بقلم: هشام بدوي يسود الاجماع بين النخب الثقافية بتوجهاتها المتباينة, والتيارات الفكرية بصراعاتها المتأججة, على ان عالما جديدا يتخلق بين ايدينا وامام اعيننا. بيد ان عالمنا الجديد الذي لا يزال في اطار الصياغة والتشكيل لم تبرز ملامحه الجنينية فجأة, بل مر بعدد من المحطات الرئيسة قبل ان نتلمس طيفا من ملامحه وتقسيماته ويتعزز الاجماع السائد ببزوغ عالم جديد بالاتفاق على ان عام 1989 مثل الارهاصات الاولى لزلزال عظيم, زلزال تداعى في اثره النظام العالمي ثنائي القطبية, فانهار الاتحاد السوفييتي, وتفتت المنظومة الاشتراكية, وتوحدت المانيا بعد ما يزيد على اربعة عقود من التقسيم, وتلاشى نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا, وسط عدد لابأس به من ديناصورات الديكتاتورية, ليحل محلهم انظمة وليدة تتجاذبها بدايات (الحبو) الديمقراطي من جانب وميراث لا يستهان به من مؤسسات القمع بأشكاله كافة من جانب آخر. وانطلق قطار التسوية في منطقة (الشرق الاوسط) بسرعات متفاوتة, خالقا اطارا جديدا ومعقدا من التشابكات والتداخلات الاقليمية والدولية ترمي جميعها الى اعاقة تفجر نزاعات مسلحة بين العرب والدولة العبرية, وحصر الخلافات في اطار التنافس السلمي بعد حصول تل أبيب على مشروعية وجودها اقليميا ودوليا. عصر جديد وبانتهاء عصر واعلان آخر عن مقدمة تأثرت بشدة المفردات المستخدمة في قاموس الفكر العالمي, فطويت مصطلحات, واشتقت اخرى تتناسب وارهاصات المرحلة الراهنة, وما لم يطو من المصطلحات التقليدية اخذ مدلولات ذات مغزى جديد, واكتسبت تعبيرات فكرية رائجة ابعادا اعمق واكثر خصوبة لتتناسب مع مقتضيات عصر في سبيله للنشوء والترقي وبالطبع تم اعلاء مفاهيم على اخرى وسادت تعبيرات وتراجعت اخرى, وخرجت مفاهيم ومصطلحات من قبيل (العولمة) و(الديمقراطية) و(الخصخصة) و(نهاية التاريخ) و(صراع الحضارات) من اطار التعريف اللغوي المحض لتصبح رمزا لمرحلة جديدة ما انفكت تفاعلاتها الداخلية تختمر. لكن اجماع الباحثين في مختلف فروع المعرفة الانسانية على أفول عصر وبداية آخر لا يعني الاتفاق التام حول الملامح التفصيلية للقادم الجديد, الذي اختلفت بشأنه التعريفات وتباينت التوقعات وتضاربت السيناريوهات. فبينما يجد انصار العهد الجديد في العولمة والديمقراطية مجالا ارحب لاطلاق القدرات الانسانية الى آفاق معرفية اوسع لتلامس تخوما لم تعهدها البشرية من قبل, وفرصة اكبر لحدوث تقارب حقيقي يتحول العالم بموجبه وبفضل تطوره التكنولوجي الى قرية كونية, وتتحاور فيه الحضارات وتمتزج في بوتقة فريدة من التفاعل الحضاري والفكري الناضج, وبما يسمح للفرد والمؤسسات المجتمعية على حد سواء بتحقيق مزيد من الرفاهية والاستقرار, وتغليب لغة الحوار والمنطق على العنف والخوف, فإن المناوئين وان تعددت اتجاهاتهم وتباينت مشاربهم يرون في العصر الجديد نقمة لا نعمة, وانتصارا لحضارة على ما عداها من حضارات, وهيمنة الغرب بقيمه وثقافته على الآخرين, متشككين في امكانية حدوث حوار مجد وفعال بين حضارات متناقضة القيم متباينة المفاهيم في ظل الاختلال القائم في موازين القوى بينها. إلا ان تباعد المسافة بين الانصار والخصوم لم يمنعهما من الاتفاق على نقاط التقاء