بقلم :محمد وقيع الله إن آفة الصادق المهدي الكبرى, في أدائه السياسي هي آفة (الاستعجال) .. وأنها هي الآفة التي اجهضت معظم مشروعاته ومبادراته السياسية, وقلصت من حدود الخيارات المتاحة أمامه, إذ انه جرب فعلا معظم تلك الخيارات, بدون ان يحرز فيها نجاحات ظاهرة. الخط الجديد هذه المرة ـ على خلاف ما مضى ـ نلاحظ ان الصادق يتحرك بتأن وتؤدة غير معهودة, إذ لم يشأ أن يفجر صراعا في جبهة المعارضة, رغم ان بعض اقطابها عمل على ان يضطره الى اضيق الطرق, كما لم يشأ ان ينجز صلحا مع حكومة الانقاذ, رغم ان ذلك بدا وكأنه هو الخيار الوحيد, المتاح امامه في ظرف الزمان الراهن, فنظام الانقاذ يبدو في ظل الصراعات الناشبة بين اركانه, وكأنه مشتت الانتباه, وكأنه يعاني حالة ضعف لم تلم به من قبل, وهو بالتالي يصلح للمصالحة والاختراق والتطويق. يبدو ان هذا هو تحليل الصادق المهدي رغم أنه لم يفصح عنه إلا لماما في ضمن سياقات مطولة, ولذلك فقد اختط لنفسه, ولحزبه خطة التغلغل والتخلل لنظام الانقاذ, ولا يمكن ان يفكر بغير ذلك ابدا بمعني انه لا يمكن ان يفكر بالعودة مرة ثانية لما سماه بـ (الجهاد المدني) ولا يمكن ان يكون قد ارسل انصاره وقيادات حزبه بقيادة عمر نور الدائم, ومبارك الفاضل, وكوادر الحزب العسكرية من اريتريا الى الخرطوم, كي يقوموا بمواجهة النظام مواجهة امنية او شعبية. الحل العسكري الذي راهن عليه الصادق قبيل خروجه من السودان لم يعد راجحا في ذهنه الآن. فقد خرج من السودان قبل ايام من قيام جيش قرنق باحتلال مدينتين في جنوب شرق السودان ويومها خيل اليه وللكثييرن ان جيش قرنق مقدم لا محالة على احتلال المدن تباعا, الى ان يصل الى الخرطوم ولكن مضى زمن طويل ولم يحدث ذلك كما لم يجد الصادق عند خروجه ذاك ترحيبا فعليا من حركة قرنق, ولا من قيادات التجمع الاخرى, فقد حسبوه خارجا فقط لكي يقطف الثمار, التي غرسوا هم نبتها وتعهدوها, وضحوا من اجلها لسبع سنين طوال. زلزال الخروج لقد استقبل فرقاء التجمع خروج الصادق بمظاهرة ابتهاج كبرى. هذا ما رآه الناس على السطح, اما ما لم يرشح من العمق فهو ان خروج الصادق, وان ارسل زلزالا في بنية الحكم في الخرطوم, إلا انه كان قد بث زلزالا اعنف في تركيبة التجمع في اسمرة, إذ انه أبرز وزن حزب الامة, بصورته الحقيقية, إذ ان وزن الحزب في السودان, اي حزب كثيرا ما يقدر بوزن (زعيمه) , لا بوزن جماهيريته, أو برامجه, أو تاريخه, أو ما شابه ذلك, وهكذا كان وزن حزب الأمة ضائعا, الى أن برز الصادق على مسارح التجمع في كل من اسمرة, وكمبالا, والقاهرة, وأجرى اتصالاته الزعامية برؤساء الدول, وهي اتصالات لم يكن بإمكان (مبارك الفاضل) ممثل حزب الامة والتجمع ان يجريها. عمل الصادق على مراكمة العمل بنشاط فائق. وهو معروف بحركيته التي يتفوق فيها على معظم الزعماء السودانيين, فهو متفرغ بالكامل, وإلى حد الفناء في العمل السياسي, بعكس معظم سياسيي السودان حيث حيث ان السياسة هي هواية كبرى, سواء للشعب السوداني او لسياسييه الصغار منهم والكبار. صحيح ان الصادق لم يتمكن من اعادة هيكلة التجمع ولا من فرض زعامته عليه فقد وقف منصور خالد عثرة في سبيل ذلك, وقد اعترف الأخير طواعية بذلك. ولم يكن منصور خالد وحده هو الذي اعترض وأعاق مسارات الصادق, وانما اسهم في ذلك كثيرون, مدفوعين بأحاسيسهم الصادقة بأن هيمنة الصادق على التجمع, هي هدفه الأكبر, وبالطبع فليس لاغلبية اقطاب التجمع قدرات منصور خالد في (التنظير) ولا في بلورة الاحاسيس في شكل افكار وبرامج, ومبادىء