بقلم: الدكتور طلعت شاهين من مساوئ العمل السياسي أن بعض محترفيه يرون أن كل شئ جائز من أجل تحقيق النجاح, عملا بمبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) , على الرغم من أنه يمكن قبول هذا المبدأ باعتباره الطريق الوحيد لنجاح البعض في بعض حقول الحياة, وإن هذا المبدأ يثير الشفقة في النفس تجاه من يعتنقونه, ولكن عندما لا يكون تنفيذ هذا المبدأ إلا على (جثث الآخرين) فإنه يثير في النفس من الاحتقار أكثر مما يثير من الشفقة, خاصة إذا كان حجم (الجثث) التي يعبر عليها مثل هؤلاء بحجم الجثث التي عبر عليها السناتور الأمريكي (جوزيف مكارثي) في محاولته لتحقيق نصر سياسي من خلال الكذب والادعاء والديماغوجية, إلى حد إصابة الوطن بالهستيريا العمياء التي وصلت إلى حد الشلل في العقول المفكرة التي كانت ترى في الولايات المتحدة جنة الحرية, وإذا بها تجد (الجحيم) في أمريكا مكارثي. خمسون سنة تمر هذه العام على أول صرخة (هستيرية) أطلقها السناتور الأمريكي مكارثي في حربه (الصليبية) ضد الشيوعية في بلاده, وهي حرب كانت الولايات المتحدة مستعدة لها نفسيا ومعنويا أكثر من استعدادها المادي, لأنها لم تكن حربا حقيقية تفيد الوطن في ذلك الوقت, ولم تكن سوى (هستيريا) الخوف من الفشل (الفردي) الذي واجهه هذا السياسي الشاب المحدود الموهبة في ربيع عام ,1950 عندما وجد نفسه على أبواب انتخابات لم يستعد لها فتفتق ذهنه عن تلك الحرب المرعبة, التي لم تكن سوى من صنع خياله المريض. في أول الحملة الانتخابية وجد السناتور نفسه بلا قضية تخدم حملته, فما كان منه إلا أن قرر أن (يخترع) قضية يمكن أن تجذب إليه الأنظار تمنحه الأصوات اللازمة لإعادة انتخابه, بغض النظر عن نتائج استخدامها, فقد وقف السناتور أمام جمع من سيدات حزبه ورفع بين يديه أوراقا لم يكن يدري أحد ما بها سواه, وإذا به يعلن أن بين يديه وثيقة تؤكد أن هناك 205 من العاملين في وزارة الخارجية الأمريكية شيوعيون, وبانتمائهم الأيدلوجي هم عملاء يعملون في خدمة الاتحاد السوفييتي, وطالب السناتور برؤوس هؤلاء لتطهير أهم وزارة في البلاد من الخونة(؟!). كانت النتيجة بالطبع مبهرة, فالشعب الأمريكي لم يكن في ذلك الوقت في حاجة لمن يدفعه إلى تصديق من يحدثه عن الخطر الشيوعي, بعد أن أصبحت الصين دولة شيوعية أيضا, أي أن ثلث سكان الكرة الأرضية في ذلك الوقت تقريبا (مجموع شعوب الصين والاتحاد السوفييتي معا) اعتنقوا فكرا يحلم بتدمير الفكر الرأسمالي, الذي كانت الولايات المتحدة رأسه البارز, لذلك لم يطلب أحد من السناتور أن يكشف عن تلك الوثائق للتأكد من صدق قوله, وإذا تجرأ أحد على توجيه مثل هذا السؤال له بعد تلك الاجتماعات المشتعلة كان جوزيف مكارثي يرفض تقديم تلك الوثائق التي تؤيد أقواله, لأنها (وثائق سرية) لا يجب الاطلاع عليها. كانت كل الدلائل تدل على أن السناتور جوزيف مكارثي يكذب, لأنه كان يغير من تلك الأرقام والجهات التي يعمل فيها هؤلاء (الشيوعيون) المتخيلون طبقا للحظة الكلام وما تسعفه به البديهة, معتمدا على انه لن يجرؤ أحد على تكذيبه حتى من بين السياسيين, فالمرشح يلعب على وتر حساس, ويكفي أن يوجه الاتهام بالانتماء إلى الشيوعية لكل من يجرؤ على التشكيك في كلامه ليحجم الجميع عن مناقشته في صدق الاتهام من عدمه, وعندها تصبح النهاية