لما يعتقد انه مؤشرات للتغيرات الجذرية في المجتمع العالمي. انقلاب المفاهيم تكشف القراءة المتأنية للأدبيات الفكرية لمؤيدي ومعارضي ما اصطلح على تسميته (النظام العالمي الجديد) بصعود نجم (الديمقراطية) كقيمة فكرية وسلوك سياسي امثل للنهوض الوطني ودعم التفاعل الاقليمي وترشيد السعي لخلق رؤية عالمية تكاملية. ويرتبط الذيوع الحالي لمفهوم الديمقراطية بمجموعة من القيم الفكرية (الرديفة) تتلاحم مع الفكرة الديمقراطية لتشكل معا كلا متكاملا يصعب فصل اجزائه دون تهشيمه وتحطيم مكوناته الفرعية. فحقوق الانسان وضمان حقوق الاقليات, والنظرة المجتمعية للمرأة ومنحها كامل حقوقها دون نقصان والسماح بالتعددية الثقافية والفكرية والقبول بالآخر والتأكيد على التفاعل السلمي لحل النزاعات الداخلية والخارجية, أضحت جميعها قيما أساسية لا يمكن عزلها عن محاولات بناء مجتمع ديمقراطي. وبهذا يتسع افق المفهوم الحديث للديمقراطية ليطيح بالتعريفات الكلاسيكية المختزلة التي تخلط بين مهام الديمقراطية, والديمقراطية كأداة للتداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة تجني ثمارها الاغلبية العددية, ومن ثم وفقا للمفهوم الوظيفي التقليدي تقف حدود الديمقراطية عند كونها اداة تحد من امكانية الاحتكاك الطبقي وتجنب المجتمع الانفجار الداخلي باعتبارها الضمانة المثلى لتعزيز التلاحم المجتمعي, إلا ان التطورات العالمية الجارية سياسيا وفكريا تنحو الى اعلاء القيمة العضوية للفكر الديمقراطي ولا تقف به عند حدود الفهم الوظيفي, فغياب الديمقراطية اضحى رمزا لفقدان السلطة الحاكمة للشرعية السياسية والاخلاقية امام شعوبها ووسائل الاعلام الدولية باعتبارها فاعلا رئيسيا لصياغة الرأي العام العالمي, كما ان غيابها يعد مقيدا هاما لحركة السلطة في الاستفادة القصوى من الطاقات الداخلية والامكانيات الخارجية, بل اضحى غياب المشروع الديمقراطي الوطني مؤشرا على افتقاد المجتمع لاطار معيار محايد يمكنه من كشف التوجه العام للرغبات الشعبية التي ازدادات اهميتها في العصر الجديد. وقد وسعت القيم الرديفة والمدعمة للفكرة الديمقراطية من آفاق المشروع القومي وعمقته ليصبح المفهوم الديمقراطي في بداية القرن الحادي والعشرين اكثر تكاملا عن ذي قبل فقد تخطت الديمقراطية بفضل ارتباطها بقيم كحقوق الانسان والاقليات ومكانة المرأة في المجتمع اطارها التقليدي كوسيلة مثلى لتنظيم المجتمع السياسي وتجاوزت حدود الانحصار في مجموعة من الاجراءات القانونية المصاحبة بالاساس للانتخابات, فبدون دعم الفكر الديمقراطي للقيم الرديفة ستمنى الممارسة ـ وان بدت يسيرة ـ بالفشل, ولن يفلح النهج الديمقراطي في تحسين الظروف المعيشية للغالبية العظمى من الناس. وهو ما يدفع الى ضرورة الربط المباشر والقوي بين الديمقراطية كأداة ومضمون في آن, وبحيث يتضمن مدى انعكاس النسق الديمقراطي على تحقيق عدالة اكبر نسبيا في مجال توزيع الدخول وانجاز القيم الرديفة معيارا رئيسيا لتقييم مصداقية التجربة الديمقراطية لمجتمع ما, وليس الوقوف بها عند حدود السلطة من خلال انتخابات حرة نزيهة. تحديات مختلفة بيد أن هذه الملاحظات الاولية على نجم الديمقراطية الصاعد تبدو للبعض قيما اكثر قوة ورسوخا في