صلبة, يكون من شأنها في النهاية, أن تحدث هذا الاصطدام العنيف ما بين الصادق والتجمع. الزلزال الثاني وهكذا جاءت العبارات بالغة الحدة التي ودعت بها حركة التمرد, علاقتها الودية التي ربطتها لمدة عشر سنوات بحزب الامة. ان الدلالة المبدئية التي يمكن استنباطها من وقع تلك العبارات المحتدمة هي ان حركة التمرد قد يئست تماما من مستقبل علاقتها بحزب الامة, وإلا لما فاة ممثلها الاعلامي (ديفيد لوكو) بمثل تلك العبارات الغليظة التي وصف فيها حزب الامة بأنه كان مجرد (ورم سرطاني) في بنية تجمع المعارضة, الذي يضم معظم الاحزاب السودانية. ان المفهوم هو ان (ديفيد لوكي) يحمل تفويضا لاصدار مثل ذلك التصريح, من زعيم الحركة الشعبية, جون قرنق, وان الاخير يمثل قناعة الحركة باليأس التام من مستقبل التعامل مع حزب الامة, لذا تم اصدار التصريح بمثل تلك الحدة وشفعه ببعض الاتهامات الخطيرة مثل الزعم بأن حزب الامة ظل يقدم معلومات للحكومة السودانية, عن تحركات المعارضة, واسرار عملياتها العسكرية وغير ذلك من الاتهامات المدمرة التي قصد بها ايذاء الحزب الذي تحول فورا في نظره من محالف الى مخالف. لقد فطنت حركة التمرد فعلا لاهداف الصادق المستقبلية إذ تأكدت انه سيخط لا محالة خطا جديدا مغايرا لادائه السياسي السابق وهو خط قد يتوازى مع خط (الانقاذ) , وقد لا يتناقض معه الا ثانويا. ولكن فاتت الحكمة على حركة التمرد, إذ اسرعت فكالت الاتهامات المريعة لحزب الامة وليس من الحكمة في شىء ان يسارع المرء لوصم حليفه السابق بكافة انواع التهم. فهذا مما يسمم جو التعامل مستقبلا كما انه قد يعطي ذريعة لاتيان الفعل المضمن في التهمة, وهذا ما سيؤذي حركة التمرد إلى اقصى حد. كان رد الصادق على قرنق (اكاديميا) اكثر منه سياسيا. فعندما ادعى الاخير ان حزب الامة هو ميراث المهدية التي لم تكن حركة (ثورة) وانما حركة (نخاسة) , أحاله الصادق الى اقوال وشهادات المؤرخين الوطنيين, لا الاستعماريين الذين استخدمهم الانجليز لتشويه صورة الحركة المهدية, تمهديدا للانقضاض عليها بواسطة جيش الاحتلال, بقيادة كتشنر, ومن طرف خفي المح الصادق الى ان قرنق يريد ان يعبىء الغرب والرأي العام العالمي ضد حزب الامة, بنفس تلك التهمة قديمة الاستهلاك. وفي نفس الرد اكد الصادق انه لن ينشىء حلفا منفردا مع النظام كما ذكر قرنق, وانما سيقوم بانقاذ وانجاز برامج التجمع ولكن بطريقته الخاصة, لا بوسائل التجمع التي ذكر بأنها اصبحت قليلة الجدوى الآن. إن الصادق لا يريد ان يقطع علاقته بقرنق ولا بالتجمع نهائيا, ولكن انسحابه منه كان استباقا لعملية (طرد) مهينة كان التجمع يزمع ان يقوم بها, بعد ان تأكد ان الصادق لن يتراجع عن خطواته باتجاه اللقاء بحكومة الانقاذ, ولذلك لم يبق امام الصادق الا ان يتمسك بتجمع الداخل الذي ابدى مرونة ملحوظة معه ربما لأن محمد عبدالرحمن نقد الله ـ أحد انصار الصادق ـ هو زعيم ذلك التجمع, أو لأن تجمع الداخل هو اقل حدة من تجمع اسمرة. في ظل تلك المعطيات, وفي ظل نمط التفكير والممارسة الجديدة للصادق, يمكن التنبؤ بمآل الاحداث؟! اعتقد انه يسهل ذلك, فالصادق ابرم امره على الرجوع الى الخرطوم, ورجوعه سيمكنه من ان يكون على الواجهة, إما زعيما معارضا, او مشاركا, وفي كلا الحالين سيكون حرا غير مقيد, كما كان قبل خروجه من الخرطوم, وسيسهل عليه ان يدخل السودان ويخرج منه كما يشاء, هذا ان لم يرجع الى خطة الاستعجال القديمة والتي قد تقوده الى الاحتكاك العنيف بالنظام ومن ثم العودة مرة اخرى للبحث عن مكان ما في التجمع.