بقلم: عبدالله الحوراني إذا كان الثلاثون من مارس, قد اصبح في عرف الجماهير الفلسطينية والعربية يوما للأرض, وعنوانا للدفاع عنها, فإن يوما آخر من مارس, لا يعرفه الكثيرون, وربما لم يسمع به إلا قلة من خارج قطاع غزة ـ بسبب العزلة التي عاشها دوما هذا القطاع, وبسبب طول العهد الذي يفصلنا عن ذاك التاريخ ـ يمكن اعتباره يوما للاجئين وعنوانا لموقفهم من قضية التوطين, وتجسيدا لمدى قدرتهم على التصدي لأي التفاف أو تواطؤ على حقهم في العودة الى ارضهم وممتلكاتهم. لم تكد الساعات الاولى من يوم الاول من مارس عام 1955 تطل علينا مستبقة الفجر, حتى صحت غزة على اصوات القنابل والرصاص, ينفجر في شمالها وجنوبها, فيحصد في ساعات خمسة عشر شهيدا في محطة القطار شمال المدينة, وستة وخمسين شهيدا آخر في نقطة البوليس الحربي عند الحدود الجنوبية للمدينة, سقطوا جميعا في معركة مع القوات الاسرائيلية التي اغارت على المدينة تلك الليلة. لم تكن الغارة الاسرائيلية شيئا غير مألوف, فقد اعتادت اسرائيل على مثل هذه الغارات طيلة السنوات والشهور التي سبقت تلك الغارة, وبخاصة منذ عام 1952, أي عام قيام ثورة يوليو في مصر, واعتادت غزة على تقديم الشهداء, قبل وبعد تلك الليلة, لكن الفاجعة هذه المرة كانت كبيرة ففقدان واحد وسبعين شهيدا, من جنود الكتيبة الفلسطينية الوليدة, في ساعات, لم يكن سهل الاحتمال. وكان الاصعب منه, الظرف الذي يمر به القطاع, في ظل ما تسرب من معلومات موثقة عن اتفاق الجزء الخاص بقطاع غزة من مشروع (جونسون) لتوطين اللاجئين في سيناء. كانت الجماهير تتهيأ للانقضاص على مشروع التوطين حين جاءتها اخبار (المجزرة) بشهدائها الذين تجاوزوا السبعين, فكانت الاشارة التي اطلقت شرارة الانتفاضة الشعبية العارمة في وجه مشاريع التوطين. وسقط شهيد الانتفاضة الاول (حسني بلال) ابن المجدل. ولم يتوقف زحفنا, بل ازدادت خطواتنا ثباتا, وهاماتنا ارتفاعا, واصواتنا هديرا منشدة مع شاعرنا معين بسيسو الذي كان يقود المظاهرات: يا فم حسني بلال الدم سال وقال الموت للتوطين والموت للاحتلال وحين كنا نودع التراب الطهور, الجسد الطهور لعامل النسيج حسني بلال, وطالب المدرسة الاعدادية الشهيد يوسف أديب طه, كنا نقبر الى الابد مشروع توطيننا في سيناء. فلم تذهب سدى تضحيات الشهداء, ولا دماء الجرحى, ولا عذابات المعتقلين الذين سيقوا بالمئات الى غياهب السجون. ولم يكن اسقاط مشروع التوطين, الانجاز الوحيد الذي حققته الجماهير صبيحة الاول من مارس عام 1955. بل ان ذلك اليوم احدث تحولا تاريخيا وجذريا في مسار حكومة الثورة المصرية بقيادة عبدالناصر. فكانت فلسطين حاضرة, مرة اخرى, في فكر عبدالناصر, وتوجهاته, والتأثير في صناعة الاحداث في المنطقة بأسرها, وعلى مستوى حركة التحرر العالمي. كانت المرة الاولى حين تعلم من حصاره في (الفالوجا) عام 1948 أن تحرير فلسطين يبدأ في القاهرة, ومنها. والثانية, حين نبهته جماهير فلسطين في مخيمات غزة, الى استحالة قبولهم بأي بديل عن العودة لديارهم, وإلى أن نجاح الثورة المصرية, واستمرارها مرهون بانسجامها مع إرادة الجماهير العربية في التصدي للعدوانية الاسرائيلية, وليس الخضوع لها, وفي التمرد على الهيمنة الامريكية التي كانت قد منعت عنه تمويل مشروع السد العالي, وليس في قبول شروطها وإملاءاتها. فاتجه الى بناء قوة مصر العسكرية والسد العالي عبر مصادر غير غربية والى تبؤ مكانته, كقائد لحركة التحرر القومي العربية, وكأحد ابرز حركة التحرر العالمية. وإذا كنت اعيد التذكير بذلك اليوم الخالد والمنسي او المجهول في ذات الوقت, لا أفعل ذلك من باب احياء حدث تاريخي, وانما لأن الحديث عن مشاريع التوطين عاد يزكم الأنوف, والتمسك بحق العودة للاجئين بات يقبع على استحياء ـ إن لم يختف ـ في آخر سلم المطالب العربية والفلسطينية في جدول المفاوضات مع اسرائيل, في الوقت الذي تنكر هذه الاخيرة, علنا حق اللاجئين في العودة وتتنصل تماما من مسئوليتها عن مأساتهم وحلها. وهنا اسمح لنفسي ان اقترب من الرؤية الشعبية لهذه المسألة وخاصة في المخيمات وأوساط اللاجئين عموما ـ كوني اطل عليها بصورة يومية تقريبا ـ فهدف عودة اللاجئين الى ارضهم, وعودة ارضهم اليهم يحتل مكان الاولوية في الموقف الشعبي, لا يتقدم عليه اي هدف, ولا تصرفه عنه اية اغراءات مهما حملت من عناوين, كالاستقلال او الدولة, او التعويض. فكيف بالتوطين الذي يرفضه شكلا وموضوعا. ومن يتصور ان الظروف قد تغيرت عن الخمسينيات, بفعل تنامي قوة اسرائيل من جهة, (وتنامي) الضعف العربي من جهة اخرى, بما يمكن ان يعكسه ذلك من احباط لدى الجماهير, في عصر التسويات الامريكية والاسرائيلية المفروضة, فيدفعها للقبول بالتنازل عن حقوقها, فإنه يخطىء الحساب, ويخطىء تقدير الموقف. احد المفاوضين في قضية اللاجئين, (تكرم) والتقى بعدد من الفعاليات الشعبية. ـ وكان ذلك خطوة تحسب له ـ فالمفاوضون عندنا لا يلتقون مع الجمهور, وانما يلتقون بعضهم,. ونظراءهم من الاسرائيليين والامريكيين. وحين اسمعهم مقولاته, واكتشف انهم يعرفون كل السيناريوهات التي يجري تداولها, وربما اكثر مما يعرف. وحين استمع الى آرائهم, اكتشف انهم اكثر وعيا من كل المفاوضين. وأن (حسابات القرايا لديهم, تختلف عن حسابات السرايا لديه) , حدثوه عن ذاكرتهم التي لم تتعب, ولم يداخلها النسيان, وكيف يورثونها لابنائهم جيلا وراء جيل. وعن صبرهم الذي لم ترهقه سنوات الانتظار. ولم ينسوا ان يذكروه بما فعله آباؤهم في الاول من مارس عام 1955. وكان مغزى الرسالة شديد الوضوح.