المجتمعات الرأسمالية عالية التطور (الولايات المتحدة الامريكية وكندا واوروبا الغربية واليابان), بينما لا تحظى بذات الاولوية والقوة لدى بلدان العالم الثالث او البلدان الاشتراكية السابقة. ويعتقد البعض ان طبيعة التحديات التي تواجهها هاتان المجموعتان من البلدان تتعلق اساسا (بتكوين الدولة القومية) وتحديد ملامحها التي شوهتها سنوات من القمع المتواصل, مما يجعل من الصعب في المرحلة الراهنة ان تفلح الديمقراطية وما يساندها من قيم فكرية وثقافية داعمة في ترسيخ اسبقيتها على اولوية بناء الدولة القومية, وخاصة في ضوء الخلط التقليدي في الاذهان بين هيبة الدولة وسطوة الحكم وكاريزما الحاكم. إلا ان تلك النظرة تتضمن في جوهرها فصلا تعسفيا بين امكانية بناء الدولة القومية وتبني نظام ديمقراطي في ذات الوقت. بل تتضمن في جوهرها اعتقادا دفينا بهشاشة النظام الديمقراطي وعدم قدرته على ارساء هيكل قوي وحديث للدولة, وتقزم رؤيتها ومفهومها للديمقراطية في مجموعة محددة من القيم السياسية العامة (دستور ـ برلمان ـ تعدد ـ احزاب) وتخرجها من اطار المفهوم الاوسع لها باعتبارها سلوكا انسانيا ارقى في التعامل مع الآخر, ونمطا حياتيا وثقافيا يفجر بشكل حقيقي جميع طاقات الابداع الخلاق لايجاد حلول للمعضلات التي تواجه عملية بناء الدولة القومية. ان اطلاق الحريات العامة منذ اللحظات الاولى لتشييد الدولة يجعل الهيكل العام لها معبرا حقيقيا عن توازنات القوى التي يفرزها الصراع الديمقراطي داخل المنظومة الوطنية, ويجنبها التشوهات الناجمة عن عملية احتكار احدى النخب او خليط غير متوازن من النخب للسلطة. إن القضية لا تكمن في مواجهة مفتعلة بين بناء الدولة الوطنية الحديثة والمستقلة من جانب والديمقراطية كنظام حياتي شامل للمجتمع والفرد من جانب آخر, انما القضية تكمن في تنشيط الاطر القانونية والاجتماعية الدافعة للقدرات الابداعية للجماهير والسلطة معا, لحثهما على صياغة نماذج ديمقراطية متعددة تستجيب الى اقصى حد ممكن لمتطلبات المشاركة الجماهيرية الضخمة لاتخاذ القرار على كافة المستويات. مدرستان مختلفتان يسود لدى العديد من الباحثين والاكاديميين الشرقيين والغربيين على حد سواء اعتقاد راسخ بأن الحديث عن الديمقراطية في العالم العربي اقرب الى حوارات النخب الثقافية ومجال خصب للممارسات الاكاديمية, اكثر من كونه نمطا مؤسسيا او حياتيا متعارفا عليه او في اطار التشكيل, فغالبا ما يصعب تصور المزج الايجابي بين الديمقراطية والعالم العربي, وينتاب البعض مزيج من الشك والسخرية بقدرة المنطقة حكاما ومحكومين على التفاعل الايجابي والخلاق مع الديمقراطية وتبعاتها السياسية والاجتماعية. ولا شك ان هذا الاعتقاد يجد ما يبرره في تاريخ طويل من القمع في هذه البقعة من العالم, فابتداء من النساء المحرومات من حق التصويت والترشح في الانتخابات, واجهزة المخابرات والامن (الوقائي) القادرة على بث الرعب والفزع في نفوس الافراد والجماعات والاغلبية والاقلية على حد سواء, ونتائج الانتخابات المحددة سلفا وتواصل عبادة الفرد وتقديس الحاكم, والانتهاك المستمر لحقوق الاقليات الدينية والعرقية والطائفية, واستمرار عمليات التمييز الموجهة ضد حقوق النساء, وخبرات لا