بقلم: د.صالح هويدي تكلل نضال النخب العربية الثقافية من اجل تحرير المرأة منذ بدايات القرن المنصرم بجملة من المظاهر والقرارات التي دعمت حقوق المرأة وهيأت الاذهان لقبول الافكار الخاصة بالنضال ضد مختلف ألوان التخلف والعسف والتمييز بينها وبين اخيها الرجل, فضلا عن ضرورة السعي لتنوير مرافق الحياة الاجتماعية والبنى الثقافية التي عمقت ممارسات التمايز وشرعت لها القيم والاعراف والقوانين. لكن اللافت للنظر في قضية النضال من اجل نهوض المرأة ان المد الفكري والحماسة الاجتماعية ظلت منذ الربع الاول من القرن المنصرم حتى وقتنا الحاضر تشهد حالة من التذبذب في احدائها, حدة وخفوتا, دون ان تعلن عن خط نمو واضح في مسيرة الوعي الفكري والاجتماعي للمجتمع, حتى ليمكن القول ان كثيرا من مواقف النخب الفكرية في العقدين الثالث والرابع وبدت أكثر راديكالية وحماسة ونصرة للمرأة وقضيتها من مواقف كثير من مثقفينا في المراحل اللاحقة لهما حتى ايامنا المعيشة. لقد اخذت حكومات بعض الدول العربية, بعد مرحلة التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات, على عاتقها مهمة انجاز عدد من القرارات والتشريعات التي تكفل للمرأة قدرا من الحقوق في مجال قوانين العمل والاحوال الشخصية, وهي قوانين ما لبثت ان تطورت في بعض دولنا لتتباين في تشريعاتها على حسب اجتهاد الآراء وتعدد طرائق قراءة خارطة الواقع الاجتماعي. ولعل ماهو جدير بالملاحظة ان بعضا من الحقوق والتشريعات التي اقرتها بلدان عربية شهدت في مرحلتنا الحالية مواقف من المساءلة والتحفظ بل والرفض في احيان اخرى من لدن اتجاهات فكرية معينة اتخذت من موقف التقاطع وخطاب التعرية والادانة وسيلة دائمة لها في الاعلان عن مواقفها وقناعاتها الثابتة في وقت لم تتحقق فيه مثل هذه المواقف في المراحل التاريخية السابقة عليها. الخطاب والتشريع ان ابرز ما يميز العقود الثلاثة الاخيرة من القرن المنصرم هو انتقال مسيرة المناداة بتحرير المرأة من مرحلة الخطاب التنظيري والدعوات الحماسية الى مرحلة البحث عن آليات جديدة ومفهومات محددة واساليب عملية لتحقيق الاهداف وهو ما ادى بالمسيرة الى ان تتخذ من الندوات والمؤتمرات التي كونت رأيا عاما ضاغطا على واقع التشريعات الحكومية في بلداننا, وسائل بديلة. ومع تحقق هذا الذي يراه كثيرون منا انجازات غير قليلة لكنها كافية فإن مظاهر الشد والجذب والرفض والقبول والتأييد والادانة لاتزال تتصدر المشهد الثقافي العربي مع مطلع الالفية الثالثة, مما يقتضي الوقوف منها موقف التساؤل وصولا الى الكشف عن البواعث التي تقف وراء هذه المظاهر. لاريب في ان استصدار قوانين وتشريعات لصالح فئة اجتماعية ما يعد امرا مهما في حياة المجتمعات كما ان المؤتمرات والندوات التي تعقدها النخبة المثقفة وتحضر لاعدادها على مختلف المستويات تشكل وسيلة من وسائل التوعية الاجتماعية وطريقا من طرق التأثير واحداث التغيير الفكري المطلوب. لكن ما ينبغي ملاحظته في هذا المجال هو ان القرارات والتشريعات الفوقية, ومثلها الندوات التي تنعقد والمؤتمرات التي تلتئم لا تكفي وحدها لا نجاز مهمات ذات ابعاد ثقافية وحضارية من هذا النوع. فبدون تهيئة المناخ المناسب لا حتضان الصدى واعداد البيئة الصالحة لاستنبات بذور الافكار الجديدة لا يمكن لأي من تلك الانشطة ان يأخذ مداه الحقيقي او يحقق النتائج المرجوة منه. ان تفشي الامية التعليمية في عالمنا العربي تفشيا فاحشا يصل الى 70% امر له دلالته الخطيرة, وهي دلالة من شأنها ان تصيب القائمين على انجاز مشروعات التغيير والتحول الثقافي بالاحباط, اذ يجعل هذا الواقع من اي نشاط تنويري هامشيا ضعيفا ومنحصرا في أمداء محدودة تجعله اشبه ما يكون بالحوار الداخلي (المونولوج) الذي يدور بين النخب الثقافية فحسب كما ان التقاطع بين ماهو مدني وماهو دو طابع فقهي كما يراه بعضهم, ووجود مساحة واسعة, غير محسومة من الالتباس بين التشريعات والرؤى والمناهج الدينية الفقهية التي تتصل بحياة الناس والمجتمعات المتغيرة بتغير العصور والازمان, وبين