المحتومة لمنافسه هي الصمت, بل إن بعض زملائه قرروا الاستفادة من هذا المناخ الهستيري وركوب الموجة, ومنهم من تولى بعد ذلك مناصب حساسة في البيت الأبيض, مثل الرئيس السابق (ريتشارد نيكسون) الذي كان عضوا بارزا في لجنة التحقيق التي كان يرأسها مكارثي بنفسه, وأجرت تحقيقات مهينة مع ابرز المفكرين والكتاب الأمريكيين, أو الرئيس رونالد ريجان, الذي كان يعوض فشله كممثل في استوديوهات هوليود ليكتب التقارير السرية ضد منافسيه على الشاشة الفضية. كان الجميع يعرفون أن جوزيف مكارثي كاذب ومزيف, حتى أنه زيف سيرته الشخصية, عندما ادعى انه لعب دورا بطوليا في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية, وانه حصل على (أنواط شجاعة) شرفية تكريما له, وارجع (عرجه) بأنه ناتج عن إصابته بطلقة خلال العمليات العسكرية, مع أن الجميع كانوا يعرفون أن دوره في الجيش لم يكن فيه ما يميزه عن غيره, وان (النوط) الذي حصل عليه كان عاديا, وحصل عليه من خلال ضغوط سياسية, أما عرجه ناتج عن إصابته في ساقه عند سقوطه من على أحد السلالم خلال حفل خاص. بل الأكثر من ذلك انه كان معروفا بأنه سكير , حيث لا تفارقه زجاجة الويسكي في أي مكان أو زمان, ولا يمكن أن تخلو منها حقيبته التي كان يدعي أنها تضم (الوثائق السرية) التي تؤكد اتهاماته, والتي كان يتنقل بها خلال الاجتماعات الحزبية أو غيرها من الاجتماعات, وهذا كان يدفع إلى الاعتقاد بأنه وصل إلى حد الإدمان, لذلك كثيرا ما كانت أفعاله ناتجة عن تخيلاته الشخصية خلال لحظات السكر. صمت أعضاء حزبه وأعضاء الحكومة الأمريكية عن اتهاماته, دفع به أحيانا إلى التطاول عليهم متهما إياهم بالخيانة العظمى, فقد وصف وزير الخارجية آنذاك (دين اشيسون) بالشيوعية, وانتقد لهجته (البريطانية) . مع مرور الوقت وفي ظل تلك الهستريا العامة التي انتشرت في نفوس الشعب الأمريكي , وصلت شهرة مكارثي إلى حد لم يكن يستطيع أحد أن يواجهه أو يتهمه بالديماغوجية, حتى لو كانت اتهاماته بلا أدلة على الإطلاق, أو كانت هناك أدلة مادية تدحضها وتكذبها, الرئيس ترومان كان يرى انه (كذاب) ولا يملك دليلا واحدا ضد أي من الذين اتهمهم بالعمالة للسوفييت, بل أكد لزملائه أن شخصية مثل شخصية مكارثي يمكن أن تكون مفيدة للكرملين اكثر من فائدتها للولايات المتحدة, لأنه يزرع الرعب في النفوس من الشيوعية فيحقق بذلك الهدف الذي يسعى إليه السوفييت. ازدادت شهرة مكارثي حتى أن مجلة (تايم) نشرت صورته على الصفحة الأولى باعتباره اشهر شخصية, وأكدت استطلاعات رأي أجريت عام 1950 , أن 80 في المائة من الشعب ال أمريكي يعرفون من هو السناتور مكارثي والقضايا التي يثيرها, وان هناك 40 في المئة يرون في عمله فائدة للوطن, ويؤيدون حملته بلا أدنى تحفظ. كانت نتيجة حرب السناتور مكارثي الصليبية ضد (الشيوعية) أن فقد الآلاف وظائفهم وطردوا من أعمالهم, وآلاف آخرون ألقي بهم في السجن ظلما دون جريرة ارتكبوها, وتوقف عدد كبير من نجوم السينما وكتاب ومؤلفي السيناريو والموسيقيين عن العمل, ومن بقوا في العمل الفني والثقافي كانوا يقومون بعملهم في ظل مناخ عام من الريبة الذي لا يساعد على الإبداع, هذا على الرغم من أن جميع التحقيقات التي جرت مع هؤلاء لم تسفر عن نتيجة حقيقية , ولم يتم تقديم دليل واحد لإدانة أي منهم سوى الاتهام