تضاهى في الانقلابات العسكرية... جميعها سلسلة طويلة من تاريخ تبدو علاقته بالديمقراطية في حدها الادنى علاقة تناقض ورفض متواصل يتجاوز في اغلب الاحيان حدود الخصومة ليلامس تخوم العداء. الفكر العربي وفي اطار سعيه لتحليل الاسباب الكامنة وراء اخفاق مسيرته الديمقراطية وعدم اكتمالها انقسم الى مدرستين رئيسيتين. تلقي الاولى بمسئولية الاخفاق على عاتق تدخل الآخر في الشأن العربي وتحمله كامل المسئولية, بينما تتبنى الثانية قناعة عداء ذهنية الجماهير العربية للمفاهيم الديمقراطية الحديثة. إلقاء اللوم على الآخر في اعاقة مسيرة التجرية الديمقراطية العربية, احد المفردات السياسية ذائعة الانتشار بين النخب والجماهير العربية على حد سواء, لتفسير وتبرير الاخفاقات التي منيت بها المحاولات العربية المتعددة لتأسيس اطار ديمقراطي يتعامل مع معضلة تداول السلطة والعدالة في توزيع الموارد العامة, وكم من مرة استولت فيها المؤسسات العسكرية على زمام الامور لتوقف العمل بالدستور وتحل البرلمان والاحزاب وتفرض قوانين الطوارىء بدعوى تعرض الوطن لمؤامرة خارجية او داخلية للقضاء عليه. ولا شك ان القمع المتواصل الذي مارسته بعض السلطات العربية على مدار تاريخنا وخاصة مع بدء مساعي التحديث, خلق تشوهات ضخمة في بناء الدولة وتركيبتها المؤسسية, وأعاق قدرتها على قابلية احتضان التوجهات الديمقراطية وتنميتها. إلا ان الترويج الدائم لنظريات دور الآخر في اعاقة المسيرة الديمقراطية في عالمنا العربي لا تقف عند حدود تقديم طرح مختزل لاسباب اخفاقنا الديمقراطي بل الاكثر خطورة انها تخلق بداخلنا حالة من التصالح مع الذات بأننا حاولنا ان نكون ديمقراطيين قدر المستطاع ولكننا اخفقنا لاسباب اقوى منا, وبهذا يرفع الحرج عن دور النخب الثقافية والجماهير العربية في ممارستها الخاطئة لانشاء المجتمع العربي الديقراطي, بل وتبرر للتيارات القمعية ممارسة سياستها في رفض الآخر واستئصاله. نزعتان متضادتان لا شك ان بناء مؤسسات ديمقراطية مستديمة لا يمكن ان يتوقف فقط على قيام السلطة بإصدار تشريعات مماثلة لطريقة انشائها البنك المركزي او وزارة التعليم او الصحة. ويتخذ البعض من صحة هذه المقولة مدخلا الى ضرورة الربط بين الحالة الذهنية او نمط التفكير السائد لدى المواطن العربي من جانب واخفاق التجربة الديمقراطية العربية حتى الآن من جانب آخر. المثير للدهشة حقا ان يسود في نمط التفكير الثقافي العربي نزعتان متضادتان في تقيمم علاقة العربي بالقيم الفكرية الحديثة فمن المغالاة في علو القيم العربية في كل شيء الى قناعة اخرى معاكسة بأن كل ما يمت للعربي من صفات هي مرادف للتخلف وعامل من عوامل تراجعه الحضاري وترسخ تلك الاعتقادات الانثروبولوجية في مضمونها الدعوة التي تتبناها بعض المؤسسات والتيارات السلطوية العربية بعدم اضاعة الوقت في السعي لتبني مشروع ديمقراطي عربي لانه محكوم عليه بالفشل الحتمي لعدم تجانسه مع الانماط الذهنية والسلوكية العربية, ولافتقاده الاتساق مع نمطنا الحضاري وتتفق هذه النظرة الانثروبولوجية لعدم تأهل العرب لتبني قيم ديمقراطية مع اطروحات هشام شرابي بشأن البنية الابوية في العالم العربي التي يجد اصولها راسخة في الذهنية العربية, مما ادى