بقلم: عادل حمودة مجانا.. بلا مقابل.. قتل نصر نصار.. بلا ثمن فقد حياته على الطريق الزراعي.. المقبرة الجماعية التي لاتكف عن ابتلاع الضحايا والقرابين.. اختلط حطام سيارته بحطام جسده.. اخترق الحديد والصفيح خلاياه.. وفاضت روحه وما تبقى من أحلامه وهو لا يصدق أنه بعد دقائق سيغطونه بجريدة لم يكتب فيها.. وسيعلنون نبأ عنه لم يراجعه في غرفة الأخبار المركزية في (ماسبيرو) .. ولن يقدر على تنفيذ الفكرة التي طرأت على ذهن معد برنامجه التلفزيوني (وجها لوجه) عن الموت الرخيص في الطرق السريعة.. الموت بلا معنى.. وبلا مبرر.. وبلا قيمة.. وبلا خبرة. لقد أصبح الموت.. الذي عرف الاحترام والخلود والتقديس والرهبة في بلادنا.. موتا متهورا.. متوترا.. مجنونا.. مخبولا.. بلا عقل.. ينزل من شاحنة كالديناصور ليقفز في سيارة أجرة مصابة بالسعال وروماتيزم المفاصل.. ويخطف سيجارة (بانجو) وهو ينزل من سيارة خاصة تركها مهروسة ليقفز في أول أتوبيس مدارس يصادفه.. وعندما يشعر بالملل يركب قطارا يندفع به الى سوق قرية أو أتوبيس سياحي.. دون أن يترك رسالة انتحار.. أو رسالة اعتذار. فقد الموت في بلادنا نعمة التمييز.. وفضيلة الصبر.. أصبح يطارد من يستحقون الحياة.. ونسي الذين يمكنهم الرحيل.. وعشنا زمنا يدفن فيه الكبار الصغار.. يدفن فيه الآباء الأبناء.. فهل علينا تحويل الموت إلى النائب العام بتهمة اهدار وتبديد الثروة القومية؟ لم أكن في القاهرة لحظة أن سمعت بنبأ مصرع نصر نصار.. كنت في واشنطن أتابع عن قرب أحداث تجهز في مطابخ السياسة الأمريكية لتقدم لنا ساخنة أو باردة أو محفوظة ببهارات (الهوت دوجز) في الشرق الأوسط.. كان كل شيء هادئا على السطح.. زهور شجرة (الشيري) البيضاء تتفتح وكأنها غابة من المصابيح الشاحبة.. في اشارة عاجلة منها بأن الربيع قد بدأ.. ورغم البرد والمطر فقد صدق الناس الاشارة.. فخرجوا الى الشوارع والحدائق بثياب خفيفة ليعلنوا نهاية البرد والجليد والبيات الشتوي.. في هذا المشهد المثير قرأت في صحيفة عربية خبر فشل المبادرة الأمريكية الأخيرة لاقناع سوريا بركوب قطار التسوية.. الذي يقف أكثر مما يسير.. وقرأت خبر نهاية نصر نصار.. ووجدتني لا شعوريا ودون وعي أربط بين الخبرين.. لقد ولد جيلنا نصر نصار وأنا في أيام حرب فلسطين.. أيام وصفوها بالنكبة.. وعندما وصلنا الى عتبة النضج والفهم.. وجدنا أنفسنا في سرادق النكسة.. و لم يكن لنا حق العزاء.. كانت تنتظرنا ألقاب الشهداء.. وعندما أصبح من حقنا أن نقرر ونختار قالوا لنا: ما فات قد مات.. وان اسرائيل المزعومة أصبحت مقبولة ومدعومة.. وان الحرب التي دفنت زهو جيلنا في قبور الرخام انقلبت بقدرة قادر وموهبة ساحر إلى سلام.. ووجدنا أنفسنا على موائد اللئام وقد حرمنا من الكلام.. وفي النهاية تحولت قضية عمرنا وجيلنا من نكبة.. الى نكسة.. ثم الى نكتة. في تلك الفترة العريضة بين النكسة والنكتة عرفت نصر نصار.. كنت في سنوات دراستي الجامعية الأولى في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. وكان هو قد تخرج صحفيا في كلية الآداب.. واحترف الكتابة في مجلة (الشباب العربي) .. وكانت الصوت المبحوح..