بقلم: د. أحمد القديدي يوم الأحد الماضي كنت في لندن وصادف انني أقمت في فندق غير بعيد عن (هايد بارك) , وككل مرة أزور لندن حرصت على التجوال في ارجاء هذه الحديقة الديمقراطية كأنني أزور جامعة أو برلمانا لكثرة المنابر فيها, فهي سوق عكاظ المملكة البريطانية , سوق بأتم معنى الكلمة تباع فيها ـ مجانا وبدون رسوم ـ الخطب العصماء حول كل شي: الدين والسياسة والمجتمع والثقافة والتربية والاقتصاد والعلاقات الدولية, ولكل خطيب مريدون. كل من يعتلي مصطبة ويشرع في إلقاء خطاب يجمع له عشرة أو عشرين أو مائة من رواد (هايد بارك) يسمعون ولكن أيضا يناقشون ويناظرون ويرفضون ويحتجون. سوق عكاظ حقيقية بعد ان نفقت أسواق عكاظ العربية وهجر الخطباء المنابر وهرع الناس من الخطب إلى أسواق البيع والشراء والحياة اليومية ونضبت ينابيع الفكر والفكر المخالف, لكن الأمر الغريب الذي لمسته يوم الأحد الماضي هو ان ثمانين بالمائة من الخطباء والجمهور والقضايا المطروحة هي أساسا عربية اسلامية, فقلت ما شاء الله. نعم ان (هايد بارك) أصبحت عربية اسلامية بالدرجة الأولى, فهل حل الانجليز كل مشاكلهم بعد ثلاثة قرون من الخطابة والرأي الحر, فسلمونا مفاتيح (هايد بارك) لنحولها إلى ساحة التعبير المفقودة في عالمنا العربي, خطباء يوم الأحد الماضي ـ أغلبهم ـ كانوا يثيرون قضايا شائكة وحساسة مثل العلاقة بين الدين والدولة وعلاقة العرب باسرائيل وعلاقة الحاكم بالمحكوم في نظر الشريعة والقانون وعلاقة الرجل بالمرأة في العالم العربي, وكان الجمهور العربي المسلم هو الطاغي وهو الغالب, وكان رجال ونساء الشرطة البريطانية الوديعة الحازمة يحرسون ويحمون الخطباء مهما كان كلامهم ويمنعون وقوع أي خروج عن النظام العام وأية محاولة لتعكير صفو ذلك المهرجان الديمقراطي, الغريب ان الاعلام العربي بصحفه ومجلاته وفضائياته ومواقعه على الانترنت هرب إلى لندن منذ عشرين عاما واستقر هناك واليوم نرى سوق عكاظ العربية تنصب مضاربها وخيامها على عشب (هايد بارك) الندي الأخضر, فتحولت (هايد بارك) إلى برلمان عربي مهاجر في الهواء الطلق تحت حراسة (البولسمان) البريطاني المهذب, وساعد على ذلك هذا الكم الهائل من اللاجئين السياسيين من كل حدب وصوب, ـ أو من كل صوب وحدب ـ هؤلاء المثقفون وقدماء الساسة والجامعيون والمنفيون ومشردو الرأي وكذلك المعارضون والمتعارضون والمعترضون وكل من يراقب حركاتهم وسكناتهم. ألم يكن من الممكن ان نطرح في مجتمعاتنا ـ وفي جامعاتنا على وجه الخصوص ـ هذا الصنف من القضايا دون ان نهجر قضايانا إلى (هايد بارك) ؟ أليست أراضينا الخصبة الخضراء أو الصحراوية الرمضاء أصلح لحوارنا من عشب (هايد بارك) ؟ لماذا لم نتعلم أدب الاختلاف منذ ان نزلت الآية الكريمة : (وشاورهم في الأمر) على الرسول العظيم خاتم الانبياء في شكل أمر إلهي مقدس ليست لأحد الخيرة من أمره في تنفيذه, فإذا كان هذا خطاب الله للرسول فما بالكم بمن هو دونه منزلة وقدرا وحُكما. ولماذا نطبق آية (وأمرهم شورى بينهم) في (هايد بارك) ولا نطبقها في عواصمنا وأحزابنا وبرلماناتنا وجامعاتنا؟ ان جولة قصيرة في (هايد بارك) تشير إلى ما وصلت إليه بعض مجتمعاتنا من انسداد قنوات وتصلب شرايين, فلم أجد فيما قاله الخطباء الموسميون الذين استمتعت إليهم من غضاضة أو خطر محدق, بل هو كلام ينم عن رأي يخالفه الجمهور المستمع أو يصفق له استحسانا واستزادة, لكنه في آخر الأمر رأي والرأي يُسمع ويعارض ويُفند لكنه لا يستحق العصا.. واللوم هنا ليس على الحكومات فقط, بل على أصحاب الرأي كذلك الذين لا يعتدلون ولا يحترمون غيرهم فتكون آراؤهم أحيانا دعوة للتكفير واثارة للعنف والفتنة, كلنا مدعوون لجولة في (هايد بارك) لنتعلم أصول الحوار, (هايد بارك) التي يمكن ان نسميها (عرب بارك) .