من وجهة نظرة الى فشل محاولات التحديث وفي مقدمتها تبني الديمقراطية كقيمة حضارية, بل يؤكد شرابي ان النظام الابوي العربي قد نجح في استيعاب التغيرات الناجمة عن عملية التحديث التي تمت خلال القرنين الماضيين مما ادى الى اعادة انتاج المجتمع الابوي لنفسه بصورة حديثة وعلى حساب قيم الحداثة ومن بينها الديمقراطية. انكار الامل ان جوهر التفكير في تلك الرؤى هو الذي جعل الذهنية السلطوية العربية عائقا مانعا لقيام نظام ديمقراطي عربي, واذا كان في اعتقادي ان هذه النظريات تقرأ التاريخ الانساني في صراعه من اجل تبني الديمقراطية قراءة متبورة يملؤها الكثير من الاختزال والخلط, فإنها قد تبالغ ايضا في اضفاء القداسة على التراث العربي ودوره في تسيير المستقبل, بل وتتجنب قراءته في تواصله وتفاعله مع ذاته وواقعه. ان هذه النظريات تلجأ لعملية بتر وتحليل متقطع وصفي يختزل التاريخ والتراث العربي ليجعل منه انماطا سلوكية وفكرية محددة يستنسخ فيها اللاحق صور الماضي ويكرره. إن القراءة المقارنة بين التراث العربي واساسيات التجربة الديمقراطية الغربية يعد معيارا احاديا للقياس, لا يتفق ورحابة التاريخ الانساني وتعدد تجاربه, كما انه يتفق والمنهج الغربي في التعامل مع الغرب باعتباره مركز التاريخ الانساني والتجربة البشرية الفريدة الجديرة بالدراسة والتحليل, متجاهلين بذلك تجارب عالمية وحضارية لا تقل عمقا في مساهماتها لإثراء القيم الديمقراطية والليبرالية. فالتجربة الديمقراطية الهندية التي للأسف الشديد لم تستوف حقها من الدراسة في الوطن العربي مثال حي على امكانية اقامة الذهنية السلطوية لنظام ديمقراطي, بل ان السلطوية الابوية في العقلية الهندية اشد وطأة منها لدى العربي, فهي جزء اصيل لا يتجزأ من المنظومة الدينية الهندوسية التقليدية التي تؤمن ايمانا قاطعا بالتقسيم الطبقي وخضوع الطبقات الدنيا للطبقات الاعلى والنفي شبه التام لأي آمال في امكانية الحراك الطبقي الذي يرتبط بالميلاد. إلا ان هذا الجمود المفرط لم يتناقض مع تأسيس نظام ديمقراطي اصيل قادر على استيعاب التراث القومي بجوانبه كافة, بل والعمل على اعادة تشكيل الذهنية من خلال مؤسسات ديمقراطية تبرهن على العائد الايجابي من تبني القيم الليبرالية الحديثة. إن اطروحات شرابي والخوري وبعض علماء الاجتماع الغربيين تغلق التاريخ, وتدفع التكوين الثقافي كله الى الركود, فتجعل الانسان اسير ماضيه وتنصب الايديولوجيا المفرطة حكما على سلوكنا سواء كنا جماعات او افرادا. ان العقل او التراث ليس العامل المستقل في تفسير النمط السلوكي المتبنى من قبل المؤسسات او النظم السياسية, وانما الامر مرجعه الى البنية الاجتماعية وتداخل انماط الانتاج المختلفة في مرحلة تاريخية محددة مع بعضها البعض, مما يفرز في نهاية المطاف نمطا مؤسسيا يعكس في حقيقته توازنات القوى بين هذه الانماط الانتاجية. ان التراث العربي ككافة انماط الارث الانساني يحمل خليطا من القيم المتفاوتة والمتصارعة, بعضها ملائم للديمقراطية والآخر قابل للتأقلم والمواءمة كما ان بعض قيمه تحمل تناقضا صريحا مع الديمقراطية, وما انتعاش بعض القيم على حساب الاخرى الا تعبير مباشر عن توازنات الصراع في مرحلة محددة. ان التراث