المكتوم.. المعبر عن منظمة الشباب الاشتراكي.. فقد كنا في سنوات ما بعد الهزيمة.. ولم يكن لأي صوت أن يعلو فوق صوت المعركة.. أو يرتفع عنها.. وكانت هذه هي صدمتي الأولي.. فقد كانت الهزيمة هزيمة سياسية قبل أن تكون هزيمة عسكرية.. وكنا نتصور الخروج منها لابد أن يجري بعملية متوازية.. متشابكة.. متساوية بين تحرير الوطن وتحرير المواطن.. عملية تختلط فيها الديمقراطية والحرية الانسانية بالخطط والمناورات الحربية.. لكن.. كانت مناقشة هذه الأفكار جريمة.. خطيئة.. ستنتهي بهما.. التحذير من زوار الفجر.. والذهاب وراء الشمس. كان نصر نصار رومانسيا.. حساسا.. يحب جمال عبدالناصر وعبدالحليم حافظ وصلاح جاهين ويوسف إدريس ونجيب محفوظ.. ويحب الصحافة والكتابة والقاهرة.. وأمل الشاذلي.. أمل الشاذلي.. التي تحترف الصحافة مثلنا هي من نفس الجيل الذي كان على موعد مع القدر فاذا به على موعد مع الانقلابات الحادة.. والتحولات الحادة.. أقوى قوة ضاربة تحولت الى أسرع قوة مضروبة.. السوفييت ذهبوا والأمريكيون جاءوا.. أنور السادات مشى على طريق جمال عبدالناصر بأستيكة.. الاشتراكية داستها أقدام الموظفين الذين داسوها والشراسة الطفيلية تنكرت في ثياب الرأسمالية.. وفي حمى المسابح التي برزت تتاجر بكلام الله دون أصوات الانفجارات.. وسالت دماء الاغتيالات.. وبدأت محاكم التفتيش والتكفير.. ثم.. كانت اللكمة القاضية.. العدو أصبح صديقا.. والصديق أصبح عدوا.. الذئب تلقى زهور الترحيب من الحملان الصامتة.. واسرائيل.. والقنفد البري.. الصحراوي.. المشرد وجد نفسه فجأة في فراشنا.. في وسط هذه الهيسترية الصاخبة كان الحب هو التعويض العادل.. الوحيد.. كان الحب هو المنقذ الوحيد لمواجهة القبح الذي يحاصرنا من جميع الجهات.. كان الحب هو القرص المهدئ.. المريح الذي أخرجنا من حالة الاكتئاب السياسي المتفشية كالوباء.. وهكذا.. شعرت أن الدنيا مازالت بخير عندما قرر نصر نصار وأمل الشاذلي أن يتزوجا.. ان الحب عندما يتحول الى بيت يصبح الوطن أكثر أمانا.. تصبح سنابل القمح أكثر امتلاء.. يصبح النحل أكثر حماسا للعسل.. وتصبح العيون أكثر رغبة في البريق.. فالأمن العاطفي هو الوجه الآخر للأمن القومي. لكن.. الحب وحده لايكفي.. انه عندما يتحول الى بيت يطالبنا بمصاريف البقاء.. ثمن القهوة التي يشربها مع جريدة الصباح.. ثمن الجدران التي سيحتمي فيها.. ثمن الثياب التي سيرتديها.. ثمن الطعام الذي سيتناوله.. والتاكسي الذي يركبه.. وديوان الشعر الذي سيتغذى عليه.. وفي زمن أصيب فيه الناس بوسواس قهري اسمه الثروة مهما كان مصدرها.. وفي