النصوص العقدية المتصلة بأمور الايمان والالوهية والاعتقاد يجعل من هذه المنطقة بؤرة دائمة التوتر ونقطة استثمار مقصود من لدن اية جهة لو شاءت. ولعل هذا هو ما جعل الاختلاف في الرؤية بين التيارات ذات الطابع الديني نفسها يبدو واضحا, مثلما يظهر للعيان ذلك التقاطع الناشب بين بعض تلك التيارات والمؤسسات المدنية المسئولة عن قوانين الحريات والاحوال الشخصية واقرارها. ان مما لاشك فيه ان امرأة لم تتح لها فرص التعليم والحصول على قدر مناسب من الثقافة والمعرفة لن تستطيع الحفاظ على مكسب يضمن لها حقا شرعته المؤسسات لها, ان لم نقل لن تستطيع الدفاع عنه وربما ادراكه. ولعل هذا ما يفسر لنا عدم ايمان عدد لايستهان به من النساء ببعض تلك القوانين وعدم حرصهن على متابعة مسيرة النضال من اجل النهوض بمكانة المرأة ودورها الفاعل في المجتمع, لا لشيء الا لأن هذا النضال لا يعد جزءا من همومها الحقيقية, بعد ان غيبها الواقع من قبل عن ساحة التفاعل الحقيقي ومهمات الاشتجار الخلاق لنيل المطالب. تحرير المرأة.. تحرير الرجل ولا شك في ان ما ينطبق على المرأة ينطبق على الرجل بالقدر نفسه, اذ لا يمكن لرجل يفتقر الى البناء الثقافي الحق ان يكون نصيرا للمرأة, مدافعا عن كرامتها, معترفا لها بحقها وبحريتها في العمل ومنافسة الرجل في ضروب العلم والعمل والابداع. ان هذا هو ما يقف وراء كثير مما نراه ونسمع عنه من ممارسات ازدواجية مخادعة لدى كثير من الرجال, وبينهم نفر غير قليل ممن يتبوأون مسئوليات رسمية كبيرة, ومثقفون يمارسون ضروربا من الكتابة والتأليف والابداع, نراهم في حالة فصام معيب بين ما يبدعون ويكتبون وماهم عليه من نمط تعامل في حياتهم الشخصية يلخص موقفهم بازاء المرأة وما يتصل بها من حقوق وحريات. من هنا يبدو واضحا ان مهمة النضال من اجل تحرير المرأة ليست مهمة خاصة بالمرأة وحدها, بقدر ماهي مهمة شمولية تتعدى شخص المرأة الى الرجل لتحريره تحريرا حقيقيا في فكره وسلوكه و (سيكولوجيته) لتتجاوز ذلك فيما بعد الى تثوير المجتمع في بناه التقليدية ومنظوماته الفكرية المتكلسة وقيم البالية, لتحريره من هذه المظاهر السلبية جميعا وهي مهمة ذات ابعاد متعددة ومستويات اجتماعية واقتصادية وثقافية وسيكولوجية تسعى لاحلال بنى محل اخرى. ان مجتمعا لا يكون فيه افراده مستعدين للتخلي عن قناعاتهم التقليدية حيال المرأة ودورها الاجتماعي الجديد لا يمكنه الدفاع عن اية حقوق او تشريعات جديدة تنتجها مؤسساته الرسمية مهما بلغت تلك التشريعات درجة من التقدم والثورية, مما يقتضي العمل الجاد على وضع استراتيجية جادة, شمولية لمحو امية التعليم من جهة والعمل على القضاء على الامية الثقافية التي تحل فكرا حقيقيا وثقافة جديدة مكان فكر وثقافة قديمين من جهة اخرى. حوار الحضارات لا يقل عن دور المؤسسات الرسمية دور الهيئات والاتحادات والجمعيات الثقافية والفكرية, الى جانب الدور الخاص المنوط بالمثقفين ورجال الفكر, لاشاعة الفكر النهضوي الاصيل المستند الى عصور النهضة في حياة الامة والمرتكن الى منطلقات الدين الاسلامي المتقدمة في مجال اكرام المرأة والارتقاء بشخصيتها ومنحها حقوقا كثيرة وفرصا في المشاركة في التنمية الاجتماعية خلقا وابداعا وعملا. ولا مراء في ان مثل هذا السعي لابد ان يتخذ له اتجاها واضحا في علاقته بالاخر, اتجاها يأبى الاستلاب الفكري ويبتعد عن الوقوع في مهاوي الاستخذاء والتبعية من دون ان ينتقل الى الموقف الخاطىء الاخر والمتمثل في موقف الانغلاق على النفس وانتاج خطاب هجائي من الاخر, لا يعدو كونه رد فعل سلبيا. ان التراث العربي الحافل بالقيم الاصيلة والمنطوي على ممارسات وافكار لن يضيره الدخول في علاقة تثاقف وجدل خلاف مع الاخر لانتاج خطاب معاصر, يعبر عن فاعليتنا المعرفية وشخصيتنا المتمايزة على النحو الذي كانت الحضارة العربية في عصور ازدهارها وتألقها منطقة تثقاف دائم وجدل متصل بينها وبين حضارات الشرق والغرب, نجحت معه في اعادة انتاج التراث المعرفي الانساني وتخليقه من خلال منظور متمايز وروح خاصة.