العربي مليء بالفخر بالحرية, ولم تهمل الحرية كقيمة فكرية من التراث العربي الديني (المسيحي والاسلامي) عبر تاريخهما المديد., بل ان مجمل التراث المسيحي للكنيسة المصرية على سبيل المثال بني على مفهوم حرية التميز في مواجهة الكنيسة الرومانية الرسمية. ولهذا يكون محمد السيد سعيد صائبا عندما يرى ان الاصل في التكوين الاجتماعي الثقافي العربي في ظل سيطرة القبيلة هو فائض الحرية, فالحرية هي أهم معطى, وانما تتمثل المشكلة الثقافية في كيفية ضمان التناسق بين اختيارات متضاربة من خلال العدالة, فالعدالة القانونية والشرعية هي المعيار القادر على ضبط الحرية كأصل معطى لا يمكن مصادرته. المجتمع المدني ان التصورات النمطية المعتادة بوجود نفور تقليدي بين المنطقة العربية والديمقراطية تدفعنا لتجاهل او تهميش التغيرات التي يشهدها الواقع والتي ان بدت بسيطة وغير ذات جدوى لدى البعض فإنها تحمل مغزى واضحا بشأن اختمار الوضع العربي واستعداده للتغير. فالنمو المتزايد في عدد الحركات والمنظمات الاجتماعية التي ترمي لتوسيع نطاق الحياة السياسية والاجتماعية, وآفاق الحقوق المدنية للجماهير العربية ظاهرة آخذة في النمو منذ النصف الثاني من الثمانينيات. ويشير الباحث علي الكنز في مجلة المستقبل العربي الى وجود اكثر من 25 ألف منظمة واتحاد ورابطة وجمعية غير حكومية في الجزائر وحدها نمت في اعقاب انهيار النظام الحزبي في اكتوبر عام 1988. ويقول سعد الدين ابراهيم ان الوطن العربي يضم بين جنباته قرابة 70 ألف منظمة غير حكومية. ومن المرجح ان هذا النمو الملحوظ في اعداد المؤسسات الاهلية يعكس اتساق الحركة العامة للمجتمع العربي مع السيرورة العالمية في جميع بلدان العالم الثالث, ألا وهي الانتعاش الملموس في الميكنزمات الاولية (للمجتمع المدني) , وهو ما تفجر عالميا بشكل واضح للعيان مع اندلاع الازمة البولندية في الثمانينيات, وظهور منظمة (تضامن) كحركة اهلية عامة ضخمة منفصلة عن الدولة ومعادية لهيمنتها على مفردات الحياة اليومية, وإن كانت منظمة (تضامن) قد تبنت في مرحلة لاحقة من انشائها اطارا أشمل لتقليص الهيمنة السوفييتية على على المجتمع البولندي. أن صعود المنظمات غير الحكومية في العالم العربي يمكن تقييمه باعتباره رد فعل منظما للنخب الثقافية المعارضة لانسداد البدائل السياسية امامها, ومساندا للحركة العامة للمجتمع للتعرف على الخيارات والسبل المطروحة لتعزيز الديمقراطية في مواجهة ازمة تاريخية لهيمنة الفكر السلطوي على المسارات السياسية والاقتصادية والايديولوجية والاجتماعية للمنطقة العربية. واذا كانت المنظمات غير الحكومية المنتشرة في ربوع العالم العربي لم تفلح بعد في التخلص من اطار الطابع العام للحياة السياسية السائدة لدينا, فلا شك ان حداثة التجربة يضع العديد من القيود على اصدار القول الفصل بشأنها, فلا تزال الغالبية العظمى من المنظمات غير الحكومية في العالم العربي امتدادا افقيا لايديولوجية التيارات السياسية التي حرم بعضها (رسميا) من حق التنظيم الحزبي, او تعبيرا عن فشل العمل الحزبي في تحقيق عملية تغير جذرية, وهو ما نلاحظه في انقسام هذه المنظمات الى مجموعتين رئيسيتين احداهما تركز على الجوانب الاجتماعية والتربوية