زمن تحول فيه تجار المخدرات والممنوعات الى رجال أعمال ونواب في البرلمان وقطط سمان.. لم يجد نصر نصار وأمل الشاذلي مفرا من السفر والرحيل الى الخارج.. كانت مجلة (الشباب العربي) قد ماتت بالسكتة السياسية.. وكان نصر نصار قد انتقل من الصحافة الى الاذاعة.. ومن كتابة الأخبار الى قراءتها.. فلم يتردد في العرض الجاهز للعمل في القسم العربي بهيئة الاذاعة البريطانية.. فسافر هو وأمل الشاذلي الى لندن.. وهناك لمع صوت نصر نصار ووصل الينا أسرع وأقوى.. أما أمل الشاذلي فقد راحت تعمل في الصحافة العربية المهاجرة الى بريطانيا.. فالحرية هناك لاتمر على رقيب.. والصحفيون لايتبعون إدارة بوليس سكوتلنيدار.. ولم تعد شوارع القاهرة ولا حفلات السينما المكثفة من ثلاثة الى ستة تجمعنا.. بل إن القاهرة نفسها تغيرت.. سايرت الموجة.. مقهى ايزافيتش الذي كنا نعيش على القول الذي يقدمه والمناقشات التي يسمح بها تحول الى شركة سياحية.. مقهى ريش الذي عرفنا فيه نجيب محفوظ ويوسف إدريس وأمل دنقل ويحيي الطاهر عبدالله طرد المثقفين المفلسين واستقبل السياح الاسرائيليين.. أماكن القهوة والثرثرة اليومية التي كنا نمارسها في أوقات ثابتة أصبحت مواقع ساخنة لعقد لقاءات المتعة الخاطفة.. كانت الأماكن تجمعنا.. وعندما تغيرت أخلاقها.. تفرقنا.. وانعزلنا . . وأصبح كل منا لا يرى إلا نفسه.. ولا يعرف إلا مصلحته.. فكان التشويه.. والتحطيم.. وسوء الظن الذي ليس في حسن الفطن وإنما من خميرة العفن.. وراح المثقفون يتبادلون اتهامات الخيانة والعمالة والاستسلام للسلطة.. وراح خصومهم يسخرون ويسرقون. وفي المرات التي كنت أسافر فيها إلى لندن حرصت على أن أرى أمل الشاذلي ونصر نصار.. لم يفقدا حماسهما.. وكان يعرفان عن مصر ربما أكثر مما نعرف نحن.. فالغربة تشدنا الى الوطن أكثر.. والحنين إليه.. يجلعنا أشد حرصا على متابعة كل ما يجري فيه.. حتى النميمة.. حتى الأغاني الهابطة.. فليس صحيحا أن الوطن البعيد عن العين.. بعيد عن القلب.. لكن.. سرعان ما راحت الغربة تفرض قسوتها ووحشتها على نصر نصار.. بدأ تدريجيا يفقد حماسه.. وراح ضباب لندن يتسرب إليه.. إن الإنسان هناك يلهث ليأكل.. يلهث ليحافظ على وظيفته.. يلهث ليحافظ على آدميته.. ولم تفلح جرعات الدفء التي كان نصر نصار يحصل عليها من وقت لآخر في زياراته التي راحت تتزايد لمصر.. فكان أن قرر العودة. حاول أن يعمل مع شبكة تلفزيونية عربية.. لكنه.. وجد المسافة شاسعة بينها وبين شبكة الاذاعة البريطانية.. أفتقد حرية التعبير.. وافتقد الاحساس بالاستقرار المهني.. وافتقد المحافظة على قواعد العمل.. ووجد نفسه في صراع شرس.. لقد غيرنا النفط.. غيرنا المال.. أصبحنا في أمن الوضوء بالدولار.. والسجود لبراميل (موبيل أويل) .. والتحول الى قبلة الرأي الواحد.. الوحيد.. واختار نصر نصار منطقة وسطى لعله يسترد توازنه.. ونجح