اغلب ما يكتبه الصحفيون والادباء والكتاب يصب في خانة التصدي للاخطاء, ونقد السلبيات, ولو جمعنا كل الذي كتب في هذا الشأن لوجدنا اننا استهلكنا من اوقات العمر, ومداد الاقلام ما كان جديرا وحده بالقضاء على كل الفساد. لكن واقع الحال يقول عكس ذلك, فكلما استهلكنا مدادا اكثر, استشرى الخطأ وتراكمت السلبيات, وصم اغلب المسئولين آذانهم عما يكتب, فلا تستغرب عندها ان يفاجئك احد المتحمسين بيأسه من التغيير وبأنه لا امل في الخروج من متاهة الاخطاء والفساد الذي يحتاج معارك شرسة للقضاء عليه حسب اقوال اللواء ضاحي خلفان. ولقد قرأت يوما حكاية ذكرها احد الكتاب موضحا سبب ما يحدث للعالم الثالث من مآس وسقطات لا تنتهي, والحكاية تدور في واحدة من البلدان الاشتراكية حول سكرتير عام الحزب ورفيقه رئيس الوزراء الذي كان مثار شكوك حول احتمال علاقته بجهاز المخابرات الامريكية, وفي كل مرة يتحرى الحزب عن هذا الامر لا يعثر على اي دليل ضده, حتى وصل سن التقاعد, فصارح رفيقه سكرتير الحزب بعلاقته بالمخابرات قائلا: لقد قابلتهم مرة واحدة فقط, وطلبوا مني طلبا واحدا. ما هو هذا الطلب يا ترى؟ لقد كان الطلب (كلما خلا منصب في الدولة مهما صغر, وتقدمت عدة اسماء لشغل المنصب فعليّ (على رئيس الوزراء) ان اختار اسوأ المرشحين) !! والآن لنتأمل دولة يسير شئونها افراد يؤمنون بمنطق (الاسوأ هو الاصلح) دولة تسير ضد طبيعة الحضارة وقوانين التقدم, ماذا يمكن ان تكون نهايتها؟ لابد ان تنهار مهما طال الزمن, وان لم تنهر فسوف تبقى في مكانها أو تتراجع للخلف, لكن ما يلفت النظر في الحكاية هو ما يمكن ان نسميه تجاوزا (شراسة الخبث) . ومنذ مدة تحدثت إلى احد المسئولين وتشعب الحديث حول السلبيات ووعي المواطن بانجازات وقضايا وطنه ومدى انتمائه, وتطرق الحديث لقضايا التعليم والعمالة والشباب والتوطين وقيم الانفتاح وعشوائية الاعلام و.. الخ, فإذا به يطرح هذا السؤال: عندما نتحدث عن التغيير هل نحن جادون فعلا في ذلك؟ هل لدينا رغبة صادقة وعملية في أن نغير؟ واذا اردنا فمن اين نبدأ؟ في حكاية رئيس الوزراء الشيوعي مع المخابرات الامريكية تكمن المؤامرة في المخطط الذي وضع للقضاء على الدولة, وهذا ما يجب ان ننتبه له جيدا, ذلك ان عددا من قليلي أو حتى (عديمي) المواهب والقدرات والذكاء قد وصلوا إلى العديد من المراكز التأثيرية, صغيرة كانت أو كبيرة, وهذا ما يجعل امر القضاء على السلبيات صعبا للغاية. نحن هنا لا نتحدث عن ظاهرة عامة ولا نقول إن (كل) المؤسسات تعاني من مسئولين وموظفين من غير اهل الكفاءة, فهذا ظلم للوطن ولأبنائه وللقائمين على امره, ولكننا سمعنا ورأينا قادة عمل ومسئولين واصحاب قرار في مؤسساتهم كانوا سببا رئيسيا لتراكم الاخطاء وتدني مستوى الاداء, وبالتالي عرقلة العجلة عن ان تسير للامام. اما السؤال: كيف وصلوا إلى مراكزهم بهذه العقليات؟ فلابد ان يسبقه سؤال يبدأ بـ (لماذا)؟! وهنا نحيل كلا السؤالين إلى اصحاب قرارات التعيين والتوظيف ولوائح الترشيح ولجان المقابلات و(حزب) الوساطة و(لوبي) المحسوبية و(مافيا) العلاقات الشخصية المنفعية!! وما خفي كان أعظم.