ويسيطر عليها بالاساس التيار الديني بتنوعاته كافة والاخرى تركز على قضايا حقوق الانسان والبحث الاكاديمي وتقع في معظمها تحت سيطرة النخب الثقافية اليسارية والقومية. وباعتبار اغلب هذه المنظمات امتدادا لتيار سياسي او اخر فإنها حملت في احشائها بذور القيم السياسية والاجتماعية السائدة لدى النخب الثقافية العربية ومن بينها الانحصار في الذات ونفي الاخر. وإذ يؤخذ على جل هذه المنظمات الدوران في حلقة مفرغة وان اتسع نطاقها في بعض الاحيان بفضل تسليط وسائل الاعلام الداخلي والخارجي الضوء على نشاطاتها, فإن ضيق افق السلطة في التصدي للمشاكل القانونية التي تنجم عن تعاملها مع هذا القادم الجديد يضع بدوره قيودا ضخمة على حرية التفاعل بين هذه المنظمات والمجتمع. ففي الوقت الذي لم يتبلور فيه بعد النضج الفكري والتنظيمي الكامل لهذه المنظمات, وهو مايبدو جليا في تسرعها لاقتطاع اجزاء متزايدة مما تعتبره الدولة ارثا تاريخيا وحقوقا لا يجوز (للآخرين) المساس بها, يتنامى الاحساس لدى النخب الحاكمة في العالم العربي بأن البلدان المتقدمة تبحث لها عن شركاء داخليين جدد شريطة ان يكونوا خارج الهيكل التنظيمي للدولة وخارج المؤسسات التقليدية الفاعلة في الشرق الاوسط, مما يدفع السلطة غالبا الى الاستنفار الدائم في مواجهة المنظمات غير الحكومية, ويفقدها القدرة على استيعاب حركتها والتفاعل الايجابي معها باعتبارها جزءا من الحركة التاريخية العامة لتطور المجتمع العربي. وإذا كان عزمي بشارة يشك في قدرة المنظمات غير الحكومية في العالم العربي ـ رغم اعتبارها مجموعة طليعية في حركة تشكيل المجتمع المدني ـ في اعادة انتاج ذاتها اجتماعيا, واخفاقها في التعبير عن قوى اجتماعية حقيقية قادرة على احداث التغيير الشامل على غرار منظمة تضامن البولندية مثلا. فإنه لا ينكر كونها مفيدة في المعركة العربية من اجل الديمقراطية اذا ما تم فهمها فهما تاريخيا نقديا يكشف حدودها التاريخية, وبالتالي الطاقة الكامنة فيها, محذرا من استخدامها كأداة للتحييد السياسي, فالمجتمع المدني دون سياسة, وخارج سياق المعركة من اجل الديمقراطية هو عملية اجهاض لمجمل المشروع النهضوي الديمقراطي العربي. الدولة والسلطة تباين موقف الادبيات العربية من قضية منظمات المجتمع المدني والدور المنوط بها في تعزيز الافق الديمقراطي يعكس استقراء مفهوم المجتمع المدني من زوايا مختلفة. فالتعامل مع منظمات المجتمع المدني في العالم العربي يتم باعتبارها كتلة موحدة تحمل رسالة او دورا محددا وموحدا في الدول العربية كافة وبذات الدرجة من النضج والوضوح في جميع مراحل تطور الدول العربية, وهو ما ينفيه الواقع والنظرية. فمنظمات المجتمع المدني بالأساس مؤسسات وسيطة بين الفرد والدولة ولكنها في الحالة العربية تقف وسيطا بين الفرد والسلطة تحديدا, ولا يعود ذلك الى عدم تشكل هيكل واضح المعالم للغالبية العظمى من الدول العربية ـ باستثناء عدد محدود من الدول المفرطة في مركزيتها بحكم الجغرافيا والموروث التاريخي ـ ولكن لأن الدولة ككيان ومؤسسة اجتماعية تتعرض مثلها في ذلك مثل الافراد لحالة من الاستلاب والاضطهاد من قبل السلطة, مما يفقدها الحد الادنى من الاستقلالية التي يجب ان تتمتع بها في