في الحصول على برنامج (وجها لوجه) .. في التلفزيون المصري.. لكن.. نغمة البرنامج الهادئة العاقلة لم تشد الناس إليه كما يجب.. خاصة وأن هذا النوع من البرامج لايقبله الناس بسهولة إلا إذا تحول إلى حلبة ساخنة مثل التي يتصارع فيها (الديوك) . كان البرنامج في حاجة لمزيد من السخونة.. ولمزيد من إيمان الناس بأن المعرفة أهم في المعركة.. وإن العقل أهم من العقل.. على أنه لايمكن انكار أن نصر نصار كان بارعا في ادارة الحوار في قضايا شائكة.. مثل التطبيع.. ثقافة السلام.. الجمعيات الأهلية.. وغيرها. ورأيت نصر نصار آخر مرة في الافطار الذي تقيمه جمعية خريجي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. كان مع زوجته أمل الشاذلي خريجة الكلية.. التي أصبحت الآن مدير تحرير في جريدة (العالم اليوم) .. كان نصر نصار مكتوما.. مخنوقا.. حائرا.. زائغا.. يكاد ينفجر.. وفشلت طوال الطريق من المعادي الى وسط القاهرة في اقناعه بأن يفتح قلبه. ما الذي جرى له؟.. لكنني سرعان ما تساءلت: ما الذي جرى لجيلنا؟.. وعندما سارعت بالهروب من السؤال بتشغيل راديو السيارة وجدت الاذاعة البريطانية تفتح حوارا عن تفشي المخدرات بين المراهقين في العالم العربي.. ورغم الأسى والألم الذي شعرت به وأنا أتابع البرنامج إلا أنني في أعماقي حمدت الله أننا رغم كل ما جرى لنا لم نذهب في وهم وغيبوبة وهلوسة الدخان الأزرق.. لقد جاءت الانقلابات السياسية بانقلابات اجتماعية.. بطالة.. وبانجو.. واغتصاب.. وتوتر.. وقلق.. وشعور بعدم الأمان.. فهل كانت سنوات الحرب والصراع أكثر استقرارا من سنوات السلام والهدوء؟.. كيف يكون السلام أكثر بشاعة من الحرب؟.. كيف يكون الصراع أكثر جمالا من التفاهم؟.. لماذا قدر لنا أن نعاني في الحرب ونعاني في السلم؟.. هل هي لعنة تطاردنا ولا نستطيع الافلات منها؟.. لماذا يتدخل العام والخاص بهذه الصورة؟. وذبت في هموم الحياة.. فلم أسمع صوت نصر نصار من يوم أن رأيته لكن أخباره كانت تصل الى مسامعي.. لقد أصبح نائبا لرئيس قطاع الأخبار في التلفزيون.. وراح يجهز لخطة جديدة للبرامج السياسية.. ويبدو أن ذلك قد رفع معنوياته.. وساهم في خروج سموم الاكتئاب من روحه.. فراح يملأ بيته بالخضرة والزهور.. وراح يزور أقاربه الذين انشغل عنهم.. واشترى لنفسه ثيابا جديدة.. وسافر الى بلدته في الشرقية ليمد الجسور القديمة بينه وبين جذوره هناك.. وعندما كان عائدا الى القاهرة لم يمهله القدر فرحة الفرج أكثر من ذلك.. وكان ما كان.. وفي هذا اليوم لم يعد الى أمل الشاذلي.. وبينما أنا فوق السحاب طائرا الى واشنطن بحثا عن تفسير لفشل السلام في الشرق الأوسط كان جثمان نصر نصار في طريقه الى المقبرة وحيدا.. حزينا.. مكفناً بالصمت.. لقد جئنا الى الدنيا وهي سيئة.. وسنتركها وهي أسوأ.. فجيلنا لم يملك إلا أن يصرخ.. ثم يحزن.. ثم يرحل مجانا.. بلا ثمن.