بقلم ، عبد القادر ياسين بحت اصداء ثورة 1936, خاصة بعد مقتل قائدها العسكري, عبدالرحيم الحاج محمد, في مارس 1939 ووقعت البلاد اسيرة جراحها. فيما اضطرت الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) بريطانيا الى الاعتماد على الصناعة الفلسطينية في سد احتياجات القوات البريطانية المرابطة في فلسطين, التي اخذ حجمها في الاتساع المطرد, فنمت الصناعة المحلية, ومعها اتسعت دائرة البرجوازية المحلية, وتضاعف حجم الطبقة العاملة, ومعها معدلات الاضرابات المطلبية العمالية. فيما ادى تحول الاشتراكية الى قوة عالمية الى هروب الرأسمالية العالمية ومن ضمنها الفلسطينية في اتجاه اليمين, اكثر فأكثر. بعد الضاغط العالمي, جاء الضاغط المحلي, حيث اقنع اخفاق ثورة 1936 قطاعا غير قليل من الرأسمالية الفلسطينية بعقم مواجهة الاستعمار, وغدا هذا القطاع اكثر ميلا لمهادنة الاستعمارة دون ان تمنع هذه المهادنة من خروج قلة حد مهاودة الاستعمار. اما الفئات الوسطى فناءت تحت نير الضرائب المتزايدة, والازمات الاقتصادية التي تلاحقت إبان الحرب العالمية الثانية, وفي اعقابها, فالتحقت نسبة غير قليلة من ابناء الفئات الوسطى بالمنظمات شبه العسكرية الفلسطينية (الفتوة, والنجادة) في حين لاذت نسبة اقل من تلك الفئات بعصبة التحرر الوطني, تلك المنظمة الماركسية العربية الفلسطينية التي تكونت خريف 1943 نتيجة انسلاخ الاعضاء العرب الفلسطينيين عن ( الحزب الشيوعي الفلسطيني) حتى غدت عضويته وقفا على المستوطنين الهيود الذين اخذوا بالايديولوجية الشيوعية. فيما تزايد سخط المثقفين بسبب التهام الموظفين البريطانيين اكثر من ثلثي مجمل الرواتب المخصصة لموظفي فلسطين الحكوميين, وحتى عام 1942 فإن ربع موظفي الحكومة كانوا من العرب, في الوقت الذي شكلوا فيه ثلاثة ارباع السكان, ناهيك عن حصة التعليم المتدنية في موازنة حكومة الانتداب (5%) وسياسة تضييق التعليم, مقابل ربع الموازنة للبوليس والسجون. في الريف اتسع التحول الى الزراعة الرأسمالية, فارتفعت اسعار المحاصيل الزراعية وان حالت الضرائب المتزايدة في اطراد دون احداث تراكم رأسمالي هناك, مواز لارتفاع معدلات الريع فيه. الى ذلك ارتفع حجم المستوطنين اليهود الى 660 الف نسمة, حازوا عليها اكثر من نصف مليون فدان, الامر الذي زاد في فزع الشعب الفلسطيني على وجوده, وعلى ترابه الوطني من المشروع الصهيوني, الذي تأكد من خلال مؤشرات عدة بأن الصهيونية قد حثت الخطى لنقل هذا المشروع الى حيز التنفيذ, بعد ان نقلت الصهيونية ثقلها من لندن الى واشنطن غداة مؤتمر بلتيمور (مايو 1942) الصهيوني, حيث خففت القيادة الصهيونية من ثقلها في لندن من ثلاثة من اعضاء لجنتها السياسية الى مجرد عضو واحد من هذه اللجنة, مقابل عضوين نقلتهما القيادة الصهيونية الى واشنطن, على نحو يعكس نسب ارتكان الصهيونية على كلتا العاصمتين الاستعماريتين. غني عن القول بأن انتقال الصهيونية هذا جاء وفاء لما دأبت عليه, من التحاقها بالطرف الاستعماري الاقوى, اذ قويت شوكة الولايات المتحدة الامريكية خلال سنين الحرب العالمية الثانية, مما جعلها تحتل موقع بريطانيا في طليعة المعسكر الاستعماري. هنا عمد الاستعمار البريطاني الى التلكؤ في امر تنفيذ المشروع الصهيوني, لانه سيكون من ادوات مزاحم الاستعمار البريطاني في المنطقة (الاستعمار الامريكي) فيما واصلت الادارة الامريكية ضغوطها على الحكومة البريطانية للاستمرار على سياستها العتيدة في دعم الصهيونية وذلك في سياق الصراع الامريكي البريطاني المكتوم, حيث اخذت الولايات المتحدة في التطلع لاعادة توزيع المستعمرات على نحو يعكس وزن كل دولة استعمارية ولعل في هذا بعض مايفسر الصراع الامريكي ـ البريطاني والفرنسي غداة الحرب العالمية الثانية. التمايز في مجال الوقائع السياسية تصدر موسى العلمي غداة عودته من العراق (1942) مجموعة من المثقفين الليبراليين الذين لايخفون اعجابهم بزعيمة (العالم الحر) الولايات المتحدة الامريكية ودعمت حكومة العراق العلمي في توجهاته السياسية, وتجلى ذلك في وقوف العراق الى جانب العلمي في تأسيس (المكتب العربي) في القدس مع فرعين له في واشنطن ولندن, بهدف الدعاية