العام الذي يوجهه السناتور. أما بالنسبة لمكارثي شخصيا, فإن تلك الحرب الوهمية كانت وراء إعادة انتخابه من جديد, وهو الهدف الذي كان يسعى إلى تحقيقه, بل بدأ اسمه يلمع في سماء السياسة الأمريكية على الرغم من مناخ العداء لادعاءاته داخل الكونجرس ومجلس الشيوخ. لكن لم يمر وقت طويل على الصعود المستمر للسناتور في مجال السياسة الوطنية للولايات المتحدة, فقد ارتكب حماقة من يعتقد أن الكذب يمكن أن يعيش أبدا, فبعد أن نشر مناخ الهستريا في مجالات العمل السياسي والثقافي والفني, اعتقد انه يمكنه أن يفعل الشيء نفسه في أي مكان يتفتق عنه ذهنه , مادام لن يناقش أحد اتهاماته. هذه الممارسات اللا مسئولة التي كان يوزع بها مكارثي اتهاماته ضد كل من يتوهم انهم أعداؤه دفعت الرئيس (ايزنهاور) , الذي ينتمي إلى الحزب الجمهوري حزب مكارثي نفسه, إلى بذل جهود كبيرة للتخلص منه بعد أن اصبح خطرا على سياسة الولايات المتحدة داخليا وخارجيا, مستخدما ضده ريتشارد نيكسون نائب الرئيس في ذلك الوقت, على الرغم من الصداقة التي كانت بين نيكسون ومكارثي, ومنع الرئيس ترشيح مكارثي لرئاسة أي لجنة مهمة داخل مجلس الشيوخ, ودفع بوسائل الإعلام إلى التقليل من إظهاره, وعدم متابعة أنشطته باعتبارها أنشطة لا أهمية لها. لكن أول ضربة حقيقية لجوزيف مكارثي جاءته من وسائل الإعلام, فقد قدمته القناة التلفزيونية سي.بي.اس في برنامج لها عام 1954 من خلال وصفه بحقيقة شخصيته, فكانت ضربة قاتلة بالنسبة للسناتور, ولكن خلال محاولته استعادة شهرته ارتكب الخطأ الأكبر, وهو توجيه الاتهام بالشيوعية إلى أعضاء بارزين في قيادات الجيش الأمريكي, وكانت تلك (كبوة الجواد) , وعندها كان لابد من اتخاذ إجراءات حاسمة للتخلص من هذا المناخ المريب الذي يثيره مكارثي, والذي امتد إلى أهم وأخطر مؤسسة تقوم على حفظ أمن الولايات المتحدة, فانعقدت جلسات خاصة ولجان تحقيق داخل الكونجرس ومجلس الشيوخ لمناقشة وبحث اتهامات مكارثي, انتهت تلك التحقيقات بإدانته بأغلبية 67 صوتا مقابل 22 صوتا بعد أن صوت ضده نصف أعضاء حزبه, وتمت إدانته بالإساءة إلى شرف الكونجرس. بعد هذه الإدانة تخلت وسائل الإعلام عن السناتور جوزيف مكارثي, بل أإن زملاءه ابتعدوا عنه خوفا من أن تلاحقهم أكاذيبه , ولم يجد أمامه سوى الغرق في بحور الخمر التي كان يعشقها, ليموت عام 1957 بمرض تليف الكبد , وهو لا يزال في السابعة والأربعين من عمره. ذهب مكارثي , إلا أن المكارثية ظلت في الولايات المتحدة, وان كانت تحولت ممارساتها إلى طرق أخرى, وانتقلت أيضا المكارثية إلى بلاد أخرى, لا تزال تمارس حكوماتها هذا النهج ضد معارضيها, وسيظل نهج مكارثي قائما ابد الدهر, لأنه ببساطة لم يكن سوى فصل في نهج قديم متغير الأسماء , فقد وُجد في حقب مختلفة من تاريخ البشرية, ولعل أبرزها (محاكم التفتيش) التي أحرقت جاليليو لأنه قال بكروية الأرض, وطاردت الموريسكيين في الأندلس بادعاء أنهم مختلفون دينيا ثم تبين أن الهدف هو الاستيلاء على ممتلكاتهم, كما تمثلت أيضا في محاكمة الحلاج في بغداد, وغيرها من المحاكم التي لا يخلو منها تاريخ أو زمن, محاكم يقودها أشخاص لا هم لهم سوى تحقيق أهدافهم الشخصية دون النظر إلى الجثث التي تتساقط في الطريق, ذهب مكارثي ولكن بقيت المكارثية, وما أكثر (المكارثيون) بيننا.