحدة وبريطانيا بعدم وجود مراقبة على توزيع المواد المستوردة ضمن مذكرة التفاهم, او ان العراق هو الذي يتسبب في عرقلة البرنامج. ثالثا, ان هذه العراقيل التي تضعها واشنطن ولندن في وجه انسياب عقود المواد الانسانية وخصوصا فيما يتعلق بالقطاعات ذات المساس المباشر بحياة المواطنين العراقيين وبالذات قطاعات الكهرباء والماء والمجاري والمواصلات ومستلزمات الغذاء بالاضافة الى عقود القطاع النفطي, هذه العراقيل لا تحرم العراق من الاستفادة من المواد الانسانية التي تضمنها العقد نفسه فحسب, وانما في احيان كثيرة تحرمه من الاستفادة من عقود اخرى تمت الموافقة عليها ووصلت موادها الى العراق, ولكنها تشكل مع مواد العقد المعلق مشروعا متكاملا لا يمكن الاستفادة من جزء منه دون وصول الجزء الآخر. مثل عقد الامصال التي وصلت مواده لكن عقد الحقن الطبية ثم تعليقه, أو عقد لقطع غيار لمحطة كهرباء وصل بينما علقت عقد آخر لقطع غيار اخرى لنفس المحطة. رابعا, هناك انواع اخرى من الممارسات التي تستهدف الاضرار بالعراق واستمرار معاناة شعبه, مثل تعمد سكرتارية برنامج النفط مقابل الغذاء, تأخير تقديم العقود الى لجنة (661) ولفترات قد تتجاوز ستة اشهر, الامر الذي يؤدي الى تراكم الكثير من هذه العقود المسجلة لدى البرنامج والتي لم تتم المصادقة عليها لحد الآن, بالرغم من توفر الاموال اللازمة لها. ومن هذه الممارسات قيام الشركة الفاحصة للمواد المراد تصديرها للعراق (كوتكنا) بالمصادقة على مستندات الشحن لمواد مخالفة للمواصفات وارسالها الى البنك المعتمد في نيويورك بغرض التسديد, ومن دون مراعاة الاعتراضات التي تبديها الجهات العراقية, الامر يؤدي الى هدر اموال العراق, والسماح للشركات التي تخالف التزاماتها في العقد بالتهرب من المسئولية القانونية. ومن هذه الممارسات ايضا اصرار برنامج العراق ولجنة (661) على حرمان العراق من اضافة ضمانات حسن الاداء الى العقود الامر الذي يغري الشركات الموردة بتصدير مواد مخالفة للمواصفات المتفق عليها. خامسا, وبسبب كل ما سبق جاءت استقالة منسق الامم المتحدة في العراق للشئون الانسانية سبونيك وكذلك ممثلة برنامج الغذاء العالمي وقبلهما دينس هاليداي. وخلاصة آرائهم ببساطة هي: ان مذكرة النفط مقابل الغذاء لاتستجيب للحد الادنى من الحاجات الانسانية لشعب العراق, وأنه لا بديل عن رفع الحصار الظالم المفروض على العراق منذ عشر سنوات. ان النتيجة الطبيعية التي يمكن الخلوص اليها جراء السياسات الامريكية والبريطانية, هي ان برنامج النفط مقابل الغذاء لم يكن في جوهره, اكثر من حق اريد به باطل. ألا يحق لنا أن نتساءل بعدها: هل من العدل او الانصاف ان يستمر هذا البرنامج بصورته هذه. أليس من المنطقي ان يحتج العراق عليه, ويطالب بدلا عنه برفع الحصار الظالم؟ نعتقد ان الفترة المقبلة ربما تشهد تطورات فيما خص هذا البرنامج, لأنه من العبث أن يبحث الانسان عن الماء في السراب!