للقضية الفلسطينية هناك: (لتخليص الشعبيين البريطاني والامريكي من اسار الدعاية الصهيونية) . فيما رعت جامعة الدول العربية تأسيس (الهيئة العربية العليا) التي حلت محل (اللجنة العربية العليا) وقد حرصت الجامعة على استثناء اليسار الفلسطيني من الائتلاف الجديد, وقد تمثل اليسار الفلسطيني, آنذاك في (عصبة التحرر الوطني) و (مؤتمر العمال العرب) و (رابطة المثقفين العرب) . قابلت الصهيونية التلكؤ البريطاني ازاء المشروع الصهيوني, بشن هجمات مسلحة ضد الجند البريطانيين في فلسطين وانزال خسائر بشرية في هؤلاء الجند, ورضخت لندن, جزئيا, للضغوط الامريكية فتشكلت (اللجنة الانجلو ـ امريكية) ربيع 1946 التي اخذت على عاتقها النظر في امر مدى تحمل فلسطين دخول مئة الف يهودي اليها. قاطعت (عصبة التحر الوطني) وحزبا( الكتلة الوطنية) و (الاصلاح) تلك اللجنة باعتبارها (لجنة تضليل استعمارية) فيما مثل بين يدي هذه اللجنة معظم زعماء البلاد العرب, الى جانب القادة الصهاينة. في 20/4 اصدرت هذه اللجنة تقريرها, الذي اوصى بادخال مئة الف يهودي الى فلسطين مع تسهيل انتقال الاراضي لليهود, وابقاء فلسطين تحت الانتداب البريطاني, ومع تجاهل بريطانيا هذه التوصيات جددت العصابات الصهيونية المسلحة هجماتها ضد جند الانجليز. دخلت القضية في مأزق شائك, واستفحلت تعقيداتها مما اضطر لندن الى دعوة كل الاطراف المتصارعة الى (مؤتمر لندن) الذي انعقد في العاصمة البريطانية, مع نهايات 1946 وبدايات 1947 بيد ان هذا المؤتمر اخفق في التوصل الى تسوية هنا حولت لندن القضية برمتها الى الامم المتحدة لتوهم وزير الخارجية انذاك, ارنست بيفن بأن المحفل الدولي اعجز من ان يتوصل الى تسوية للقضية الفلسطينية بسبب الصراع المحتدم, والتوازن الحرج داخله بين الكتلة الاشتراكية والولايات المتحدة الامريكية واتباعها ما يشير بإعادة القضية الفلسطينية الى لندن, من جديد لكن الكتلة الاشتراكية خيبت الامل فيها اذ صوتت لصالح تقسيم فلسطين, الذي اقترحته اغلبية اعضاء اللجنة الدولية, التي ارسلتها الامم المتحدة الى فلسطين وبذا حصل مشروع تقسيم فلسطين في الامم المتحدة على اغلبية 33 صوتا, ضد 13 وامتناع 10 اصوات فقط عن التصويت (29/11/1947) . لقد حفلت مناقشة قضية فلسطين على مدى سبعة اشهر, في الامم المتحدة (ابريل ـ نوفمبر 1947) بالدورس المستفادة, لعل من المفيد الاشارة اليها هنا: * اول هذه الدروس ان القيادة الفلسطينية لم تلتقط الصراع الامريكي ـ البريطاني حول مناطق النفوذ عموما, وفلسطين بضمنها وبالتالي عجزت تلك القيادة عن توظيف التناقضات الامريكية ـ البريطانية لصالح القضية الفلسطينية, دون الاكتفاء بالارتكان على هذه التناقضات. *الدرس الثاني ان القيادة الفلسطينية لم تلحظ تحول الوعي الصهيوني من بريطانيا الى الولايات المتحدة الامريكية, وبالتالي فقدت تلك القيادة القدرة على توسيع الهوة بين الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية في فلسطين. *الدرس الثالث يكمن في نجاح القيادة الصهيونية في مد الجسور مع السوفييت والامريكيين في آن بينما خشيت القيادة الفلسطينية من مد أي خيط مع السوفييت, حتى لا يغضب الغرب الاستعماري, فخسرت فلسطين سندا دوليا محتملا, عملت الصهيونية على كسبه, وقد كان لكن الى حين. لعل الدرس الاخير ان رفض القيادة الفلسطينية لقرار التقسيم لم يكن كافيا اذ تطلب الاستعداد لوضع هذا الرفض موضع التطبيق, ذلك ان عدالة القضية, وحدها لا تكفي شرطا للنصر, بل ثمة, ايضا, الحزب الفاعل الديناميكي, القادر على تقديم القيادة الجسورة, المحنكة, القارئة بطريقة صحيحة واقعها وواقع اعدائها, ناهيك عن الواقع المحيط, القادرة على نسج تحالفات محلية, واقليمية, ودولية صحيحة, بعد ان تكون اجترحت برنامجا سياسيا سليما, ضمانا لاداء صحيح, ولتكتيكات صائبة. ليت الامر اقتصر على اساءة العمل في الامم المتحدة, وترك قرار التقسيم يمر, واغفال خطوات ضرورية لمواجهة النشاط الصهيوني في ذلك المحفل الدولي, من اجل العمل على احباطه, بل امتد الاخفاق الى ميدان القتال, فكانت الهزائم التي حاقت بالجيوش العربية, وهي الهزائم التي نسجت نكبة شعبنا العربي الفلسطيني, لكن كيف؟