تعاملها مع المكونات المختلفة للمجتمع. إن الفصل بين الدولة كتنظيم اجتماعي يتمتع بمشروعية تاريخية وبدرجة عالية من الاستقلالية والحرية في التعامل مع العناصر المختلفة التي ارتضت طواعيا ـ عبر مراحل التاريخ المختلفة ـ الانتماء اليها, والسلطة باعتبارها النخبة الاكثر قدرة (طواعيا او قهريا) على فرض سيطرتها ورؤيتها لتسير الدولة على مجمل الوحدات والنخب الاجتماعية الاخرى, ان هذا الفصل يدفعنا الى فهم الادوار المتباينة التي يمكن ان تقوم بها منظمات المجتمع المدني في مراحل تاريخية مختلفة, فمؤسسات المجتمع المدني الاجبارية التي ينتمي اليها الفرد دون اختيار والموروثة تقليديا من مرحلة ما قبل الدولة (القبيلة ـ العشيرة) تمارس دورا مقيدا او قمعيا للفرد أحيانا ولكنها في الوقت ذاته ومن خلال اعترافها بالدولة ـ السلطة فإنها تمثل ضمانة نسبية للحد من مغالاة السلطة في الاضطهاد والقمع, ولكنها في الحالتين ـ قمعها للمنتمين إليها او سعيها لتخفيف وطأة اضطهاد السلطة للمنتمين اليها ـ تمارس ذلك من منطلق كون الفرد جزءا من تركيبتها العامة وليس بوصفه فردا. ولا شك ان هذا الدور يغيب في المنظمات الطوعية التي تتعامل مع الافراد بوصفهم اولا واخيرا اعضاء وغالبا ماتعجز عن الدفاع عن المنتمين اليها او اعادة انتاج ذاتها لضمان الاستمرار على العكس تماما من المنظمات المدنية الموروثة من قبل نشأة الدولة. بيد ان مرونة الهيكل التنظيمي للمنظمات غير الحكومية الطوعية وابتعادها عن الشمولية العقائدية واهتمامها بالشأن السياسي العام يؤهلها نظريا للعب دور مهم في ترسيخ القيم الديمقراطية في سلوك النخب الثقافية العربية. وتشكيل ملامح اولية لجيل ليبرالي جديد يتبنى قيما راسخة للديمقراطية وحقوق الانسان في محاولة لملء الفراغ القائم بين مؤسسات القمع السلطوية من جانب ومنظمات الرفض وتكفير الاخر المنتشرة على طول الساحة السياسية وعرضها من جانب آخر. نهج امثل على مدار النصف الثاني من القرن العشرين سيطر مفهوم (حتميات الفوز) باعتبارها المصير النهائي للأمة العربية على العقل العربي السياسي والثقافي, وسواء كان المروجون لمفهوم الحتمية ثوريين يطالبون بإعادة توزيع الثروة القومية وحتمية انتصار القوى التقدمية العربية على الاستعمار والصهيونية او محافظين داعين الى التزام النص الديني والقيم التراثية مؤكدين ايضا حتمية الفوز في الدنيا والآخرة, فإن الديمقراطية لم تكن في نماذجهم الفكرية حتمية ومصيرا نهائيا للمشروع النهضوي العربي لن يكتمل او ينجح بدونها. بيد ان الافق يحمل الآن عديدا من العوامل الداخلية والخارجية المواتية تساعد على انتشار وترسخ الافكار الليبرالية المستنيرة باعتبارها المنهج الفلسفي الاكثر انسانية في فهم الطبيعة البشرية واستيعاب الانسان والتعامل مع افكاره ومشاعره ايا كانت دون تفريق او تمييز. ان التطورات المعاصرة تؤكد تحول الديمقراطية من نموذج لادارة السلطة في القرن العشرين الى نهج امثل للتعامل مع الذات والآخر بهدف الوصول بإنسانية الفرد الى حدودها القصوى وضمان توازن المجتمع مع مكوناته الداخلية. إن الديمقراطية عملية اجتماعية وسياسية تشمل كل اطراف الحياة, انها الحتمية التاريخية لنهوض عرب القرن الحادي والعشرين.