د. شفيق ناظم الغبراء قطع العالم العربي اشواطا مهمة منذ تحرره من الاستعمار والوصاية الخارجية. اذ بنى جامعات, ومدد شوارع, وركب كهرباء, وفتح مدارس, ومحلات حديثة وشركات, كما أقام أجهزة للأمن وللدفاع. لكن المعضلة تبدأ اليوم عندما تتخرج الكفاءات العربية الشابة والتي تتزايد اعدادها بنسب مضاعفة, باحثة عن العمل والارتقاء. ان الجيل الصاعد الذي يمثل اغلبية السكان العرب يبحث عن وجوده وابداعه وانجازه.. لكن نظامنا الاداري الراهن يعود ويؤثر سلبا في استيعاب مبادرات الجيل الجديد مما يساهم في حالة احباط عامة وفي حالة بحث عن الهجرة الى دول متقدمة لديها تراث في استيعاب الجديد وتنميته. وبدلا من اعتبار هذه الطاقات كنزا يجب الاستفادة منه وفتح طريق التجربة والتعليم والعطاء امامه نجد في بلادنا العربية مدرسة سائدة في اساليب القيادة والادارة تخشى من التغيير ومن فقدان السيطرة المركزية. وهي لهذا تفضل البقاء مكانها من خلال ابقاء الاجيال الجديدة خارج المعادلة وبعيدا عن الاستيعاب والارتقاء. وتقع اسباب عديدة تضاف الى عجز المؤسسات عن استيعاب الجيل الصاعد. ويقع في سلم المسببات غياب قيم الثقة بين المراتب العليا والوسطى وبين الجيل المسيطر والجيل الصاعد. بل وينتج عن ذلك وضع نفسي وإنساني فيه الكثير من الممارسات التي تؤدي الى الشللية والانقسام في المؤسسات. ويساهم هذا الوضع في حرمان الانسان المنتج من حق التعلم والخطأ. وأخذ الصلاحيات والتعامل معها في اطار وضوح في الحدود والاطر والاجراءات. بل يؤدي هذا الوضع الى ضياع الجيل الصاعد في مؤسسات تسودها روحية التآمر والتنافس السلبي, وروحية اخفاء المعلومات ضمن المؤسسة الواحدة, وروحية التصنيف والانشقاق. وهذا يعني ان الجيل الجديد يبدأ تجربته العملية في مؤسسات ليست له ولا تصنع مستقبله. ان بناء قيم الثقة التي تؤدي الى تقوية المؤسسات وارتقاء قدراتها ومضاعفة فعاليتها يتطلب تقوية دور المراتب الدنيا والوسطى في الادارة العربية.. وهذا غير ممكن بلا ادارات عليا تعرف كيف تعزز الثقة والانفتاح في المؤسسات عبر التخلي عن الصلاحيات في ظل المسئولية وتعرف كيف تساهم في تدريب وتقوية الجيل الجديد ثم تعرف كيف تتابع مجرى تطبيق الصلاحيات التي تخلت عنها للمراتب الدنيا والوسطى, فالادارة الناجحة هي طريقة في المدنية والتطور, وتستند الى نقل الصلاحيات, وتبادل دائم للاراء وتوسيع المشاركة والنقد في المؤسسات, واحترام نتائج العمل الجماعي وفوق كل شيء, بناء اخلاقيات الثقة المتبادلة التي تمهد لاستيعاب الطاقات الشابة واعطائها الفرص. فالعمل يجب ان لايكون حربا مفتوحة بين الناس والافراد ضمن المؤسسات, بل يجب ان يكون العمل تجربة تعبر عن انسانية الانتاج والهدف العام منه: صلاحية المجتمع وتطوره, وصلاحية الافراد وتطورهم على الصعيد النفسي والذاتي والمادي والروحي. ان ارتقاء الجيل الجديد وتطوره ومقدرته على تقديم رسالته هو المفتاح لتنمية العالم العربي والخروج من مأزق ضعف التنمية والانفجار السكاني, بل ان مقدرة العرب على مواجهة مرحلة ما بعد السلام لن تكون ممكنة إلا باستيعاب قدرات الجل الصاعد وتطويرها من خلال التدريب والصلاحيات والتجربة, ان البحث عن اصلاح جاد لاساليب الادارة في العالم العربي اساسي لمقدرتنا على مواجهة المستقبل.